بسم الله الرحمن الرحيم

 

-1-

منتصف أكتوبر من تسعينات القرن الماضي حزمت الحقائب للرحيل الذي كنت اظنه محدودا وقليلا ورغما عن ذلك حملت ثقلا هائلا من الاسى وقلب مفجوع من الم لا يغادر ابدا ... حيث تركت مقعدي حيث اعمل صحفيا شاغرا جدا ... كنت حفيا بعملي في الصحافة زاهدا فيما عداه .. وقتها لا اقدر " الدولار " وما زلت رغم تطاول السنون ... ولا احلق نحو مدن لامعة حيث كنت نحيلا إلى درجه أخشى ان تحمليني فيها غضبة الرياح المحملة بالاتربة ذات الرائحة و السواد الذي يسد الافق .. كنت قانعا بمدينتي وشوارعها الخالية من الذائقة الجمالية ... حيث تركت هكذا عارية مظلمة موحشة ولكنها حانية صادقة مترعة بأنفاس الحبيبة التي تشتم منها مسكا خاصا خالصا ... ركبت الطائرة التي تقلني الى مدن بعيدة موحشة باردة لها أسرار لا أجيدها ولا أدركها ... لكني وسط الاسى مدركا أنني سأترك الحبيبة وحيدة الا من ذكرى حيّة تبدأ بالصلاة ولا تنتهي بالنظر للغروب على النيل ومنظره الباكي الذي يفيض في الدنيا شجنا جديدا ... ركبت الطائرة تاركا الامكنة التي ارتدها مع الحبيبة التي وهبتني مسبحة مضخمة بعرقها النبيل حيث رائحة جيدها وجسدها واشيائها .

-           2 –

صحيفة السودان الحديث التي بمثابة مستودع يفيض أبدا تزرع الحيوية في المدينة الهيكل التي كنت اسميها ... خلصت لها ـ تماما ـ اتدفق حيثما نادتني ولم ادرك اهميتي .. ولم تكن لي اهمية سوى قلم اتحرّى فيه صدقا خالصا .. فقد كنت من حماه المشروع الحضاري الجديد ... ابشر به كيفما رأيت حيث " امل " التي ترتدي خمارا حاسما تهرب من خصلات كارهه لهذا الحصار ... كتبت لها رسائل عن الانعتاق والاحساس بالكرامه وبالامل فقد كنت صارخا في حبي أتغزل في هذه الحبيبة كفاحا عبر الصحف وفي الهواء الطلق ليكون تعبيرا مباشرا عن مساحة مميزة من الحرية وتلك قصة اخرى .

-           3 –

اذكر قبل يوم السفر رصت الكراسي بشكل حميم لحفلة وداعي التي كنت اتهرب منها كثيرا... وجلست " المدينة الهيكل "  كلها لوداعي من كبارها الى اصغر موظف بها وكان الأجمل ... وطائفة مميزة من صحفيها الذين هم بمثابة رجال الصحافة اليوم ... وصباياها اللاتي تزوجن وعمرّن الأرض بالبذر الصالحة بنين وبنات ... كن اكثر حياءا من الان حيث للبدايات رونقها وكنت شبه لا مبالي يعتصرني  الاسى الا انني ابدو شجاعا راكزا احتمل فجيعة المجهول بجلد اقرب للجسارة  !!!

وصلت المطار الكبير مترامي الأطراف وعينايّ زائغتان تماما ولولا اعتبارات اخرى لاطلقت الدموع لتعبر ما تشاء ... فاستقبلني الشتاء أثناء الخروج من الصالة إلى العراء ... حيث أرجعني إلى حالة الحنين إلى الأمكنة التي غادرتها لبضع ساعات .

د. أمين حسن عمر ذكر لثلة من الإخوة بالصحيفة آنذاك ضاقوا من طلاقتي وعلاقتي بالآخرين ... إنني سأغادر للعمل والعلاج لفترة محدودة ... فطالت المدة ... وسكن المرض وبدا حلم الرجوع للوطن والحبيبة سرمديا اقدراه بيد الله وتلك قصص أخرى !

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.