بسم الله الرحمن الرحيم
أفق آخر

-1-
يبدو أن قرار رفع الدعم عن البترول بات وشيكاً للتنفيذ، حيث يرى بعض خبراء المؤتمر الوطني من الاقتصاديين أنه ضرورة ملحة لمعالجة الوضع الاقتصادي المختل، بينما ترى ثلة أخرى من الخبراء المعارضين أنه لا يجدي فتيلاً بل سيزيد المعاناة على جيوب الجماهير المنهوكة اصلاً من ارتفاع الأسعار بدون رادع، تحت مظلة تحرير " السوق "!!.
هذه الإشارة بديهية لصانع القرار الاقتصادي والسياسي، ولذا تجد بين " مزدوجين "  عبارات مرادفة تفيد حزمة من الأمان الاجتماعي لصالح ذوي الدخل المحدود وهم غالبية الشعب السوداني من مجموعات الموظفين وطائفة واسعة من المزارعين والرعاه .
لا جديد على الخطاب الحكومي في مثل تلك المناسبات، فهو تقليدي و نمطي ويثير حنق المواطن بالرغم ما عكسته الصحف من " افراج مؤقت " في العلاقة مع الجنوب، والذي أفرز طمأنينة مريحة للايجابيات ضخمة  التي تبشر بزمن أخضر فيه خير وفير ...  لذا حدث عُسر شديد في فهم الزيادات القادمة من أثر رفع الدعم الذي يزيد من درجة غليان السوق ... في ظل الانباء السارة من استمرار بترول الجنوب عبر الانبوب السوداني .... !!!   
هذا الاحباط الذي يلازم الناس هذه الايام ، لا ينفي ان المعالجات المطروحة لانقاذ الاقتصاد من التشوهات مُلحة للغاية ، اذ اخذت حزمة واحدة ، لان المواطن غير مطمئن ـــ تماما ــــ لحزمة التقشف الحكومي الملازمة للبرنامج  مع انتشار واسع في السيارات الفارهة " ذات الدفع الرباعي " وتطاول البنايات الإسمنتية، مع إحساس متكاثر بزيادة اعداد ذوي البطون ( المكرشة )  ، و يقين ممتد ممزوج بشائعات قوية في الغالب العام، أن بعض أهل الإنقاذ هم الذين يستمتعون بنعيم الحياة، ودونهم الفقر، الذي ارتفع ليصل نسبة 46 بالمائة كما ذكرت التقارير  .
هذا القرار ( الخطير ) من حيث التوقيت الزمني ضرورة لا تقبل التأجيل لحل تشوهات الاقتصاد بإيقاف الحروب على اطراف البلاد التي تلتهم الموارد المالية كما تأكل النار الحطب اضافة الى حزمة الدعم لبعض السلع الاستراتيجية التي تعمق التصدع الذي يصيب الجدار الاقتصادي اضافة الى الضعف المريع في الانتاج مما يحتم  إلى تجديد خطاب حكومي يلامس الناس، ويقترب منهم، يحس بهمومهم، وقضاياهم وجراحهم ، وهواجسهم ، يعتمد محاولة تقديم مستمر للقدوة الصالحة ، مع عمل سياسي مكثف لاستتاب الامن ثم بسط  الأرقام الحقيقية وتبيان أهمية الخطوة، ومآلات العلاج " القاسي " والآمال المرجوة إذا التزم الجميع بالرؤية الكلية للاصلاح  ...  تبتدر الحكومة برنامج التقشف والاقتصاد في الصرف البذخي ... فهي اكبر مستهلك ( للبنزين ) المراد رفع الدعم عنه .
وزارة المالية راوغت كثيراً حتى تصل لهذا القرار الذي يأتي في زمن حرج، حيث المعيشة لا تطاق، ويوجد عدد " مثير " من الناس في خانة الفقراء يحتاجون للدعم ليعيشون عيشة الكفاف، لذا يجب أن توجه كل الأجهزة الفاعلة في الدولة ...  من اقل وحدة في الأحياء، والمساجد، والمحليات، الى القطاعات الكبرى المختلفة من شباب، ونساء، ومؤسسات مجتمع مدني، ليخاطبون بلغة صادقة وشفافة، لا تنقصها الجرأة والمسؤولية ووضوح الأهداف المرجوة لهذه الجراحة النازفة والصعبة ... لتشعر الجماهير بالمسؤولية الوطنية التي احتملت كل هذا الوجع وليتم هذا لا بد ان يتقدم اهل المشروع المسيرة لكيلا يبدو الحديث عاطفيا ، فالفضاء مفتوح للنماذج ، بدلاً من زكام حديث الفساد الصريح او الملفق !!!! .
نجد ثانية ان اهم بند في مشروع الاصلاح الاقتصادي  وقف الحرب لمّا تستهلك من الأموال والموارد وذلك بإنتاج طرق جديدة لإدارة التنوع والاختلاف وترسيخ مفهوم المواطنة عند السودانيين بتقديم تنازلات حقيقية من كل الاطراف خاصة من الحكومة ليحس المواطن بالمشاركة من غير اقصاء او تهميش  .... نعلم ان قضيتي الحرب والسلام لهما ابعاد خارجية عميقة تؤثر سلباً على اي حلول وطنية ، لكن بإجراءات صحيحة وابتعاد عن المؤثرات الجهوية ، والطائفية و العشائرية ، التي تكتنف المشهد ، يمكن ان يحقق الهدف ، ثم دفع عجلة الإنتاج إلى دورتها القصوى، باستنفار كل عناصر المشروع الحضاري في الحزب والحكومة والحركة، وإلا انفض الناس من حوله بدافع " ثورة الفقراء " لا سمح الله !!!
الأحزاب المعارضة من حق اقتطاف ثمرة الضغط الاقتصادي  ( العالي )وهذه فرصه تاريخية لها لكن من الأوجب للأحزاب الكبرى ، قراءة المشهد السياسي جيداً في البلد والاقليم المجاور، لأن السودان لا يحتمل الفوضى والصراعات،التي تشتت ، وتشرذم الكيان الواحد الى شيعاً وقبائل .... حيث مسوغات للتصدع الكبير متوفره في ظل الحروب الاهلية والتمرد على سلطة الدولة والتآمر الدولي عليها .
-2-
لا أعتقد أن بالشفافية والوضوح يحيا الإنسان، لكن الخطاب الشفاف والصادق و الصريح الذي يحترم إرادة وعقل المواطن مهم للغاية، حتى يكون شريكاً و فاعلاً في معرفة تفاصيل القرار ودعمه عن قناعة، أو على الأقل تقدير رفضه بوعي من غير تدليس !!!
نقطة اخرى تقوم بها الحكومة من تشاور مع المعارضة حول البرنامج الإصلاحي للاقتصاد وسماع وجهات نظر مختلفة ، صائبة جداً ، فهي تطفئ حالة الغليان في الصدور لان طرح حيثيات القرار للمعارضة في حد ذاتها توسيع لمواعين الشورى والاستفادة من الرأي الأخر واحترام باذح للرؤية المغايرة ... بشرط ان تؤخذ المراجعات بحق يستفاد منه في عملية الاصلاح .
من ناحية ثانية يجب من العناصر الحيّة في كل من " الحاءات الثلاث " النزول للجماهير والتعرف الشامل على حالاتها الظاهرة، و المتعففة  لتحقق مظلة الحماية الاجتماعية أهدافها كاملة و تصل لأصحابها مباشرة ، وهذا يحتاج الى فعل ميداني كبير ، بعد خروجها غير معلن من اهتمام تلك العناصر بأمور المجتمع ، وانغماسها بقضايا الحكومة التي لا تنتهي .  
هذا المشروع الإصلاحي لا بد ان تلازمه حملة إعلامية واعية وشفافة ومحايدة، تظهر إخفاقات مظلة       " الحماية الاجتماعية " وتعزز قدرات ووعي المواطن، حتى لا يبتلعه السوق كفاحاً مثل سابقاتها من التجارب!!.
إدارة هذه الأزمة بنجاح ربما تؤدي إلى بلوغ المقاصد المرجوة من الإصلاح الذي يعوزه الكثير إلى الحسم والعزم والالتزام في التعامل مع السوق ، مع  تطبيق منظومة الحزمة الاقتصادية من الاجراءات الاخرى ومثلما ذكر ( عرابّو ) هذا المشروع ، ستزداد الاسعار ... ثم تهوى بعد قليل ، مع ان كل الامثلة السابقة لا تبشر بانخفاض للاسعار بعد ارتفاعها ، لان التماسيح الكبيرة موجودة وتتحايل على الصياد مهما كان ماهراً !!!!   
-3-
الوضع المعيشي للمواطن ، صعب ( للغاية ) واذا رفع الدعم عن البترول ، فسيصبح الوضع اكثر سخونه كما يرى بعض المشفقين على الانقاذ ، خاصة اثر الهجمة العلمانية الشرسة على دول الربيع العربي ، التي افرزت وضعاً متميزاً للاسلاميين ، الذين نهضوا عبر اساليب الديمقراطية الغربية      لكن ( العمى ) الاسود غطى المنجز الديمقراطي عبر ثورات شعبية سليمة وصاخبة في آن واحد اجهض بعنف غير مسبوق !!!
السؤال المُلح بالضرورة ، هل تريد الحكومة اسقاط نفسها برفع الاسعار المستعرة اصلاً ؟؟ ام تريد عمل بروفه متقدمة للانتخابات في 2015؟ او تود أن ترفع الدعم ليتناصر مع التمرد الذي يخنق الاطراف لتسقط الحكومة تلقائياً ؟؟ ام ماذا ؟؟!!
لا اعتقد ان الحكومة تسعى الى هذه النهايات ، لكن حسب اقوالها لا توجد طرق آخرى غير معالجة التشوهات الحادثة في المشروع الاقتصادي ، ليتحرر السوق ، وتخرج الحكومة من لعبته ــــ تماما ـــــ .
في تقديري ان الحكومة احوج للبوح الصريح للمواطن البسيط اكثر من الاحزاب السياسية التي لها رأياً مسبقاً .... صحيح ان الحوار مفيد كما ذكرنا ، ولكن الذي يحتاج الى خطاب شفاف وواضح وصادق .... المواطن الذي تحمّل الانقاذ في مراحل حرجة جداً ، وما زال برغم أن الوضع برمته صار مؤلماً !!!
هل تستطيع الانقاذ ان تنتج خطاباً جديداً متحرراً من اثقال الماضي وفي ذات الوقت يضيء عتمة الحالة الاقتصادية بأمل حقيقي وواقعي ولو بعد حين  ، هذا هو سؤال يحتاج الى رؤية سياسية وفكرية متجاوزة  ؟؟!!!  

islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////