بسم الله الرحمن الرحيم

عادل عبد الرحمن عمر
كاتب وصحفي سوداني
-1-
ربما تُصنع أحداث ضخمة ومشكلات معقدة ونتئوات عميقة تغير التاريخ لدولة ما او كيان ما او منظومة ما بفقه المؤامرة التي لا يحبذها الكثيرون حتى لا يغمضون أعينهم من أخطاء فعلتها ايديهم ولكن دراسة التاريخ السياسي تشي بجلاء دور إمبراطوريات او دول عظمى واجهزة استخبارية في احداث غيّرت مجريات التاريخ .
والناظر اليوم للعلاقة السودانية المصرية يرى هذه المسألة بوضوح ناهيك عن هواجس وضبابية في اعمق علاقة بين دولتين يربطهما من العلاقات الازلية والتاريخية والحيوية التي بإمكانها هزيمة التربص الذي يلازم العلاقة العضوية بالضربة الفنية القاضية.
لكن يبدو ان قدر هذه العلاقة الاستثنائية تنتاشها العديد من الايادي التي خبّرت مليّا الضرب تحت الحزام وبشكل غير أخلاقي لتصمد وتعيش على أنقاض ما يفترض عليه ان تكون العلاقة من تكامل أصيل يتجاوز الدولة العميقة للنفاذ لمستقبل شعبيّ البلدين اللذان يتطلعان لمستقبل أفضل .
يستغرب الكثيرون وقوف السودان حكومة وشعباً مع مصر في مصيبتها الأخيرة بتفجير عدد من دور العبادة لقطاع حيّوي من الاخوة الاشقاء، في وقت يُظن فيه الكثيرون بتوتر العلاقة بين البلدين الشقيقين المتهم الاول فيها الاعلام المصري ومواقع التواصل الإجتماعي في كلا البلدين اللذان لم يُراعيّا منطوق الجغرافيا والتاريخ وجعلا من مواضيع التأشيرة ومثلث حلايب وبعض المهاترات والصورة الذهنية المترسخة لمّا ورّثة الاعلام المصري من مشاهد في الحُكمْ على علاقة ترتبط بمصائر عديدة فمصر بحجم وزنها في التاريخ في الحرب والسلم وقيادة العالم العربي بالثقافة والتعليم ... السودان بفضله وعزته وتاريخية المُشّرف حرباً وسلماً ووقوفه مع مصر في كل إنتصاراتها وهزائمها .
توالت الحقب الزمانية وتغيرت الشعارات السياسية وتبدلت الحكومات في كلا البلدين عبر السنين، لكن حقيقة أزلية لم تتحوّل أبداً أن النيل ما زال يجري من الجنوب إلى الشمال في حقيقة مصيّرية تجمع السودان و مصر في بوتقه واحدة ,
هذه الحقيقة يدركها الحكام في السودان بشكل لا لبس فيه ولا ريبة ولا هواجس بينما أقدر أن هذه الحقيقة بها بعض الغبار الكثيف الذي يشوش كثيراً من النظر المصري للسودان.
بعيداً عن لغة العاطفة التي تُظهر عورتها على مصر أن تجد حلاً لمسألة مثلث حلايب سواء بالتحكيم أو تصبح منطقة تكامل وفق الرؤية السودانية لتعبّر عن عظمة شعبي وادي النيل مثلما يقف السد العالي شاهداً على تضحيات الشعب السوداني ونبله وكرمه لأجل مشروع حيّوي لمصر فهجرّ مواطني حلفاً القديمة و أغرق جزءاً ثميناً من حضارته النوبية الاصيلة .
الجيل الذي يؤمن بوحدة وادي النيل انحسر كثيراً بحكم الفناء الطبيعي وجاءت أجيال أخرى تعتز ببلدها وتاريخه ومقدراته في ظل انكفاء الدول قاطبة على نفسها وهزيمة التيار القومي لصالح الدولة القطرية والعولمة المجنونة لكن رغم ذلك ما زال السودان يمثل الظهير الاستراتيجي لمصر ولو ادركت مصر جيداً مصالحها بدون إفراط أو تفريط ستضع السودان في حدقات العيون.
-2-
في هذا الزمن تحولت الازمات المكتومة والظاهرة بين البلدين الى حالة متدهورة يتناولها الاعلام الاجتماعي الحديث مما حقق بعض سخط جماهيري متبادل بين اطراف تلك الازمة التي تتخذ في كل يوم جديد طوراً درامياً يصب المزيد من الزيت علي النار ... حتى زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري للسودان لنزع فتيل الازمة ورغم مظاهر الاحتفاء الأخوي من (بروف) ابراهيم غندور وزير الخارجية السوداني الا ان هذه الزيارة لقمة الدبلوماسية المصرية لم تجد نفعا فبعد اقل من يوم او بعض يوم بدأت حملة مصرية لابعاد صحفيين سودانيين من مطار القاهرة ولم تفرق بين صحفيين كبّار وناشئتهم من ذات الفئة في مظاهر غير مسبوقة تستهدف السودانيين كافة مما يحتم على الجانب السوداني استخدام التعامل بالمثل بدلاً من خطوات الحريات الأربع التي طبقها السودان ردحاً من الزمان قبل التوقيع عليها رسمياً بين البلدين ، ولم تطبق في مصر إطلاقاً .
السودان في كل الاحوال هو الاقرب لمصر بحكم الجغرافيا والفضاء الجيوسياسي وعلاقات الجوار والقربى بينما يستشعر السودانيون احساسا من الاستعلاء والادراء .
الحالة بين السودان ومصر تتدهور حتى صارت أقرب للوقت الذي أعقب محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس الاسبق حسني مبارك.
يبدو أن حقيقة العلاقة السودانية المصرية تحتاج لجرعات هائلة من الصراحة والوضوح والشفافية وان تطرق الهواجس الامنية والدبلوماسية والاقتصادية بذات الجرأة حتى لا تصبح لعبة في أيدي المتربصين لعلاقة حيوية واستراتيجية رغم الأحوال السياسية المتقلبة . لقد ضاع زمناً طويلاً في النفاق السياسي بإسم العلاقات الازلية التاريخية .
في اعتقادي ان السودان لا مانع لديه من وضع كل المشاكل والظنون والهواجس على طاولة النقاش بحيث يستقيم أمرها على الميسم من رأس الدولة السودانية إلى أي مؤسسة تدخل في اطار تلك الازمات وصولاً لحالة من التعافي والتصافي ... فكلا البلدين تعصف بهما مشكلات جمة حتى لا يكون اي تقارب مع دولة أخرى عربية أو أجنبية بالضرورة خصماً على العلاقة بين الجاريين ، فهذه هشاشة لا تتسق بين الدوُل خاصة الأقرب من حبل الوريد .
فأمور مثل السيادة والخصوصية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الغير مفترض ان تكون مبادئ أصيلة في العلاقة بين البلدين وحتى لا يُزاد النار اشتعالاً ينبغي ان لا يتجاوز في النقاش منْ البادئ في تعكير الاجواء ومن هو المخطئ ؟؟ فهذه المواضيع وتلك القضايا مكانها الغرف المغلقة لتعالج القضايا بهدوء وموضوعية وشفافية حتى لا ينهال التراب اكثر على مسائل ملحة ولا تضع الرؤوس في الرمال، ولا ترحل القضايا الى آجال غير مسماه فذلك السلوك أضر كثيراً بمصير هذه العلاقة التي لا مثيل لها من حيث التداخل والمصالح المشتركة !!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.