بسم الله الرحمن الرحيم
أفق آخر


لأن السودان مازال حائراً بين رحى الدائرة المفرغة ديمقراطية هشة لا تستقر على حال وانقلاب حالم لحل كل القضايا المستعصية ثم تعجزه المصائب من كل ناحية.
آخر المحاولات الجادة لمعالجة مسائل عديدة تختص بالحكم وتوزيع الثروة والسلطة وإيجاد حل لقضية التنوع الثقافي كانت في نيفاشا والتي كما هو معلوم أفضت لانفصال صاخب للسودان .. ومن ثم أورثته مشكلات جديدة في " أبيي " والحدود ومصالح الشعبين على ضفتي الحدود " القسرية ".
المشهد السياسي السوداني أكثر إثارة حيث تجتهد المعارضة المهترئة المختلفة على نفسها على إسقاط النظام بوسائل وطرائق وأفعال لا تمت للعمل الديمقراطي في شيء .. فهي مصابة بعطب شديد في نخاع العظم المنتج للخلايا الدموية بما يصطلح له في الطب بـ          " اللوكيميا " أي سرطان الدم، فتمارس بدل الفعل الديمقراطي الرشيد وسائل " قذرة " من ارتماء للعنصرية البغيضة ومن ثم عمالة مع الأجنبي واستقواءاً على يد الحكومة القابضة فتناسلت حركات التمرد التي كانت في البدء مثالية في الطرح ولكن هوى العمالة جعلها تمتهن حالة الخروج عن سلطان الدولة فتورثها أعمالاً تصب في هدم كيان الدولة .. أما الحكومة فقد استطال عمرها وآثرت صوتها دون الآخرين مع أن دعوتها المتكررة للحوار لم تجد آذاناً صاغية لاستخدام الحكومة القانون لكبت الحريات .. وكلما اشتد التمرد في بقعة ما .. ضاقت مساحة " الهواء النقي " وذلك لدواعي أمنية .. حيث يعتقد البعض أن الذهنية الغالبة على النظام ذهنية لها علاقة بإدارة أجهزة التحكم في الأوكسجين الذي يستنشقه أي معارض .. هذا على الأقل ما تناولته مجالس المدينة.
مع هذه الحالة الإلتهابية المزمنة تعرضت عناصر من المعارضة لإمتهان الحرب بكل تبعاتها " الثقيلة " وتفننت في تكوين وحدات متمردة في ظل الأوضاع السيئة التي تشهدها تلك النواحي الاقتصادية ويزيد الطين بلة العطالة بين الشباب غير ممارسات حركة التمرد في تجنيد الأطفال .. في هذا المناخ الملبدّ بالغيوم السوداء، ينسحب هذا على الحزب الحاكم حيث ينهض " الصقور " الذين يعتقدون أن السلطة بآلياتها المتعددة ستحسم التمرد الذي امتد قبل استغلال إلى أن انتهى بفصل الجنوب، وتولد في دارفور وجنوب كردفان.
هذا الاعتقاد ضيّع على السودان موارداً بشرية ومادية هائلة وطاقات وجعلت منه سلعة يقتاتها الإعلام بكيد أو بدونه .. هذا بالضرورة لا يعني غض الطرف عن رد العدوان في وقته وزمانه بشكل حاسم مثلما حدث في هجليج مؤخراً .. والدلالة على صحة النهج التفاف الشعب حول قيادته بشكل مثير أثناء الاعتداء أعطى الحكومة دفعاً للأمام بصورة لافتة.
ولأن الديمقراطية في السودان مازالت في طور الطفولة الباكرة مصابة بأمراضها المتعددة من نقص في التروية إلى سعال ديكي إلى شلل أطفال .. المعارضة تعتقد أن الحكومة تريدها أن تصلي الفجر حاضراً في بيت الضيافة .. بما يفيد الإذعان لكل دعوات الحكومة التي لا ترتضي إلا شبهها وبذلك تفعل ما تريد لا تكبحها خطوط حمراء تمس الوطن في وحدته وهويته ومقدراته .. والحكومة أيضاً لا تفعل الكثير في حّض المعارضة لتواثق على خطوط وطنية جامعة لا تقوى الحكومة، ولكنها لا تهد الوطن بمن فيه !!.
في اعتقادي أن البشير في مبادرته الأخيرة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ودعوة الحركات المسلحة للحوار حول الدستور بدون شروط قد أخذ بزمام المبادرة التي أفسدتها بعض جماعات الشد العكسي من الحزب والحكومة فاغتالوها في مهدها بعدم تهيئة المناخ للمتمردين حاملي السلاح والمعارضين بإلغاء القوانين المقيدة للحريات للإنطلاق بالحوار والمبادرة المتميزة إلى شواطئها الآمنة .. برغم اجتهادات " شيخ علي " في شرح المبادرة ودوافعها فالمعارضة في الأصل مرتبكة وتقتنص الهفوات لتهرب من المعركة السياسية.
مثل هذه المبادرات الساطعة تحتاج إلى تمهيد ساخن على الأرض لأن هنالك بعض الأجهزة والمؤسسات ومراكز القوى في الدولة معنية بصفة أساسية لعدم وصولها إلى مبتغاها النهائي .. فالاتفاق الأخير مع دولة الجنوب مرّ بمنعطفات كثيرة .. ووجد عوائق وسدوداً لولا الإرادة السياسية الخيرّة التي انتصرت أخيراً وبصعوبات سواء من الطرف الشمالي أو الجنوبي على حد سواء !!.
لا نريد من الحكومة أن تعتقد أن المعارضة تحلم أن تركعها في محراب كاودا .. كما لا نريد للمعارضة أن تعتقد أنها مجبورة أن تصلي بالتزام صارم الصبح في بيت الضيافة !!.
عكس هذا المنطق حالة من تكسير العظام أي إيذاء بدني ونفسي مرهق لكليهما !! في اعتقادي أن الحكومة محتاجة للدفع بمقترحات جادة وفاعلة لتجعل من المعارضة تخضع لحالة التوازن من غير شطط لكن في النهاية السلطة أقرب للاستبداد هذه مسيرة التاريخ إلا إذا قدمت أنموذجاً مع دفع شديد لتكبح شهوة السلطان بينما المعارضة أقرب للسفه والتهور وتحتاج إلى ترشيد مثابر !!.

islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]