مصر ام الدنيا ومهد الحضارات وارض النبوءات هكذا يطلق عليها وهكذا كانت مما جعل المصريين يعتزون ويفاخرون بهذا التاريخ الموغل في القدم والذي ظلت آثاره تبهر العالم مما اهل مصر لتكون قبلة للسواح والباحثين عن التراث والحضارات الانسانية لكن مع كل هذا الارث المشرف فان ما يحدث في مصر هذه الايام جعلها في محك صعب ونفق ضيق وامتحان عصيب قد يشوش على تاريخها ويفصلها عن ماضيها وان هذا التشويش والانفصال لم يبدأ لتوه لكنه بدأ وظهر جليا بظهور ثورة يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر الذي دعا صراحة الى القومية العربية نابذا وراء ظهره كل نظرية دينية او ليبرالية اعتقادا منه انه بهذه القومية  سوف ينهض بالامة العربية عامة ومصر خآصة ويكون قوة ثالثة مكافئة للغرب والاتحاد السوفيتي فأسس دولة قابضة دولة الحزب الواحد والرئيس الواحد حتى الموت فبدأ بالمصادرات والتأميمات ودخل في معارك سياسية مع الاخوان وغيرهم انتهت بمقتل سيد قطب حتى تخلو له الساحة وليفعل بمصر مايريد واخيرا وضح ان كلما كان يقوله ويفعله جمال كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا فكان نتاج ذلك نكسة حزيران التي دمرت مصر تماما وفقدت بسببها مصر مكانتها السياسية والادبية في العالم العربي كما فقد جمال بريقه وسط المخدوعين فيه مما عجل بنهايته ووفاته فمات ودفنت معه احلامه وآماله التي اراد ان يقيمها على انقاض الاسلام وعلى ركام كل ما هو اسلامي فذهب هو وبقي الاسلام ثم عقبه السادات الذي لم يكن احسن حالا منه بل العكس كان جمالا اكثر نخوة وشهامة ومصادمة للغرب وكراهية لاسرائيل فجاء السادات فزاد  مصر خبالا الى خبالها ووبالا الى وبالها واهانها واذلها بابرام اتفاقية كامب ديفيد التي تحولت بها القضية الفلسطينية من قضية قومية الى قضية تخص الفلسطينيين وعزل بذلك مصر عن محيطها العربي والاقليمي وكان له كذلك معارك مع الاسلاميين وهم الذين قتلوه فذهب هو وبقي الاسلاميون ثم عقبه حسني مبارك والذي كمل ما بدأه الاثنان من اذلال لمصر وتخلف عن ركب الحضارة والثورة الصناعية التي اجتاحت العالم حدث هذا بعد ان كانت مصر بامكانها ان تصل الى ما وصلت اليه اليابان وماليزيا وكوريا واندونيسيا ودول شرق آسيا التي ظهرت الى السطح والتي لم يكن لها وجود عندما كان العالم يعرف مصر ويعرف المصنوعات المصرية من ملابس واحذية واواني وغيرها وكانت منافس رئيسي للبضائع اليابانية في العالم العربي والاسلامي فجاء ثلاثتهم ليوقفوا كل ذلك ويغيبوا مصر تماما ويوأدوها وهي حية مما جعل مصر دولة متسولة تعيش على المعونات والهبات وهذا مقصود في حد ذاته لابعاد مصر عن اي دور قيادي او مواجهة مع اسرائيل هذا هو حال مصر منذ ستين عاما وما اظن هذا يسر من كان في ضميره ذرة من وطنية او حب لمصر كما يدعي المصريون وكان كذلك لمبارك معارك مع الاسلاميين وقد خرج مرسي من سجن مبارك ليكون رئيسا لمصر فذهب حسني مبارك وبقي الاسلاميون فهذه صور وعبر لمن يعتبر وبعد الربيع الاسلامي ظننا ان مصر ام الناس وحاضنة الازهر سيكون لها الدور القيادي والريادي في انجاح التجربة الديمقراطية الوليدة في العالم العربي والاسلامي لكن للاسف الشديد احبطنا وفوجئنا ان اول من يسقط في امتحان التجربة هي مصر نفسها وليست ليبيا او تونس وذلك بانقضاض العسكر على نظام ديمقراطي لم تحظ به مصر في تاريخها فجاء العسكر ليرجعوا الناس الى الخلف والى المربع الاول حيث الدولة البوليسية والقبضة الامنية والتبعية والاذلال والتسول ومد اليد للمعونات والاميريكية منها خآصة لتبقى القبضة والهيمنة وسلامة اسرائيل ان لم يكن ذلك كذلك فما هي مصلحة اميركا من دعم الجيش المصري هل لتقوية الجيش المصري لمواجهة اسرائيل طبعا لا ثم ما هو الغرض من المناورات العسكرية هل لتحسين اداء الجيش المصري حتى يكافئ جيش اسرائيل طبعا لا وما المصلحة لامريكا من دعم الشعب المصري بقمح ما قيمته اثنين ملياردولار سنويا هل ليسعد الشعب المصري ويقوى ساعده لضرب اسرائيل طبعا لا لكنها العمالة والمسكنات والمخدرات ليوم ما واظنه اليوم قد اتى بانقلاب السيسي على السلطة الشرعية التي لا تريدها اميركا وبضوء اخضر منها كان الانقلاب ولم ينتظر السيسي كثيرا حتى ينفذ المخطط والاستراتيجية الاميريكية فبدأ بمواجهة الاخوان واغلاق كل القنوات الاسلامية ومواجهة حماس وتدمير كل الانفاق المؤدية الى غزة والسعي لاستئصال الاخوان وذلك بقتلهم وابادتهم واعتقال ما تبقى منهم ظنا منه انه بذلك يدوم له حكم مصر وتستقر الاحوال ونسي انه لم يكن اشد بطشا وحنكة ودراية بامور الحكم من الذين سبقوه وقد استعرضنا نهايتهم الحتمية والتي سوف تكون نهاية كل من يسلك طريقهم ولا يعتبر بقصصهم ولا يقرأ التاريخ ومن المخجل ان يحدث ما يحدث في مصر على مرأى ومسمع من الدول الاوربية واميركا حماة الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان وهذا كشف القناع عن الغرب وعما يرفعه من شعارات يحركها الغرض وتفعلها المصالح والا فكيف للغرب ان يظل يتحدث عن توقيف البشير ويتردد في ضرب الاسد ولا يستطيع ان يدين ما يحدث في مصر ادانة صريحة غير قابلة للتأويل والاحتمالات ثم يتحدث عن سلاح كيميائي قتل به بضع آلاف ولا يتحدث عن مئات الآلاف الذين قتلهم بشار وكأن الادانة يحددها نوع السلاح وليس القتل ثم ان النظام في مصر يعتبر اسوأ نظام مر على العالم منذ فجر التاريخ لأن كذبه موثق وتقتيله للمواطنين العزل مشهود وتلفيقه وفبركته لم تقنع احد النظام الذي اقام انقلابه على الكذب والنفاق والمغالطة حتى ظلوا يغالطون اعين الناس ويلعبون على الذقون ويضحكون على العقول وما علموا انهم يلعبون على ذقونهم ويضحكون على عقولهم بما يقدمون من تهم للمتظاهرين وروايات مصنعة جعلت النظام في مصر مضحكة عالمية ومسرحية هزلية يومية تعرض عبر القنوات ووسائط الاتصال سؤالنا كيف لدولة بهذا المستوى من السوء ان يرجو منها شعبها خيرا وكيف تستطيع الدول الاخرى ان تتعامل مع دولة بهذا السوء وكل مسئوليها يكذبون فالمشهد المصري اهم ما امتاز به انه اوضح الرؤية وازاح الستار عن حقائق وضعت كل شيء في مكانه وبحجمه ومقداره الحقيقي خآصة الدول وحكوماتها واوضح كذلك الفرق بين الشعارات والقناعات وبه تمايزت الصفوف وبه صار الناس معسكرين معسكر الشعوب ومعسكر الحكومات التي اصبحت في واد وشعوبها في واد آخر وصار المكيال باكثر من مكيالين اكثر وضوحا فصار الكذب هو المعتمد والنفاق هو السائد وتغليب المصلحة هو الغالب وهذ لم يكن جديدا في سياسات الدول لكنه بلغ قمته في التعامل مع المشهد المصري بعد المشهد السوري وقبله الفلسطيني فهلا فهمت الشعوب مرة اخرى واهم من ذلك كله اظهر المشهد المصري السلفيين والسلفية على حقيقتها ومعهم المملكة العربية السعودية مهد السلفية ان ليس للسلفية هدف الا تفريق الامة والسعي لاضعافها ان لم يكن ذلك كذلك فعلى اي نص اعتمد السلفيون في وقوفهم مع معسكر الليبراليين والعلمانيين الذين ينادون صراحة بعلمانية الدولة ورفض القوانين الاسلامية فعلى اي رأي فقهي استندوا في مساندتهم للانقلابيين الذين ان لم يكونوا مدعومين من اليهود والنصارى فالذي لا شك فيه انهم راضون عنهم وما هو تفسيرهم او فهمهم للآية:( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون)وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)اخشى ان يصدق عليهم قول البعض انهم من الدسائس في الامة والا فما معنى هذا الذي يحدث منهم والحديث يقول:( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله  أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره)وهذا يعني ان لا سبيل لك ان تقف ضد من يشهد ان لااله الا الله وان محمد رسول الله على الاقل ان لم تقف معه، نأمل من الشعب المصري ان ينتبه الى ما يراد به ويساق اليه والذي لا اظنه يحتاج الى اضاءة ونطمئنهم ان هؤلاء الانقلابيون ذاهبون انشاءالله وسيحملون معهم السوء كله والكذب كله والنفاق كله والاذلال كله والتبعية كلها كما ذهب الذين من قبلهم وتبقى الحقيقة التي لا يحجبها الغمام والحق الذي لا يهزمه الباطل مهما طال ليله.
ahmed altijany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]