بسم الله الرحمن الرحيم



(1)
بات هذا التساؤل ملحاً خاصة بعد التغييرات السياسية التي أصابت المنطقة وأحدثت انقلابات جوهرية في معاقل أساسية في عالمنا العربي طيلة الأربعة عقود الماضية ....وبرغم ان مثل هذه الثورات ليست غريبة على شعب السودان الذي صنع مثلها في سنوات ماضية الا ان التقنية الجديدة التي دخلت على " تكنيك "تلك الثورات وقيادتها من عناصر شبابية تكوينات جديدة من المجتمع المدني احدثت إنقلاباً مغايراً في ظل تصدي تقليدي من الاجهزة الأمنية ولكن بأدوات حديثة في قمع الشعوب !!!
العديد من الكتابات وخاصة في المواقع الالكترونية والصحف السودانية وبعض الدوريات العربية يتساءل عن مد " السونامي " هل يجتاح السودان برغم " ادعاء " حكومته بأنها منتخبة ديمقراطياً ؟؟؟
هذا التساؤل بات ضرورياً بدرجة كبيرة بعد العواصف التي تعصف ببلاد عديدة .... ويعتقد البعض ان حكومة الانقاذ من حسن حظها انها أخذت وقتاً إضافيا " للعبرة " وتحسين صورتها .... فمن حيث المدة الزمنية في الحكم هي اقرب للنظام التونس واليمني وعلى طريق النظام المصري .... فقد مل ّ بعض الشعب من ثلة الانقاذ .... وقد ظهر ذلك في مجموعة " قرفنا " برغم محدوديتها وطرحها الساذج  ... مثل هذه الرؤية القاصرة تتناسى ان الانقاذ ترتكز على قاعدة متنبة من منهج وأفكار وكوادر تناصرت مع مجموعات سياسية وجهوية واقتصادية لتنتج قطاعاً عريضاً يدافع عن مشروع حضاري حدثت فيه تعديلات تناسب واتساع القاعدة المتعددة الوجوه والمصالح

 ( 2 )
المشروع الاول للانقاذ جاء لرفع السودان من الهوة التي سقط ولملمة أطرافه .... من تمدد التمرد وانتشال المواطن من الفقر والمرض وتفجير طاقاته وتحرير إرادته هذه العناوين الكبيرة والعميقة التي نهضت من اجلها الانقاذ التي  اصطدمت بعداء سافر من قوى دولية وإقليمية إضافة للمعارضة السودانية الموزعة على العواصم الباردة في مختلف إرجاء الدنيا ... ربما هذا العداء قد اخل بأولويات الثورة التي اولت اهتماماً خاصاً للقضايا الأمنية الملحة حتى لا تتمزق البلاد ....
بالرغم ان العشرية الأولى كانت الثورة قابضة بزمام الأمور لإغراض التأمين الا انها  قامت بانجازات باهرة رغم الحصار اللئيم والحرب الملتهبة في الجنوب فأستخرج البترول الذي احدث من بعد رخاءاً اقتصادياً مقدراً والواضح ان الانقاذ أطمئنت قليلاً بعد احداث توازن على مستوى القوة الذي سارع في خطوات السلام الذي احدث انفتاحاً غير مسبوقاً لدولة الانقاذ التي استوعبت استحقاقات نيفاشا من توزيع للثروة والسلطة ... رغم ما جرى من مؤامرات وتراشقات وضرب غير قانوني رجعت للسيرة الأولى من اطمئنان ورشد وحرية  ... زادته الفترة الانتقالية وهجاً برغم نهايتها المأساوية بانفصال جنوب السودان !!!

( 3 )

من المؤكد ان تغيرات سياسية كبرى قد حدثت من 30 يوينو 1989م والى الان ... في بينه الدولة وطريقتها وتناولها للحدث لكن يعتقد البعض ان التغيرات ليست جوهرية إنما شكلية لا تمس أسس القضايا فالحرية مثلا تمنحها الحكومة وقت تشاء وتمنعها كيفما اتفق .... أنصار هذا الرأي يتناسون ان الحرية المتاحة في السودان لا تقارن بالحرية المتاحة في دول الإقليم الذي نعيشه بل تتجاوز الى ان المعارضة لا تفرق ابداً بين اسقاط الحكومة وبين هدم مكونات الدولة .
واذا كان الحلم دائما عند المعارضين يحلق في سموات الدول البارزة .... فهناك لا توجد فروقات بين حزب العمل والمحافظين في استراتيجية الأمن القومي ومصالح بريطانيا المرسلة .... كما لا توجد بين الجمهوريين والديمقراطيين في القضايا الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية .... والمقارنة في هذا الصدد واسعة إلى درجة لا تصدق .... ولذا نجد ما يندرج في اسقاط حكومة ما إذا أخطأت كثيراً ام قليلاً لا يصيب الثوابت ولا يهدد الأمن القومي لدرجة التمرد والاستعانة بدول ومسائل اخرى كالضرب تحت الأحزمة ... وجرت في تلك الفترة السباق الانتخابي الذي صاحبته اجواء منفتحة على الاخر مع فوانيين تفتح نوافذ الحرية والشفافية على سعتها مقارنة بالوضع السياسي السابق .... ورغم ان الانتخابات جاءت منقوصة لانسحاب الاحزاب لدواعي شتى أكثرها عدم استعداد تلك الاحزاب للانتخابات رغم ان موعدها كان معلوماً قبل سنوات .
ربما لم تكن مساحة الحرية وبعض الإجراءات للعملية الانتخابية كما ينبغي ولكن الانتخابات جرت في اجواء اقرب للمعايير الصحيحة التي تتوخى الحيدة والنزاهة .... المهم ان الانتخابات كانت تمريناً مهماً للحزب الحاكم على التواصل الجماهيري رغم انتقاء المنافسة بانسحاب الاحزاب طوعاً .
استحقاقات اتفاقية نيفاشا 2005م من إدارة شاملة للتنوع وقبول الأخر اكسب الانقاذ قدره واسعة على أبعاد لفظ الاستبداد حيث أظهرت الانقاذ قدراتها الفائقة رغم التعثر في بعض الملفات على التعامل مع مخرجات نيفاشا ....
اذن هناك عدة تمارين قاسية للتنازل عن السلطة ـ بطيب خاطر ـ مرت عليها الانقاذ وفق ما تقضيه العملية الديمقراطية من تداول سلمي للسلطة .... وباتت الانقاذ أكثر الحكومات دعوة للممارسة العمل السياسي بآلياته رغم تشكك بعض المعارضين للحكومة . الفرق واسع بين بدايات الانقاذ والان .... حيث انفتاح كبير رغم بعض التوترات هنا وهناك خاصة في دارفور  ... كل هذه القضايا لا تبرر دون السير في فتح النوافذ والعمل على تحرير الذات بالحرية التي تجعل المواطن ينتمي أكثر لوطنه ..... ثم المضي أكثر للحكومة في برامج الحكم الرشيد وطهارة اليد .... ومحاربة الفساد وتعميق الشفافية !!!
ربما تجمع الحكومة قدراً من المعلومات التي تهدد الأمن القومي ... لكن من المؤكد ان الشمولية وإقصاء الأخر وكبت الحريات من اكبر تلك المهددات .... وهذا ما أدركته الانقاذ باكراً فاتسعت أشرعتها لتحمل اكبر ..... وكلما انتكست تذكرت قول الراحل دوريش ما اصغر الدولة ما اكبر الفكرة !!!!   

    
islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]