بسم الله الرحمن الرحيم

أفق آخر

-    1 –
اول ما يتبادر للذهن .... ما هي الحوجة الماسة للتعديل الوزاري ؟؟ ... الاجابة على هذا التساؤل تفيد الاهداف التي يقوم عليها ، وهي خلاصة مهمة جداً ... فهنالك فرق بين تعديل وتعديل  !!!
كثرت التكهنات والشائعات الى درجة ...  تسريب الاسماء و الوزارات التي من المفترض ان يطالها التعديل ، مما شغل الناس ولولا احداث مصر العاصفة لكان موضوع التعديل القادم يحتل ما شاء من مساحات في مجالس المدينة  .
فالتعديل المرتقب صاحبته احداثاً داوية داخلياً و خارجياً تمس اقرب الاشقاء  في الجوار والمصالح المشتركة ، رغم محاولات السودان للخروج الامن من انشطارات الاحداث في مصر ، الا ان جهات عديدة لا يعجبها موقف السودان الذي جسّده بيان الخارجية السودانية الرزين و الموضوعي اذ حاولت تلك العناصر اقحام السودان في الازمة المصرية ...  والامثلة عديدة ، ابرزها الرسالة الرئاسية         ( المضحكة ) من البشير الى مرسي في محاولة ( ساذجة ) للزج في اتون العاصفة ، رغم ما يكتنز من عاطفة اسلامية بين النظاميين في البلدين تبتدى و لو ( بالدعاء ) الذي يمثل اضعف الايمان .
ما فعلته السلطات السودانية ينبئ عن رشد سياسي مطلوب للغاية في مثل هذه التعقيدات في المشهد السياسي ....  فالسودان يرتبط استراتيجياً بمصر ومن المعيب ان تتخذ قرارات مصيرية حاسمة في قضية داخلية بالغة التعقيد .
يأتي التعديل الوزاري في ظل تغييرات مهمة جرت على ولاية كردفان الكبرى مع اهتمام مثير من رئاسة الجمهورية للانفلات الامني في دارفور اضافة للوضع الاقتصادي ( الصعب ) خاصة في شهر رمضان وقدوم عيد الفطر حيث الاسر السودانية مواجهة بفواتير مستحقة السداد يقابل كل هذا وضع ( مُربك ) تماما ً في دولة جنوب السودان التي تمر بمخاض سياسي عسير ربما يقلب الطاولة الداخلية الجنوبية يقصي مجموعة ( الضغط )  التي تُكن للسودان مرارات تاريخية ، لتستبدل بطاقم جديد يؤمن بالتعاون المشترك بين البلدين لتحليل حالة بسورّها الهواجس و الشكوك والريبة ، الى حالة اخرى اقرب للتعاون والتبادل والتعايش الحميم مما يعود بالخير الوفير ، والصحة الاقتصادية الحسنة بدلاً من التشاكس وتصدير الازمات عبر الحدود ودعم المعارضة المسلحة كما تفعل الدولة الوليدة دائماً .
-    2 –
يبدو ان تأخير التغيير الوزاري لمّا بعد العيد اتاح فرصة لان يكون التعديل حقيقياً ومؤسساً لا يتم مثل       ( استبدال الاقنعة )  .... فالان تبقت مدة محددة للاستحقاق الانتخابي القادم وأوضاع الحكم تمر بأوقات عصيبة تحتاج لجهاز تنفيذي قادر ذي برنامج محدد تستطيع معه تحقيق مقتضى الانتخابات من نزاهة وحيدة واستقلالية ولذا من اوجب واجبات الحكومة ( المعدّله ) اطلاق حرية الاعلام وفق ضوابط القانون واسقاط كل التدابير الخاصة .... وعليه يجب تفعيل مجلس الصحافة والمطبوعات وميثاق الشرف الصحفي حتى لا تمس مسائل تتعلق بالامن القومي ، مثل اسرار القوات المسلحة وتوسيع الشقة بين القبائل بغرض الاحتراب وتواصل ما يعرف بالتهميش لادراك الفرق بين تسليط الضوء على التفاوت في التنمية والخدمات وبين اثاره الضغينة والاحقاد والمرارات ....  ثم يجب ان يكون القضاء سيداً للموقف بعد كل هذه الاجراءات الاحترازية لازمة لان استهداف السودان جعله مثل ( المرايا ) ، اي حجر ولو كان صغيراً يحدث ضراراً واسعاً ....  الا ان هذا التقدير الموضوعي لا بد ان يبتعد خطوات واضحة عن الحريات ، خاصة والسودان في مرمى نيران تقاطع المصالح التي تستخدم الصحافة العالمية حيث يحتاج ان يقدم نموذجاً جيداً لادارة الانتخابات رغم سهام النقد التي تتربص به  فالمثال في السودان لم ينهار بعد كما يحدث بشكل مرتب وحثيث لاقصاء الاسلاميين عن المشهد السياسي في ثورات الربيع العربي  .   
التعديل الوزاري لا بد ان يكون مستوعباً لقضية الحرية ثم تأتي في المرتبة الثانية مسألة ( الانتاج )  لزيادة الدخل مع انها تحتاج للكثير من العمليات الاصلاحية التي قطعت شوطاً لكن يعوّزها التركيز واستناهض الهمم للعمل المضني مع سياسات لحماية وتحفيز المنتج فيما تبقى من فترة زمنية قليلة يجب استثمارها في العدالة الاجتماعية وبعض الرفاه  .
الضلع الثالث محاصرة الفساد المالي والاداري في الخدمة المدنية .... صحيح ان المراجع العام يرفع تقريره مباشرة للبرمان دون المرور بأي سلطة تنفيذية ولكن الفساد اتخذ اشكالاً متنوعة وخطيرة ربما ضُخمت جداً بشكل يطعن في طهارة الاسلاميين بقصد ....  لكن من المؤكد ان مجتمعهم ليس خالياً من الثغرات فهم ليسوا بملائكة  وهذه قضية فكرية واخلاقية معقدة للغاية ، لسنا في مجال الحديث عنها .  
المسألة الاخيرة في برنامج الحكومة الجديدة الانفتاح على مكونات المجتمع وادارة التنوع به .... حينها يبدو حديث البشير عن تخصيص وزارة للثقافة ....  والاهتمام بتوفير الموارد البشرية والمادية  منطقيا لان الثقافة بحيويتها قادرة  على الفعل والاختراق اذا أديرت بشكل جيّد دون اقصاء لاحد ، وما تجربة الاخ الوزير السمؤول خلف الله  ببعيدة عن الاذهان ... فقط المسألة تحتاج لمال وكوادر وسقف واسع من الحرية للعمل حتى تستبدل الكراهية والتشاحن والغاء الاخر وكل هذه الكوارث بفعل ثقافي خلاق يصنع عالماً جميلاً من غير رومانسية او احلام بل واقعاً معاشاً بفعل ( فاتن ) يستوعب الجميع وهذا لا يتأتى الا بأعطاء اولوية للعمل الثقافي .
-    3 –
دعوات عديدة داخل المؤتمر وخارجة في اطار الحركة الاسلامية تدعو للاصلاح ابرزها ما كتبه موثقا د. غازي صلاح الدين الذي نشر اطروحته للنقاش والجدل والنقد للقوى السياسية كافة ....  غير ما بذلته مجموعة  ( سائحون  ) وغيرها من واجهات اسلامية حتى صار ( الاصلاح ) مطلباً قيادياً من رئاسة الحزب الحاكم ...  يبقى سؤالا واحداً ومُلحاً للغاية ما هي درجة منسوب الاصلاح  ؟؟؟ جذري أم تدريجي ام تكتيك سياسي ؟؟ ... في ظني وان بعض الظن اثم انه اصلاح تدريجي لمّا يمارس من افعال لقوى الشد العكسي التي من مصلحتها الذاتية والخاصة ان يبقى الوضع كما هو عليه ويرمون ذلك على مخاوف حقيقية عديدة  من انفراط لعقد الامن وضياع لمشروع الانقاذ  .
في تقديري ان الاصلاح في حد ذاته سد منيع من انهيار الوضع كما يصّوره البعض حيث يحقق مكاسب كبرى تمس المواطن المغلوب على امره .
( فالاصلاح ) تغيير ويضخ دماءاً جديدة في شريان الدولة التي تحتاج الى التجديد والعزم ... اما     ( التكلس ) والخوف من الاصلاح لمراعاة هيبة الدولة يمنع تجاسر الحركات المسلحة عليها  ... فالانقاذ جربّت كثيراً فقه ( سد الذرائع ) فمن المناسب ان تعمل قليلاً بفقه ( المصالح المرسله ) عّلهّا تحقق شيئاً يقع في صالح الجمهور الذي يريد حكومة تسهر على تذليل صعوبات الحياة الكثيرة  .... مثلاً ما الشيء الذي يعوق التمويل الاصغر وهي فكرة مدهشة ؟؟ ... نعم نجحت الفكرة لكن لم تحقق الفعل الثوري الذي تريده الانقاذ ؟؟؟!!!!
ولماذا تقبع وزارات الشباب المختلفة سواء كانت اتحادية ام ولائية  في حيزها لا تستوعب القوى الجديدة الصاعدة من شباب ( الفيس بوك ) ( وتوتير ) وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة للغاية ؟؟... لانها جامدة لا تتطور تلوك برامج قديمة من السبعينيات او ثمنينات القرن الماضي ... !!!!
في تقديري ان التعديل الوزاري لا بد ان يوافق خطة لتحقيق مقتضى الانتخابات التي ينظر لها العالم كله بعد السقوط الداوي لليساريين والليبراليين في ازمة مصر ، الذين ينزلقون في متاهة كراهية الاسلاميين دون وعي لاسمائهم الكبيرة الضخمة !!!  
الاسلاميون في السودان مطالبون بضرب مثل يحتذي في الممارسة السياسية والرفاه الاقتصادي وادارة التنوع الثقافي وقبول الاخر ... وما النموذج التركي الا مثلاً في تحمل العبء العلماني المتمرس سنوات عديدة في دولة الخلافة الا ان الفعل الخلاق اضطر الاعداء ان ينحنون اجلالاً لسياسات الاسلاميين رغم انوفهم المتغطرسة !!!
التعديل الوزاري القادم فرصة جيدة للانقاذ ان تحقق عدة اهداف صحيحة تعالج بها الازمة مع الجنوب الذي له علاقة وثيقة بتحسن الاقتصاد وعيشه المواطن العادي  ، ومن ثم فتح باب الحريات والاهتمام بالاعلام والشباب بدفع حزمة برامج تفجر طاقاتهم ليس لاستبعابهم ، فالرؤية حمل المجتمع كله لمعالجة مشكلات الوطن .... لا اكثر و لا اقل !!!!

يبدو من الدرس ( الدرامي ) المثير للجدل الذي اهدته الازمة المصرية على طبق من فضة الاسراع لحوار وطني جاد تقوده مؤسسة الرئاسة التي تؤهلها كل الظروف السياسية لادارة مثل الحوار بحيث لا يقصى احداً .
في اعتقادي ان هذا اهم معادل في التعديل الوزاري القادم حيث يُقدم منْ يؤمن بالحوار الذي له مطلوبات وطنية لحل كل المعضلات الشائكة ... من هنا يبدو ان التغيير السياسي يمشي فوق صفيح ساخن لان البعض يحذر منه جداً ، بينما تجارب السياسة السودانية  ،  توضح بجلاء ان الحوار فعل موضوعي وثوري يحمل الجميع ليسُهم في بناء الوطن اوصّد الرياح الهوج عنه ، لا ان يجلس الجميع يتلامون والوطن يغرق في مستنقع الصراع .
سانحة ثمينة تلوح في الافق ان يكون التعديل الوزاري حقيقياً لا لعبة كراسي ( بايخه ) جداً !!!

islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]