بسم الله الرحمن الرحيم


نعيش هذه الأيام نفحات وبركات شهر من أعظم الشهور , ألا وهو شهر ربيع الذي وُلد فيه أعظم إنسان والذي يعني مولده مولد خير كتاب ألا وهو القرآن ومولد خير أمة من الإنس والجان .....
مفتاح الجنان .. الشفيع من النيران .. الذي أوضح وأبان ودعا إلي سبيل ربه بالحجة والبرهان ...
إن سيرة المصطفى من أعظم السير لما فيها من المواعظ والعبر .. فأولها مجاهدات وتضحيات ... وآخرها تمكين وثبات ...
لقد أضاعت الأمة الزمن في المراشقات والجدل في المسائل الفرعية والخلافات ... فكفروا الداخل ونفروا الراغب .. فأصبح الحديث عن المسبحة مقدم على الحديث عن الدعوة .. والجدل في بدعة المولد أكثر من التصدي إلي الذين يسيئون للرسول صلى الله عليه وسلم ... والإساءة للأموات مقدم على إصلاح الأحياء وتوعية المجتمع ومحاربة الظلم والرذيلـة ...
نقول لهؤلاء أن عمل السلف ليس حجة علينا إذا كان حاجة المسلمين إقتضت أن يفعلوا شئ لم يكن السلف في حاجة إليه .... وإلا فلما الإجماع ولما القياس ولما فقه الضرورة ولما الإجتهاد ...
فإذا كان الإحتفال بالمولد لم تكن له ضرورة في سالف الزمان ... فإن في هذا الزمان أصبح للإحتفال بالمولد ضرورة بعد أن صار شخص النبي صلى الله عليه وسلم هدفاً للإساءة والسب والتشهير ... فالإحتفال بالمولد هو الرد الأبلغ على هؤلاء الذين سخّروا لذلك القنوات وألفوا الكتب ودبجوا المقالات وأخرجوا الأفلام سباً وتجريحاً لهذا النبي الإمام ... وأظنهم قد وجدوا من يعينهم على هذا الهدف من الذين يتحدثون عن بدعة المولد ... فبالله إذا إستطلعنا آراء الذين يسيئون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفرون بما أُنزل إليه .. وقلنا لهم أيهما أفضل لديكم , الإحتفال بمحمد أم عدمه , مدحه أم ذمه , وعلى الإجابة يمكن أن تحكم على الإحتفال.
فلهذه الاسباب ومنها الحملة الشرسة ضد شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه أصبح الإحتفال بالمولد ضرورة إذا كان للأمه فقه ضرورة , وإذا كان للأمة إجماع , فالإجماع واجب على الإحتفال بهذا النبي الرحمـة ....وإذا كان للأمة قياس فلتحركه حتى نحتفل بهذا النبي المنـة.
وإذا كان الإجتهاد حق لهذه الأمـة فليجتهد العلماء ويخرجوا لنا بكيفية للإحتفال بهذا النبي النعمة , إحتفال يخدم الدعوة ... خالياً من كل بدعة تتصادم مع النصوص ولا تنتهك فيه حرمة ولا يتعارض مع سنة .... والإحتفال بالمولد يمكنه أن يكون منبر موعظة ومنصة دعوة ووسيلة تبليغ , ويمكنه أن يكون بمثابة تنبيه للغافل عن هذا النبي العظيم وتذكرة للناس بهذا الدين القويم ولفت نظر لغير المسلم الذي يريد أن يعرف عن الإسلام وعن نبي الإسلام..... ولأن الإحتفال يكون متاحاً للكافر والمسلم , للطائع والعاصي , للمرأة والرجل , وللصغير والكبير بخلاف المساجد التي لا يدخلها إلا المسلم .....
يمكن للإحتفال أن يكون حدثاً عالمياً كما الألعاب الأولمبية وكأس العالم ... ويمكن أن يُقام سنوياً وتستضيفه إحدى الدول الإسلامية ويؤمه كل الناس مدعوماً بالعلماء والمفكرين وبكل اللغات حتى يكون لكل سؤال جواب عن الإسلام وبني الإسلام ...
فبدلاً من الإختلاف  , الأفضل أن نجلس لنضع تصوراً لكيفية الإحتفال به وكيف نقدم شخصه ودينه للعالم بأنه هو الأفضل ودينه هو الحل والمؤهل والقادر على توحيد البشرية في مجتمع متكافل متسالم ....
يجب أن يكون الإحتفال عرض لسيرة وإستذكار لعبرة .. يقول تعالى: (وكُلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) وقوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) ... والذي نستفيده من هاتين الآيتين أنه لا مانع من سرد القصص وإستعراض السير لما فيها من المواعظ والعبر.
وما أظنه مبتدع من يتحدث عن سيرة عظمائه ... وليس بمخالف من يستعرض قصص أبطاله ... وليس بمحدث من مدح رجلاً على عظيم أعماله ... أخرج الإمام أحمد ومسلم والنسائي بسندهم عن جرير بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً) ... قال الإمام النووي (إن هذا الحديث فيه الحث على الإبتداء بالخيرات ومن السنن الحسان .. والتحذير من الأباطيل والمستقبحات ... وما أظن الإحتفال بالنبي يكون من المستقبحات ... ويمكننا أن نسن الإحتفال بالمولد إن لم يكن من قبل موجود.....
يمكن للإحتفال بالمولد أن يكون معرضاً دولياً لعرض كل ما من شأنه أن يعكس صورة هذا النبي وصورة أصحابه ... وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .. فليكتب الكتاب مدافعين عن هذا النبي وصحابته العظام .. وليخرج المخرجون الافلام ليردوا على الباغي ويرغبوا الباحث عن الحقيقة ..
وعلى الشعراء أن يشعروا منافحين عن الإسلام ونبي الإسلام ... وفي صحيح مسلم أن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ....يمكننا أن نجعل الإحتفال بالمولد منافحة ومفاخرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ويمكننا أن نجعل من مولد النبي صلى الله عليه وسلم الحدث الأكبر في العالم والنداء الأعظم لمعرفة الإسلام ودعوته .... إذا كان لا مانع عندنا من جمع الناس للهو واللعب وصرف المليارات علي ذلك فلتصرف الملايين نشراً لهذه الدعوة ونقدم التسهيلات لكل من يريد أن يشهد هذا المشهد من غير المسلمين لأنهم أهداف الدعوة وصيدها ... ومن أحسن قولاً ممن دعا إلي الله.
نقول هذا وهناك من يقول الإحتفال بالنبي في إتباع شرعه وعدم مخالفته ... هذا صحيح بقدر لكن من إتباع شرعه الدعوة إلي دينه ... ونقول لهؤلاء أن الرسول جاء صاحب دعوة وليس صاحب عصمة ليعصم الناس من إرتكاب الأخطاء والمخالفات .... جاء النبي ليشهد الناس أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... جاء ليعلمهم كيف يتوبوا إذا أخطأوا وكيف يستغفروا إذا أذنبوا ... جاء ليردهم عن عدم الإصرار على الذنوب وليس عدم إغتراف الذنوب ... ويقول لهم لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الإستغفار ... وهو القائل (كل إبن آدم خطاء ... وخير الخطائين التوابون) ...
أما الحديث عن الإختلاط ... فالإختلاط المشدد فيه .. فهو إختلاط الخلوة وفي أمكنة اللهو واللعب وليس في ساحات الدعوة والمساجد للإستماع لحلقات العلم والذكر .. هذا إجتماع وليس إختلاط !! وإلا كيف نفسر إختلاط الحجيج في الطواف حول الكعبة والصفا والمروة ... وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)
أقول هذا لأنه قد يأتينا من الغربيين من النساء والرجال من يريد أن يستمع أو يشاهد ما يعرض في هذا المولد المقترح فلا يمكن أن نقول للواحدة منهم لا تستمعي ولاتشاهدي حتى تحتشمي ... فعلى الداعي أن يلتزم هو بشروط الدعوة ويقبل المدعو بعلاته ومحاولة التأثير عليه ... فالرسول كان يذهب للمشركين في الأسواق والأندية لدعوتهم إلي الله ...
فالإحتفال بالمولد ما هو إلا شكر على نعم وإستذكار لعبر وعرض لمواعظ وسير... يقول تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) ....
أي رحمة تستحق الفرح إن لم يكن هو ... وأي فضل يستوجب الشكر غيره صلى الله عليه وسلم ...