بسم الله الرحمن الرحيم

افق اخر

-1-
ضُيّع خطاب الرئيس الاخير بسخافات عن طريقة صياغته ، الى الفلسفة التي كانت نمط طريقته مروراً الى عدم راحة الرئيس في قراءته مع ان كل جانب من هذه النقاط تستحق التعليق ، الا ما ورد في متن الخطاب يستحق الالتفات اليه وامعان النظر فيه مليّا هذا الذي يجب ان يستأثر النقاش والتداول من الاحزاب السياسية  
المؤتمر الوطني رغم ترهله وضعفه ، الا انه استطاع في الفترة الاخيرة ان يحقق قدراً واسعاً من زمام المبادرة بدءاً بتغيير قياداته التاريخية و ادخال عناصر شبابية في العمل الحزبي والتنفيذي مثيرة للدهشة حتى الخطاب التاريخي الاخير .... الذي اشتمل على نقاط بارزة هي :-
1.    وثيقة عامه تحدد الاصلاح السياسي والتداول السلمي للسلطة .
2.    ضرورة تحقيق السلام مع كل الفصائل المسلحة .
3.    حديث مثير وجديد عن الهوية السودانية .
4.    رؤية ووثبة في حال الاقتصاد الوطني .
الجديد في الخطاب الرئاسي غير تقعر لغته ، التي افسدت كثيراً من محتواه ، التعبير بوضوح عن ضرورة فتح الحوار مع كل القوى السياسية من غير اقصاء او الغاء رغم كتّاب المعارضة الذين يحاولون التبخيس منه ، ومن الوعود الحاسمة والقابلة للانقاذ فيه ، خاصة بعد الوثبات التي قام بها الحزب الحاكم ، حيث ترسبت قناعة راسخة في محاورة الجميع رغم العقبات التي تقف في طريق التوافق ، لكن مشكلات السودان الجاثمة على صدره الان ، لا يستطيعها حزب واحد مهما كانت قوته وشعبيته وحيويته !!!
-2-
المؤتمر الوطني رغم أخطاءه العديدة ،الا انه قادر على استيعاب المراحل ولو بعد حين !!
فمن خطاب " لحس الكوع " في مرحلة سابقة الى تحوّل جذري لا يقصي احداً ولا يعزل جهة ، هذا يعني ان الحكومة استوعبت  ــــــ تماما ً ـــــ ما تقتضيه المرحلة ، من بذل للجهد لحمل الناس أجمعين لمقابلة مقتضيات المرحلة التاريخية الصعبة .
تسعى بعض المعارضة لتوريط الحزب الحاكم ، ونصب المشانق له من غير وعي كاف ، لمّا يعاينه الوطن من ازمات وعقبات فادحة .
كل الذي ترصده المعارضة يقع في اطار " سلخ جلد " الحزب الحاكم وتعريته ، ليس الا ،  وبرغم ان بعض المعارضة قد حثوا الحكومة كثيراً على الانفتاح على الاخر ومحاولة السماح للرأي الآخر ان يتنفس بشكل طبيعي ، الا ان الحكومة ادركت اخيراً ان تحمل بعض المعارضين المعتصمين عند مواقفهم ان يتقبلوا دعوات الحكومة للانخراط في الحوار الوطني الكبير، مما يعني ان مرحلة جديدة قد بدأت ، وتحتاج الى عزم وتناس للمرارات ، لان مقتضيات هذه المرحلة تتطلب البحث عن برنامج الحد الادنى من الرضا الوطني .  
الآن بعد خطاب الرئيس الأخير والذي ينم عن تحول جذري في مواقف الحزب الحاكم ، تجاه المعارضة ومعضلات البلد التي تستوجب اجماعاً تتضاءل امامه كل المعاكسات والمكائد لا بد من اقتناص الفرصة التاريخية المواتية للبحث عن مخارج حقيقية لصالح الناس كل الناس .
يبدو ان الحكومة وبعد تطاول السنوات في الحكم ، مرت بالكثير من الشدائد التي اورثت هزائم داوية وانتصارات ساطعة ، وبعد تجربة الانفصال المريرة لا بد ان تحمّل المعارضة جزءاً من " الشيلة " الثقيلة حتى لا يبلغ الوطن كله مهاوي الهلاك والتشتت والاندثار .
بعض عناصر المعارضة ، تشكك كثيراً في حديث الحكومة ونواياها في الاصلاح ، ولكن يوم الخطاب الرئاسي المشهود ، حضر، عليّه القوم ، وبثت محطات التلفاز لكل الجماهير ، ليكونوا شهداء على الوثبات وحالات التصالح مع الآخر، الذي يحتاج في مثل هذه الحالات على الاقدام المثابر للحوار الوطني في كل المطروح ، السلام ، الترتيب السياسي من حريات وخلافة اضافة للهوية السودانية هذا العرض المفتوح من غير اشتراطات يفتح الشهية على آخرها ، ليرمي الكل بسهمه لاجل المجتمع ، كل المجتمع ، لا من اجل ثأرات الاحزاب التي لا تنتهي  .
قد يبدو هذا الحديث رومانسياً ، لكن الواقع الحالي ، يستوجب تفاعل حقيقي ...!!!
-3-
بين مراحل عديدة ابرزها " لحس الكوع " دلالة على بعد المسافة ورهقها ، لاسقاط حزب المؤتمر الوطني وكأن العملية " بعد السماء عن الارض " ، هذا كله في اطار الكيد  " والغيظ " السياسي ، الذي استمر في تداول بين الحكومة والمعارضة ، حتى في سنوات اتفاقية السلام التي اوقفت الحرب بين الشمال والجنوب ، ووزعت بعدالة الثروة والسلطة ، لكن المعارضة لم تنتبه للمخاطر الكبرى ، والمؤامرة التي تحاك لفصل الجنوب عن شماله ، فآثرت دعم التشاكس " اللئيم" بين طرفي الاتفاقية ، وتعزيز مشروع السودان الجديد الحكومة ليست بريئة ــــ تماماً ـــــ ، مما ادى الى نهايات مأساوية ، تفرّجت اغلب القوى السياسية على تفاصيلها .
الحكومة و المعارضة مسؤلان عن هذه النهاية .   
الان الكره في ملعب المعارضة ، تحت الاضواء الكاشفة ، ولم يتركهم هكذا ، بل دعاهم للتحاور للوصول الى مخرج يجنب البلاد مزالق الحروب والانشطار ومنْ ثم الفناء !!!
نعلم ان الاحزاب السودانية تعاني كلها من مشكلات ضخمة بنيوية و هيكلية ، ولكن وضع البلاد لا ينتظر تلك الاحزاب لمعالجة اوضاعها واوجاعها ... المطلوب بشكل عاجل الاتفاق بشكل حاسم على قواسم مشتركة مثلاً ، الخطوط الحمراء التي يجب ان تحترمها كل الاحزاب ، من اقصى اليمين الى اقصى اليسار تلك المسائل التي تحفظ كيان الدولة السودانية وأمنها القومي ، الذي لا يتعلق بأي نظام ما ، بل مصالح الوطن العليا !!!
هذه الوثيقة مثل الدستور ، لا بد ان يجمع عليها كل الناس ، ومن ثم وضع ميثاق شرف تحافظ عليه القوى السياسية كافة .
الذين يرتابون في المؤتمر الوطني في شأن الاصلاح ، الايام قادمة لتوضح ان مبتغى الاصلاح هو خلاص الوطن ، من استمرار التمرد ، و تأكل الاطراف وتعميق الجهوية ، الى افق الحرية ، والمواطنة ، والتداول السلملي للسلطة .   
خطاب الرئيس الاخير ، اعلان للاطياف كافة ، ان البلاد تحتاج للسودانيين كل السودانيين ... هذه الدعوة الواضحة يجب ان تجّب كل محاولات الاقصاء ، والغاء الاخر ، والتربص والتلاؤم .     
فالانقاذ عادت الى منصة التأسيس الاولى ، المشروع الحضاري الذي صار سخرية العقلاء وغير العقلاء للذين يعتقدون فشله ، فهو لم يفشل من حيث المبدأ ، بل ان فداحة أخطاء الممارسة هي التي عرّضته لتلك الهزات فمثلاً  الحرية اوجب واجبات المشروع الحضاري التي بدونها لا يستقيم الايمان فلا استعباد بعد الولادة الحرة  ومن ثم المساوة التي لا تفرق بين الطبقات ، والالوان ، والاجناس !!!
الاخطاء التي صاحبت تجربة المشروع كثيرة منها بأيدي اصحاب المشروع ، وبعض منها مكائد ودسائس منْ يعملون ضد تجربة الاسلام السياسي وهم كثر !!!
دعوة الرئيس الاخيرة لا بد ان تُقرأ في سياقها الصحيح ، اما اذا اخذت المعارضة مسألة ان الحكومة قربت ايامها للزوال وهذه فرصة سانحة للانقضاض عليها او تركها ، حتى تموت الموت الطبيعي ، فهذه كارثة كبرى
لا نعرف كيف نخرج منها ، او بالاحرى كيف ندخل بعض الاحزاب ( الفورمة ) للمبارة الوطنية الهامة للغاية ؟؟؟ !!!



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.