بسم الله الرحمن الرحيم


أفق آخر



حين تستسلم للغربة الحارقة .... وتعتاد على شراستها ولؤمها لا تتغير الأشياء والأيام تتشابه ... والبرنامج منزوعة السلاح ... حيث لا تمرد ولا ثورة ولا ضجيج ... ولذا في بعض ايام الشتاء العاصفة ـ جداً ـ والبرد لا يرحم والدماء تتجمد ـ تماما ـ والبياض يستشري في الوجوه ويمتد إلى الخضرة إلى أسقف المباني القديمة والجديدة على حد سواء .
في هذه الايام تحديداً لا احتمل الاغاني الصافيه الشجية ... وأخاصم مصطفى سيد احمد ووردي وفيروز وحتى أصالة .... وأهرب للمسلسلات التركية والمكسيكية الرديئة ولا احتمل حتى ضحك مذيعات المنوعات غير المناسب .... وألازم غربتي المجيدة واعاني الصمت كثيراً حتى أملّه و أكره الدواء والمستشفيات والأطباء .... لا أكثرت لثرثرتهم فلا يوحد أسوأ من هذا ( البيّات ) .
ولكن رغم كل هذا ( الشتاء الساخن ) الا ان الله يقيض فسحة من الأمل حيث زارني فجأة الدكتور الصحفي / صلاح دعاك بأناقته الباهرة وبعثر بعض الحديث .... واحتمل مني ما كنت اخبئه في نفسي الظامئة لحوار أنيق فأخرجت هواءاً ساخناً ارهقت به نفسه الصافية المتصالحة .... اما منتصف الاسبوع فقد زارني وفداً رفيع المستوى من أصدقاء وتلاميذ ... اما الأصدقاء فكان برفسور ( أبو القاسم قور ) د. وشمس الدين يونس وتلاميذ نجباء كدكتور فضل الله محمد عبد الله وثله اخرى من ممثلين وعلى رأسهم عزيزنا على مهدي .... وقد احدثوا في حراكاً داخلياً ولولا طريقة ( قور ) الذي عُين فجأة في لجنة عليا مرموقة تختص بشؤون الانسان فنسى معها حتى وداعي برغم اني اعلم حبه لي كثيراً ولكن ( ثمة مشكلات لوجستية لا تعالج مهما طال البقاء بالمدينة . كانت ساعات بعثرنا فيها حديثاً ذكياً ومُراً في آن واحد في السياسية والثقافية وأحوال الناس .
واختتمت هذا الصخب الحنين بقدوم الإعلامي المتألق الطاهر حسن التوم الذي لازمني ولازمته بما استطيع وما قدره المرض من حركة باتت محدودة للغاية ... الحوار مع الطاهر الذي اعتاد ان يحاور الناس فيه الكثير السعه والطرفه والذكاء ... حيث هناك قضايا لا تناقش مباشرة على الشاشة البلورية تفهم من خلال عبارات مبهمة ... وهناك حديث مستفيض له ذيول لما بعد اللقاء المباشر الذي يحدث ( لمّاماً ) !!!
هذه الدفقه التي لا تأتي الا كل عشرة أعوام تحدث مثل عمامة مثقلة في ليلة صيفية حارقة .... او ليلة شتوية عاصفة الرياح لا تهدأ تنفذ الى العظم والروح معاً .
والغربة في دورتها العنيفة تجعل المرء حساساً للغايه من الضوضاء .... وفتح المنافذ .. والقدرة على التواصل مع الاخرين الى ان يصل الى حد الاعتكاف .... وبين تلك المراحل موجات شوق عارمة تجتاح الانسان من اقصاه الى اقصاه .... ثم دورة الهواجس و الافراط في اليأس ..... فأي حبيب مريض سيموت حتماً .... وأي ارتفاع في الدولار يعني مجاعة فتضرب عن الطعام وقضم الفواكه الطازجة وتعتصم بأكل ( النبق ) وأنت في وسط المدن الجميلة الفارهة ....  اما خبر مثل توقف ضخ النفط الجنوبي في خط الانابيب يصيب المرء ( بالسكتة القلبية ) مباشرة .... هكذا الحال في الغربة لمن يهتم بأحوال الوطنْ .... وتكسره اغاني مصطفى سيد احمد خاصة اغنية ( المسافة )
عذراً يبدو ان الحال في بلاد تموت من البرد حيتانها اخذت هذا الحيز لتعبر عن قطاع عريض من ابناء الوطن الذين اخرجوا الى بقاع ارض الواسعة يبتغون الرزق والفضل ..... بعضهم يعمل لاجل وطنه .... واخرين من دونهم يضربون الارض سعياً فتلسعهم نار الغربة ... و وميض الشوق للشوارع ... والكافتريات والحواري والازقة والشمس المشرقة ... والليل لباس العوارات كافة !!!
كم اشتاق الى حب لن يأتي .... وحبيبة سمراء اللون وسط كل هذا البياض !!!!
كم اشتاق ؟!!!

islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\\\