بسم الله الرحمن الرحيم

افق اخر

islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
-1-
ترددت كثيراً في كتابة هذا المقال لانه مدعاة للتصنيف اما " تكسير " للثلج لمسؤول عام ونافذ او يقع في حيز آخر الاستهداف الشخصي وهذا ابعد لان ما يجمعني بالرجل الكثير من العلاقات تتسم بالود والاحترام ... ولذا سأخط طريقاً ثالثاً محايداً للغاية اتوخى فيه الموضوعية ما أمكن ذلك .
بدأ سطوع نجم اسامة عبد الله في جامعة الخرطوم في اوائل الثمانينات من القرن الماضي ... حيث الظهور وسط كواكب عديدة امر في غاية الصعوبة .... فالكل في ذلك الوقت يتمتعون بقدرات باهرة في الادارة و التنظيم والخطابة غير المهارات الاستثنائية في الصحافة والابداع الفني و الاكاديمي .
في هذا المناخ الحيّ الصاخب بالحيوية وآمال الثورة المخبوء في عرق العاملين المخلصين من اعضاء الاتجاه الاسلامي بجامعة الخرطوم تولى منصب ( الامين العام ) ارفع المسؤوليات التنظيمية وهو في العام الثاني من كلية الهندسة اثر ظروف خاصة مما اتاح له سعة في اخراج قدراته ومواهبه الادارية . لا اريد الخوض في الظروف التي جعلت من ( اسامة ) ان يكون مسؤولاً من الطلاب ... الجهاز الخطير للاتجاه الاسلامي الذي يتميز بفاعلية وقدرة ( ذرية ) في التأثير والحركة فأمسك بمفصل استراتيجي يرتبط بقطاعات عديدة خطيرة خاصة قبل ثورة الانقاذ ... فبات بعد هذا من اقرب الناس الى            ( شيخ حسن )  الذي من عبقريته القيادية فتح بابه على مصرعية لتلاميذه الى درجة تشعر المرء بالدنو من ( الشيخ ) الممسك بأطراف التنظيم كله مما يشعر فيه المرء بأهميته و حريته في الحركة والتنظير والمشاركة و يمنحه ثقه عالية في النفس يضاهي بها المسؤولون كبار خبرّوا السياسة زمناً ولهذا المنهج اشراقات واخفقات  .
من غير ارتباط بنسق تاريخي حدث توسع كبير في مستوى التنظيم حيث تضاعف عشرات المرات وحدثت شراكة بين الاتجاه والجماعات الاسلامية والفئات الوطنية الاخرى التي تؤمن برابط الوطن من غير تمييز في الدين واللون والعرق فتبلورت فكرة الجبهة الاسلامية القومية التي نافست في انتخابات الديمقراطية الثالثة وأصبحت الكتلة الثالثة في البلاد ... واحتفظت بمقاعد القوى الحديثة في البرلمان عام 1986م .... في ذلك الوقت صعّد شيخ ( حسن ) الاستاذ علي عثمان محمد طه نائب الامين زعيماً للمعارضة متخطياً بذلك عدداً من الشيوخ الذين اسبق منه مما سبب امتعاضاً لم يصل الى اي درجة من درجات الخلاف غير التململ الذي لا يجدي .... وبظهور شيخ ( علي ) الساطع على المسرح السياسي .... نشط شباب الحركة .... حيث كان التعويل في مهام الانتشار والدعوة والتحرك في المجتمع المدني اضافة للعمل الاعلامي المتميز على الشباب تماماً  .
(اسامة عبد الله ) وسط كل هؤلاء الانداد المقتدرين وفي زمن الايثار وعدم التنافس الذي لا يورث الحسد الذي يخصم من الحسنات ما تأكله النار من الحطب نهض وبقدرته الحركية والتنظيمية والادارية استطاع ان ينجز اعمالاً هامة في قطاع الطلاب وبدعم من القيادة كبير فتوسع قطاع الطلاب وبامكانات مالية معقولة وبانجاز مهم من رئيس القطاع .... قدم فيه معينات لوجستية كبرى مع أنه لم يُعرف بأنه من القيادات الفكرية للحركة التي تحظى ببريق لامع الا انه وبمساحاته الحركية وقدرات استثنائية اخرى في المكاتب الخاصة استطاع ان يجد له مكاناً مهماً . 
-    2 –
وحين نجحت الثورة باستلام مقاليد السلطة في البلاد عام 1989م .... وظهور وجهها الحقيقي بعد عملية تمويه متقنة في الفترة الاولى ... بدأ العالم وعلى وجه الخصوص باستهداف السودان بفتح جبهات كثيرة حتى تنهار ثورة الاسلاميين الجديدة .
برز اسامة بحكم وضعه التنظمي السابق وابلى بلاءاً حسناً في حشد الطلاب الاسلاميين وغيرهم في سد الجبهات المفتوحة على مدى واسع .... وتلك فترة عصيبة جداً تجاوزتها الحركة الاسلامية بالكثير من الصبر والصلابة والاحتمال على الابتلاءات ... كان من الاساسيين في الدفع والبذل والعطاء والجهد على مستويات عديدة ... مما دفع القيادة في ذلك وبعد دفع اثمان باهظة ... سقتها دماء طاهرة من الاسلاميين ان تدفع به ليتولى قيادة الخدمة الوطنية في بدايتها كفكرة تحتاج الى بسطها وتعميقها في وقت كان يشعر به المجتمع بأن ابناؤه يموتون في حرب لا هوادة فيها ومحرقة لا تُبقي و تذر برغم ان قادة الانقاذ في تلك الفترة ضربوا المثل الاعلى بدفع          ( اخوانهم واولادهم ووزرائهم )  في ساحات الجهاد بدءاً من الرئيس وشيخ ( حسن ) مروراً بشيخ ياسين عمر الامام ... وابراهيم السنوسي وغيرهم من  كوكبة شهداء الحركة الإسلامية .
الفترة الاولى من اقدار الخدمة الوطنية مرت بصعوبات جمة .... تصدى لها بجسارة لا يحسد عليها ... ورغم المرارات وتهكم قطاعات واسعة من المجتمع من تجربة الخدمة الوطنية الا انه استطاع بقوة ( براجماتية ) عالية وايمان عميق برسالة المشروع ان يتجاوز الازمات والمطبات الهوائية من اعداء المشروع او محاولات انقاذه بالسرعة والاتقان والدقة اللازمة .... والتي أحدثت تجاوزات خطيرة .... ولكن هذا قدر البدايات الاولى التي خصمت منه الكثير الا انها صقلته بما يكفي لايام قادمات اكثر مسؤولية ورهقاً .
هذه المشاريع الهامة والصعبة التي استطاع ان ينجزها بمهارة رغم ما لحقه من اذى بسبب الاقدام الباهر في تجاوز العقبات التي كانت تلف المشروع من كل جهات ورغم ما اصابه من صفات ونعوت احاطت به اقلها انه غير ( انساني ) البته .
يبدو انه من العناصر التي ينطبق عليها شعار الاتجاه الاسلامي ( اصلب العناصر لاصعب المواقف )والتي يكرهها اليساريون حتى النخاع . لم يبلغ ( اسامة ) مداه ـ تماما ـ الا بعد مفاصلة التي حدثت ( 1999م ) والتي لم اكن شاهداً عليها ... برغم ان المعلومات الغزيرة والمتضاربة تجعل المرء لا يخوض في احداث الفتنة التي حدثت الا ان ثمة تعليقاً واحداً يخص ما نحن بصدده ان    ( اسامة ) كان احد العلامات الفارقة التي قلبت الطاولة على ( الشيخ ) بترجيح كفة مشروع الحركة في الدولة مما اثار حفيظة الكثيرون مما يعتقدون انه اقرب ( للشيخ ) من آخرين كثر ... هذه الاحداث العاصفة وسعت الهوة بينه وبين اخوه له وفي الوقت ذاته قرّبته من اخوة آخرين .... فخرج من هذه المفاصلة ( المفجعة ) برؤية اخرى لصالح مشروع ( الدولة ) ... وهذه قصة اخرى ... لها زمان آخر لم يأت وقتها لتطرح كل ابعادها سلباً وايجاباً عليه ... لان سفينه اسامة مخرت في البحر اشواطاً بعيدة  .
حول هذه القضية المفصلية التي أصابت الحركة الإسلامية اثار جدلاً أكثر من غيره في هذه المسألة وذلك لاسباب كثيرة تخص علاقته بالشيخ واخرى تتعلق بمهام التنظيم التي كان ممسكاً بها .... بعد هذه العاصفة الكبرى برز بروزاُ كبيراً و نجح في المهام الموكله في شأن الحشد والاستنفار وسد الثغرات في مرحلة الجهاد التي كان ضمن كوكبه احدثت اختراقاً مهما وبات اقرب ( للبشير ) مما زاد الحنق عليه فالبعض يرى أنه ذو حظ عظيم والبعض اسرف في الخصومه فسكب عليه جام غضبه الا انه ذهب فيما رأه صحيحاً لا يلتفت للأقوال والشائعات . 
اسندت له  مهمة وحدة السدود التي من المفترض في تخطيطها الاول ان تنجز انجازات باهرة تحسب في كتاب الانجاز الانقاذي فحمل خلصاءه من الحركة الاسلامية ليساندوه في مهمة تاريخية وهي القيام بانشاء مشروع ( سد مروي ) او ما يسمى مشروع نهاية الفقر في السودان انجز المشروع الضخم بكفاءة وبحنكه ادارية وتنظيمية مسؤولة للغاية ... يحسد عليها برغم ما افرزه المشروع من مشاكل لوجستية كبيرة تخص االمواطنيين المتأثرين بقيام المشروع وهذه المشكلات تعامل معها على حسب كتابات كثيرة واقوال بجسارة وجرأة غير مسبوقة تحمل فيها كل النقد الجارح لشخصه غير آبه مهما كانت قراراته مصوباً نظره للمألات النهائية لذلك المشروع الضخم والذي تباهت به لانقاذ كثيراً على المستوى المحلي والاقليمي والدولي .
هذه الانجازات الواضحة والبينه لفها الكثير من الظنون والنقد اللاذع لمؤسسة السدود وصوّب اكثره على شخصه رغم التنمية الواسعة التي صاحبت تلك المناطق ( القفره) سابقاً . 
جلبت تلك النهضة مشكلات حضارية تتعلق بارتباط الانسان بالمكان حتى ولو كان كالحاً غير ذي زرع مما جعل تلك المشاريع تنتاشها سهام النقد والالسن ولن يشفع له جهده المبذول في ادارة السدود لتجاوز الغضب من بعض المتأثرين من المشاريع وعدم مراعاة الحالات النفسية او عدم وجود مسوغات فكرية مصاحبه تعالج المشكلات الناجمة عن ذلك من قبل .... خرج منتصراً بانجازات شديدة البهاء نتضاءل معها تلك الصرخات المعارضة .... وبقدرة هائلة على التعامل مع سخط بعض الجماهير ( كمسألة المناصير المشهورة )

-    3 –
صعد ( اسامة عبد الله  ) على اثر تلك النجاحات في سلم المسؤولية و بات وجهاً واضحاً للمرات الاولى في  ( الميديا ) كلها . فعمل وحدة السدود كان حاضراً في مناطق عديدة من السودان ساهم فيه ابناء مخلصون من مهندسيين وفنيين وهو على قيادتهم يهيئ بيئة صالحة للعمل مع امكانات كبيرة وهذا في حد ذاته جلب له مساءلة ونقد وحديث طيب وخبيث  في آن واحد ولكن يبدو وكما يقولون انه استند على تاريخ طويل وناصع مهد ان يكون رقماً صعباً في معادلة الحكم لا يمكن تجاوزه تولى وزارة الكهرباء مع السدود كحمل ثقيل آخر يحمله على اكتافه الا انه تصدى للمهمة بذات الجسارة التي عليها فالكهرباء وما كان بها من مشكلات وصعوبات و احباطات تجعل من كل شخص داوم على النجاح ان ينفر منها ويستجير برمضائها بالنار و التي أعلنها في مؤتمر صحفي لم يُعقب عليه أحد بعد ذلك . 
مسؤولية اخرى صنع منها " شربات " الغريب بعد كل هذا التعب فقد لاحقت اسامة شائعات عديدة ... اقلها تجنيب الاموال التي لم يسلم منها الا اعلانه بالبراءة التي استحقها من النائب الاول بعد مراجعته للمراجع العام .
حدثني صديق عزيز علىّ انه عاد لقريته في الشمالية وفوجئ تماماً بالتغيير الذي احدثه سد مروي في تلك المناطق الشاحبه .... ومثلما تمنى الشاعر حميّد رحمه الله ( امونه تحلم ببيوت بنور ودش ) ... صار الحلم واقعاً حيث اضيئت القرى وامتدت فيها الشوارع المستقلة ومطار وتغيير شامل لحياة الانسان .... وهذا التحول لم يحدث في الولاية الشمالية انما في كل مكان امتدت له يد وحدة ( السدود ) ... حيث تتحول منطقة النيل الازرق بفضل تعليه خزان الروصيرص في تلك المنطقة المهمشة سنوات طويلة عمران وكهرباء ومدارس ووحدات صحيّة . يبدو انه و رغم صغر سنه مرّ بتجارب ( حامضة ) بعضها     ( صعب ) ومؤلم في آن واحد وبعضها ( سار ) ومتعب للغاية يحمل في جيناته بذور الرهق خاصة في وضع السودان المعقد و في السنوات العجاق السابقة والحالية .
ادلى ( اسامة عبد الله ) بتصريحات صحفية قبل ايام ان ما طاله من نقد ناتج عن مسائل ( شخصية وسياسية ) .....وهذا الى حد بعيد صحيح الا ان هناك نقد موضوعي يخص المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تصاحبها اخطاء فادحة .... مثل الانتصارات العظيمة التي تأخذ مدى بعيداً مؤثراً .
سأشير الى نقطة لا يحبها ( اسامة ) مطلقاً ... وهي الحديث عن اسرته الصغيرة خاصة في مجال العمل العام ويبعدها خارج التشاكسات التي تصيبه في ادارته للامر العام وبشكل تقليدي ولذا سأحافظ على قداسة عدم المس باسرته رغم انه زوجاً رائعاً وأباً ودوداً وحنوناً وأما اصحابه .... فيحفظ الود رغم اختلاف الرأي .... رغم ما يظهره من جديه وصرامه وجفاف يخبأ حالة استثنائية من ود عامر مع صحبه او من كان مسؤولاً عنهم يوماً ما او صنع لهم معروفاً .... في اعتقادي انه و برغم إثارته جدلاً مشروعاً في مسيرته العامة الا انه استطاع ان يحقق نهضة تنموية بعزيمة قوية نتج عنها اعمالاً جديرة          ( بالتصفيق ) وان اختلف البعض في شخصيته الجدلية !!!!