بسم الله الرحمن الرحيم
أفق آخر


(1)
قال الشاعر الثوري الكبير محمود درويش " رحمه الله " ما أكبر الفكرة ... ما أصغر الدولة " ... رغم خيال الشاعر الخصيب، حيث الفكرة دائماً أكبر، ولكن الدولة الواقع الذي لا مهرب منه، فخيال الشعر يحيل الصحراء إلى جنان عالية، فاكهتها لا مقطوعة ولا ممنوعة، لكن الدولة تتعامل مع الواقع بشكل عملي، حيث تحرم ميزانيات مخصصة للجمال والثقافة لصالح دواء الملاريا، التي تنقذ الحياة.
منذ المفاصلة الشهيرة عام 1999م، لم أتتطرق لتفاصيلها أبداً، فقد آثرت البعد عن أطراف وعمق الأزمة التي هزت أركان الحركة الإسلامية من جذورها، وذلك لسبب واهي في ظني، أنني لم أكن موجوداً حين حدثت، لكن في اعتقادي أن السبب الجوهري، أنني اعتصمت بالحياد الجارح، في مسألة لا تقبل الصمت إلا أن هذا الموقف عافاني من تداعيات المفاصلة، على أفراد الحركة التي ورثت الكثير من المرارات والإحن، وأخرجتني من دائرة الاستقطاب        والتجاوزات !!.
ودارت دورة الزمان، ليبتدر الرئيس وثباته الواثقة التي أنعشت الساحة السياسية اليائسة والتي أصرت على إسقاط الحكومة، التي تطاولت في عمرها، لأكثر من عقدين من الزمان، ليكون " الشيخ الترابي " حضوراً لخطاب الرئيس، بعد سنوات من القطيعة والعداء !!.
هذا التحول الجذري لحزب " المؤتمر الشعبي "، لم يحدث بشكل عشوائي أو بين ليلة وضحاها، في تقديري أن تفاهمات عديدة جرت تحت الطاولة، أفرزت هذا الموقف الدرامي لحزب المؤتمر الشعبي ... بينما الحزب الحاكم، والذي ملك زمام المبادرة في الفترة الماضية أحدث مفاجآت داوية وعاصفة، تورث الدهشة من خروج الكبار " علي عثمان ود. نافع وعوض الجاز " مروراً بوثيقة الإصلاح التي أحدثت توتراً وصخباً في المشهد السياسي إلى خطاب الرئيس لكل الناس، حيث لا سقف، ولا شروط، ولا إقصاء لأحد في مشروع الحوار الوطني !!.
الآن الناس، كل الناس، يتساءلون ... ثم ماذا بعد ؟!!... والكرة يتحكم فيها الحزب الحاكم بحرفية عالية، لا تشبه طريقة لعبنا المتعارف عليه ... فالانتصار يحتاج إلى خطط محكمة حق تؤدي إلى نتائج باهرة، وكأن اللعبة تنتظر الجوكر الذي يفتح اللعب، وذلك باللقاء القادم بين الرئيس والشيخ !!.
فالحزب الحاكم نفسه أحس بمشكلات الوطن تضيّق عليه الخناق من كل صوب وحدب، ويحتاج إلى التفاف وطني، ومصالحة تتجاوز الصغائر لتحاول فتح آفاق جديدة بسواعد مختلفة تتفق على برنامج الحد الأدنى وهو انتشال الوطن من السقوط، أو التشتت أو الضياع !!.
رغم تطاول مدة المفاصلة، التي أبرز معالمها انفصال الجنوب عن الشمال وسقوط المشروع الوحدوي من منظور إسلامي، إلا أنه أعاد التوازن بين الرئيس والشيخ ... حيث كانت المسافة بينهما بداية العشرية الأولى للإنقاذ واسعة وكبيرة والتي كانت مدعاة لمذكرة العشرة وإنشطار الحزب إلى وطني وشعبي.
الآن " تلاحقت الكتوف _ تماماً _ فقد حكم الرئيس السودان فترة طويلة، أضافت له خبرات عظيمة ندر أن تتوفر لأحد، فالسودان دولة مهمة وتتمتع بخصائص متفردة، ومشاكلها المتوارثة المتواترة فريدة في نوعها وفي ظل نظام دولي، أحادي القطب، ... هذا يوازي قدرات الشيخ من فكر، وتوهج معرفي وتنظيمي، وقدرة على الحوار مع الآخر.
بعد دعوة الرئيس البشير لكل القوى السياسية جلس الشيخ مستمعاً للرئيس في ظروف سياسية إقليمية مغايرة أجمعت التحليلات السياسية أنها أحد العوامل الرئيسية في تحوّل موقف حزب المؤتمر الشعبي المعارض بشراسة للحزب الحاكم !!.
تصريحات " الشعبي " بعد حضور " الشيخ حسن " لخطاب الرئيس معقولة وناضجة ومتفائلة، تدعو المؤتمر الوطني للمضي قدماً في خطته نحو الإصلاح والانفتاح، وعدم إقصاء الآخر.
لكن ثمة سؤال يتبادر للذهن، هل مسموح بلعق جراح الإسلاميين الآن داخلياً وخارجياً والالتقاء ولو على منتصف الطريق ؟؟.
الإجابة على الخاطر ومن غير تفكير : لا !! حيث تبدو كل الفرص المواتية للإسلاميين ضعيفة عالمياً، وإقليمياً، وداخلياً ... وتناصر القوى المختلفة يتزايد عليهم، مما جعل هذا العنصر الأقوى للتلاقي الآن لدفع المخاطر المحدقة بالوطن الذي يحكمونه، أو يمثلون فيه معارضة واعية، كما اقتضى الأمر.
لا اعتقد أن اللقاء المرتقب، بين الرئيس والشيخ يستهدف تكوين تحالف إسلامي تقليدي كما حدث في أزمان سابقة، بل يرتكز بشكل كثيف على المصالحة الوطنية بإجراء حوار واسع مع القوى السياسية دون إقصاء لأحد، أو فرض شروط مسبقة لتتسق مع الأجواء الإيجابية التي صنعها خطاب الرئيس الأخير بداية هذا العام 2014م.
ولتتعرف الحكومة بشكل دقيق على أحلام المعارضة الشاطحة، وتلك التي تتوافق لتدفع بالسودان إلى بوارج أخرى، من الحرية، والرخاء !!.
لكي لا نفرط في نتائج اللقاء نتوقع أن يؤسس لمرحلة انفتاح على الآخر، وإتاحة الحريات، دون فوضى أو تكسير " متعمد " للدولة التي تحيط بها المشكلات وهذا ما دعا السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة لقبول دعوة الرئيس، ورفض دعوة المعارضة التي تنادي بإسقاط الحكومة، كيفما اتفق ليغرق السودان في اقتتال داخلي لا يعرف مداه، كالصومال أو ما يحدث فيه من اقتتال طائفي وجهوي مثل سوريا _ تماماً _ !!.
الإسلاميون في هذه اللحظة التاريخية قد خبروا _ تماما ً _ دروب الحكم ومنحنياته، وتعرجاته الشديدة الإنحدار، خاصة في بلد مثل السودان، ومن ناحية ثانية تأقلموا على مناخات المعارضة، وأهواءها، وطقوسها ومطالبها ... هذا في حد ذاته معادلة ناجحة، وتشخيص منضبط يؤهل لوصفة علاج ناجح !!.

(2)
هذا المناخ الوطني الذي أتاحه الرئيس، ترصده عيون كثيرة وتعبث به أياد عديدة، سواء في الحزب الحاكم، أو المعارضة بشقيها السلمي والمسلح، ومن وراءهم تحالفات كبرى أو دول لا ترضى هذا الوفاق !!.
في تقديري أن لقاء الرئيس بالشيخ يعزز كثيراً من الإرادة التي يحتاجها الحوار، في ظل توترات وهواجس من الحكومة والمعارضة !!.
لا اعتقد أن اللقاء الأول بين الرئيس والشيخ سيتطرق لكل أشواق الإسلاميين وأحلامهم وتجلياتهم المختلفة ... أغلب الظن أن يكون جاداً يبحث الأزمة الوطنية وسبل التعافي منها يسهل      " للرئيس " الطريق الذي مضى فيه أخيراً، يفتش عن الإصلاح واستيعاب الآخر، مهما كان أخرقاً أو ظالماً لنفسه، أو معتد على الآخرين !!.
لقاء الرئيس " البشير " والشيخ الترابي بالضرورة صفحة جديدة في علاقة الإسلاميين ربما تحتاج إلى جهد ووقت طويل لتعود المياه على مجاريها، التي ما عادت كسابق أيامها، وعهدها الأول، فتعاقب الأجيال والمكائد وضرورات الابتلاء قد أفرزت واقعاً مغايراً !!.
ربما يزيل لقاء " الشيخ " " بالرئيس " ... أطنان من عدم الثقة بين الحكومة والمعارضة، إذا قرأت المعارضة اللقاء جيداً، بدون هواجس التقاء الإسلاميين، أو إتاحة زمن آخر للحكومة لتنتعش، بعد قرب رحيلها، حسب ما تزعم. هذه القراءة سطحية جداً، وتنم عن مراهقة سياسية وطفولة لا زمت المعارضة وقتاً طويلاً.
من ناحية أخرى اللقاء يمثل للحكومة اختراقاً متميزاً لصفوف المعارضة، لا لتشفيها أو بعثرتها ... بل لتكتسب نقاطاً غالية في الثقة، وفتح صفحات جديدة تحترم المعارضة، باعتبارها شريك أصيل في الحكم الرشيد، لتشيد بعد ذاك للفكر والدولة بافتخار واحد !!.
(3)
في الأيام الماضية ألقى السيد الصادق المهدي محاضرة قيّمة في منتدى صحيفة الدستور الأردنية، أعلن فيها بوضوح أن التغييرات العنيفة ربما تفضي لفوضى تطيح بالوطن كله، وانتقد حركة الإخوان المسلمين في بلاد عديدة لعدم قبول الآخر، إلا أنه في ذات الوقت أشاد بالتجربة التونسية في إدارة الحوار والخروج بأمان لوحدة وطنية معقولة في تقديري أن السيد الصادق المهدي، يدخل الحوار الوطني برؤية متكاملة ليس موقفاً انتهازياً، كما تحاول المعارضة أن تصف بها حزب الأمة القومي ... أما بشأن اللقاء بين الرئيس والشيخ، فالناس كل الناس تضع ثقتها في الرئيس أن يمضي في المفاجآت السياسية ويحدث إختراقاً عميقاً لصالح الوحدة، والسلام والهوية.
لا شخص آخر غير الرئيس يمكنه خلخلة الروتين ونزع الخوف من حالة التجديد ... وعلى نحو آخر " الشيخ " بمكانته في المعارضة يستطيع أن يقودها في مسار يبعدها عن الغلو والشطط !! إذا تعاملت المعارضة بروح منفتحة بعيداً عن الاتهامات.
إذا تم اللقاء المرتقب بين الرئيس والشيخ على هذه الطريقة، يمكن تسجيل نقاطاً غالية على طريق الوحدة الوطنية والسلام، وبناء دولة المواطنة من دون إلغاء للآخر، أو استبداد إذ يمكن أن يعطل مسار العملية الديمقراطية " فالرئيس ما زال يحتفظ بمحبة كبيرة في قلوب الجماهير وهذا سر من أسرار القبول " وهذه حكاية أخرى !!.



عبد الدافع الخطيب ... قبلة واحدة لا تكفي !!
سبقنا الأخ العزيز الدبلوماسي الأنيق خالد موسى وكتب بقلمه الموهوب وعلمه المتدفق رائعة في حق الأخ الكبير العزيز عبد الدافع الخطيب، تتضاءل معها كل كلمة أخرى ... وعبد الدافع غير المعلومات الأساسية عنه، خصّه الله بحيوية متفجرة تستوعب كل من التقى به، بحيث تحس أنك أقرب إليه من حبل الوريد، ولو جلست معه دقائق معدودة، ثم قدرته العالية على استيعاب الآخر حتى لو كان بعيداً جداً من حيث المكان، والدرجة والديانة ... وهذا يعني أن عبد الدافع يتجاوز كل الحدود ... فهو أفق يمتد إلى ما لا نهاية ... هذه الخصائص جعلته نسيج وحده وهو يمارس مهنته التي صبر عليها صبراً مديداً ... يجعله في المحل الأرفع مع سيدنا أيوب ... كان يفهم كل من عمل معه، صغيراً أو كبيراً ... ثم يجتهد ليقضي الحاجات.
ترك فراغاً كبيراً للأخ عبد الماجد هارون، الإعلامي النشط الذي يتلمس دربه في الوزارة ... عبد الدافع الخطيب كما ذكر خالد موسى في مقالته ... يجب أن تتدافع نحوه الكوادر لتستفيد من مدرسته الإدارية المتفردة التي ترتكز على الابتسامة، والسعة، والأريحية الباذخة ... حقيقة عبد الدافع الخطيب " وأيقونة الوكلاء " !!! يصادق بعنف ... يجادل بابتسامة ... يتواضع بترفع   نبيل !!.
هو بعلاقة الدم شقيق مثقف من طراز فريد مثل " سيد الخطيب " وفي ذات الوقت يستطيع أن يتجاذب أطراف الحديث مع بائعة الشاي على ظلال أشجار وزارة الإعلام " عجيب يا ود الخطيب " !!.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////