بسم الله الرحمن الرحيم

عادل عبد الرحمن عمر
صحفي وكاتب سوداني

-1-
    يبدو أن المعارضة السودانية، صارت تتمنى حادثة عنف طلابي في أي جامعة على امتداد الوطن، يشعل الجامعة، ومن ثم الشارع العريض المتلهف لسخونة ما، حتى ينتفض، ويثور، ويسقط حكومة الإنقاذ الجاثمة على أنفاسهم، لأكثر من عقدين من الزمان.
    هذا السيناريو ( البائس ) ترتجيه المعارضة بفارغ الصبر، وكلما سقط طالب بريء في عنفوان الحلم، وإنتظار الأقدار الباسمة، تتسع شهيتهم لضحية أخرى.
    العنف الطلابي قديم في جامعات البلاد، أبرزها جامعة الخرطوم الأقدم، وموطن التنظيمات العقائدية اليسارية منها، واليمينية، والتي ترتبط عضوياً بالأحزاب خارج الأسوار، ومضت بقية الجامعات على منوالها خاصة أن آفة الشعب السوداني كله السياسة.
    ربما يتلاوم الجميع، ويختلفون اختلافاً بعيداً عن من بدأ العنف اليسار أم اليمين ؟؟ ليس بصدد فذلكة تاريخية، لكن المهم لكل التنظيمات السياسية نصيب في العنف، الذي بدا تقليدياً " بالعصا "، وانتهى في حقبة من الزمان بالسلاح الأبيض .. إلا أنه تطور تطوراً مذهلاً مع تعدد الحركات المتمردة المسلحة، التي تتناسل كالنمل، يغذى هذا العنف الطلابي تارة، بعصبية القبلية المقيتة، والتنادي لطائفة عرقية محددة، أو تشدد أعمى للون، مع أن السودانيين يتراوحون من سمرة فاتحة، إلى أخرى غامقة، إلا أن لونهم لا يلامس لون أفريقي أمريكي " كالرئيس باراك أوباما " مثلاً، مهما كانت نسبة الدماء العربية!!.
    العنف الطلابي اليوم، إكتسب مهارات للأسف إمتزجت فيها قضايا عديدة، تختلط بين السياسي والاجتماعي، رغم أن المجتمع السوداني في قاعدته الكبيرة والعظمى، مختلف جداً عن الفئة المثقفة، فالبعض بعد كثيراً أو قليلاً من أخلاقيات المجتمع في سماحته، وعفويته، وترابطه، فتجد في الجامعات من يدعو إلى فصل دارفور !! علماً أن دارفور الكبرى تمثل السودان كله، ناهيك عن الدعاوى التي تنادي بحق تقرير المصير لجنوب كردفان، والنيل الأزرق!!.
    التطور المذهل الذي أحدثته الحركات المسلحة، في البنية الفكرية لبعض الطلاب، وتأثيرها السالب إلى حد القتل سمم أجواء الجامعة .. فمن روح الإخاء، والزمالة، والرفقة الطيبة، إلى حالة تسكنها سمة العداء، والتوحش، والكراهية، وهذا خطر على النسيج الاجتماعي كله.
-2-
    في الستينات، والسبعينات، والثمانينات من القرن الماضي ، كانت سمة العنف الطلابي ترتبط بالتنافس الفكري والحزبي، إلا من بعض الحالات النادرة التي ينزلق فيها العنف إلى الدرك الأسفل.
    لا يمكن أن يتصور في أي دولة ديمقراطية، أن تقوم بعض العناصر الطلابية المنتمية لحركات متمردة تحمل السلاح ضد الدولة، أن تعرض صوراً لجنود الجيش الوطني مجندلين في ساحة القتال .. هذه ببساطة مذهلة " فوضى "، لا علاقة بها بالدولة، أو الحزب الحاكم، إنما بأبسط درس في الوطنية .. فالقوات المسلحة ملك للشعب كله، فهي رمز الوحدة، والسيادة، والقدرة، والعطاء.. كل السودان بجميع فئاته، وطوائفه، وسحناته، ولغاته، وقبائله، إما جنوداً أو ضباطاً في هذا الجيش العظيم.
    فالجامعات ليست جزراً معزولة عن الواقع الخارجي، وحرمتها التاريخية لا توازي نقطة دم واحدة من جندي، يدافع عن وحدة وسلامة البلاد.
    لا بد أن يدرك قادة المستقبل من الطلاب الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها .. ولذا لا بد من ثورة فكرية، واجتماعية يقودها أساتذة الجامعات، وفصائل المجتمع المدني لتوضح لجماهير الطلاب، ما هو الخط الفارق بين ما هو وطني لا يمكن المساس به، وما هو متاح للنقد، والنقاش، بصورة تحترم أسس الحوار بالحسنى والاختلاف، بدلاً من البندقية المملؤه بالذخائر، والحقد، والعصبية، ونار الفتنة القبلي والطائفي، على شرط أن يعمل الإعلام بوعي محترف لا يغير في ميزان المعادلة بين الحرية وشريعة الغاب.
    فقد ارتبطت الحركات المسلحة، ببعض الطلاب من مناطق محددة في السودان، وهذا في حد ذاته تمييز فاضح.
      ندرك أن هنالك إجراءات إدارية وأمنية يمكن أن تطبق في الجامعات من قبل الدولة، حتى لا تحدث أية خروقات واغتيالات، وتداعيات تصيب المجتمع الطلابي في الصميم.
وفي تقديري تفتيش الطلاب أنه غير مجدٍ، لعدم دخول أسلحة بيضاء أو غيرها للجامعة، إلا أنه لا بد من تطوير الآليات لتحمي الجميع من أذى انتشار العنف بهذا الشكل الذي يؤثر على العملية العلمية والتربوية.
    المسؤولية في اعتقادي تقع على المنظومة الجامعية طلاب، وأساتذة، واتحادات، وجمعيات أكاديمية، لأن مسألة العنف باتت مستعصية وبالغة التعقيد!!.
    التنظيمات السياسية بالجامعات وطيفها الواسع، له نصيب في هذا المرض الذي إستشرى منذ زمن بعيد واستفحل مؤخراً، بعد تعقيدات القضية السودانية، ودخولها في تقاطعات السياسة الدولية والإقليمية. وإذا أشرنا إلى طلاب ينتمون بشكل ما للحركات المتمردة والمسلحة، لأنهم نقلوا حالات العنف إلى مراحل متقدمة ونوعية، ضاعت على إثرها روح الزمالة والصفاء الأخوي، في ظل غياب كامل للعمل الثقافي الجامعي، الذي يقرب ولا يبعد.
-3-
    ولوج " العنف الطلابي " مداخل شتى عميقة، وحساسة ومتشابكة، فمثلاً إذا إرتبط طالب وطالبة بعلاقة عاطفية، وفشلت لسبب ما يمكن أن تؤدي بأي الطرفين إلى التمرد بدعاوي التهميش، والتمييز بسبب اللون، أو العرق، أو الدين .. فالمشكلة أعمق بكثير من تناولها من اتجاه واحد، أمني أو غيره.
    المسألة تحتاج إلى تداعي المنظومة الجامعية، مع دفع المجتمع كله، من علماء، ورجالات دين، ومثقفين وعناصر من الإدارات الأهلية، وأسر، لمناقشة المسألة بكل جوانبها، وتداعياتها، لإشاعة ثقافة الحوار، وقبول الرأي الآخر، واحتمال تداعيات العمل الديمقراطي، وإبعاد سياسة الإقصاء في الحياة قاطبة، حتى يتعلم الناس برحابة صدر قبول الاختلاف أياً كان نوعه!!.
    فإذا هرعت الفتيات " بقوة " نحو كريمات " التفتيح " تقع هذه " الصرعة " في إطار العنف والإقصاء، إذا لم يقبل الجميع " بالآخر " لن نستطيع أن نخرج من دائرة النزاع والعنف.
    هذا المقال مليء بالارتباك لتشعب الموضوع الذي لن يحل قضية العنف ولا ينبغي له، إنما يضيء إضاءة خافتة في عتمة مظلمة، يجب أن تتداعى لها كل الجهات المعنية بالثقافة، والاجتماع، وعلم النفس، والأمن، وأساتذة الجامعات، ومنظمات الطلاب من اتحادات وغيرها، للإسهام في تحريك المجتمع كله للخروج من هذه الأزمة التي تنتشر مثل السرطان!!.
    لا كبير على القانون، ولا علو لحزب على الآخر ولا نود أن نجرّد الحسابات في الأذى والأذى المضاد بين المكونات السياسية، فهذا الأمر له تاريخ طويل، نعلم جميعاً أن هنالك قدسية للحرم الجامعي، لكن لا ينبغي أبداً أن تتجاوز القدسية، حرمات حفظ النفس، وبين الطمأنينة العامة للطلاب.
    قلة من من الكتّاب والصحفيين، يعتقدون جزافاً أن مثل هذه الأقوال، تقع في حيز إنهاك المعارضة ومحاصرتها، وتكبيل الحركة الطلابية، وعزلها عن بقية المجتمع كل هذه الدعاوى، تسقط _ تماماً _ مع سقوط ضحية بريئة لا ذنب لها في الصراع كله.
    في اعتقادي أن من الواجب أن نستوعب أن السودان للجميع، والحكومة للكافة، والجيش هم أبناء السودان، بدونهم يتفتت ويسقط سقوطاً داوياً يؤدي إلى الدمار والهلاك، ثم أخيراً وبدون شعارات كلنا لآدم، وآدم من تراب!!.