بسم الله الرحمن الرحيم
أفق آخر


(1)
المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في مصر والذي كان يبدي " زهواً " خاصاً بتجربته و انضمام الملايين من المصريين في عضويته سقط سقطة داوية ابان الثورة المصرية الظافرة التي اطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك الذي حكم مصر زهاء الثلاثة عقود من الزمان .
الامر يحتاج لنظر فاحص للاجابة على اسئلة مشروعة للمتابع السياسي اين تبخر الحزب الحاكم في مصر بكل قوته وسلطته وعنفوانه منذ بداية الثورة التي كانت في بدايتها تدعو لأبسط القضايا التي تمس العمل الديمقراطي ؟ واين غابت " ملايين " الحزب البشرية والمادية مع عناد الثوار الشباب؟؟ ولماذا استحت  الالة الإعلامية الضخمة عن الدفاع لمنجزات الحكومة طول السنوات وطهارة يدها من الفساد المالي والسياسي ؟؟؟
كل هذه الاسئلة حق مشروع في اخذ العبر و الدروس من الثورة المصرية للانظمة العربية كافة التي تعتمد على السطوة الامنية والاعلامية التي تطبل  للحكومة ... وسرعان لم تكشف امام الطوفان الجماهيري الهادر .
الناظر ايضاً يشاهد ان الشعوب مهما صمتت ونامت نوم اهل الكهف تستيقظ وتنتبه لحقوقها الاساسية في ظل الانسداد السياسي الكامل ومن دروس الثورة المصرية ان الحزب السياسي الذي يترهل مع الزمان ولا يجدد عضويته ويستوعب المتغييرات السياسية والاقتصادية ولا يقوم على قاعدة فكرية وحركية تقودان رؤيته للحكم يسقط ولو بعد حين !!!
دروس عديدة وعميقة يمكن اخذها من الثورة المصرية التي صار شعارها " الشعب يريد اسقاط النظام " انشودة ونغمة لشعوب عديدة من المحيط الى الخليج .
( 2 )
السؤال الذي يتكرر في مجالس عديدة حتى الاسرية منها هل يحدث مثل الذي جرى في مصر في السودان ؟!!!
الاجابة على هذا السؤال يكتنفه الكثير من الغموض برغم ان الحكومة السودانية مطمئنة وفق تصريحات مسؤوليها .... فالحكومة خرجت منذ وقت قليل من امتحان ديمقراطي شابه الكثير من المنغصات بعدم مشاركة المعارضة برغم توفر ضمانات معقولة في تلك الفترة ...  الا ان بعض المراقبين ارجعوا عدم مشاركة المعارضة لمشكلات فنية تحض المعارضة في استعدادها للانتخابات وجمود رؤيتها السياسية وتناقص عضويتها بالتساقط والإهمال برغم ان موعدها كان معلوماً للجميع قبل وقت كاف ... حيث نسبت بعض التقارير الصحفية عدم مشاركة المعارضة في اخر اللحظات لعدم جديتها في خوض عمار السباق الانتخابي خرجت الحكومة منه ممثلة في حزب المؤتمر الوطني بتفويض شعبي كبير طمئن الحكومة على سلامة برامجها وسياساتها وكشف ضاءلة المعارضة السياسية .
هذه الحالة لها ايجابياتها وسلبياتها بالنسبه للحزب الحاكم ... اما سلبيتها من حيث الركون للتفويض الشعبي الكبير حالة غير مطمئنة في ظل يقظة الشعوب العربية التي تنادي بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والمشاركة في السلطة .
ثورة الانقاذ في تطورها السياسي الدستوري انفتحت بشكل كبير بتقاسم السلطة والثروة وفق اتفاقية نيفاشا غير انفاذ النظام الفيدرالي الذي اتاح لابناء الولايات إدارة شؤونهم بشكل غير مسبوق من قبل ... كما نوهت الاتفاقية الى ظلامات تاريخية تعقبتها الإنقاذ منذ بدايتها فحققت قدراً من النجاح الا ان الاتفاقية صوبت النظر أكثر على المناطق الأكثر تهميشاً وعلى إدارة التنوع الثقافي والأنثى الذي تناولته الأطراف المعادية بطريقة مبتذلة .
السؤال الذي يرتبط عضوياً بالسؤال بداية المقال هل يشبه المؤتمر الوطني المصري المؤتمر الوطني في السودان ؟؟ بالطبع لا هنالك فرق حيث المؤتمر الوطني وريث قديم للثورة المصرية عام 1952 والذي حدثت فيه تعديلات وتحولات إستراتيجية تتعلق بدور مصر الإقليمي وعلاقاتها بقضية الحرب والسلام بين العرب وإسرائيل ... والذي انتهى بمصر للخروج المباشر من إدارة الحرب مع إسرائيل الى لاعب أساسي في حفظ توازنات القوى في منطقة بالغة الخطورة والتأثير على المصالح الغربية .
هذا الموقف ادى لتباعد شعبي واسع مع الحكومة الذي حاصرها الانسداد السياسي والفساد الذي خلق طبقة منتفعة من استدامة النظام ... بينما المؤتمر الوطني في السودان وريث شرعي للحركة الإسلامية والذي يتمتع بنهج ورؤية سياسية وكوادر مؤهلة لقيادة الحزب يشكل فيه انتماء وهوية برغم ان المؤتمر الوطني اتسع لدوائر ضمت فئات مجتمعية كثيرة قد تتعرض لذات أفات الأحزاب الكبرى والتي لها علاقة مباشرة بالحكم لمدة طويلة !!!!

( 3 )

السؤال المُلح هل يستوعب المؤتمر الوطني مالآت الأحداث الصاخبة في المنطقة العربية !!!!
الإجابة على هذا السؤال نعم وبدلائل وشواهد عديدة ... خاصة بعد إعلان انفصال الجنوب على وجه التحديد ... و ذلك بدعوة الحزب لإجراء مراجعة دستورية وسياسية شاملة ... وتكوين حكومة ذات قاعدة عريضة رغم إبداء بعض مكونات المعارضة رفض الدعوة ... وتلت ذلك دعوة شباب الحزب الوطني بتجديد الدماء بوجوه شبابية نضرة ...  وأعلن في ذاك الاجتماع ان البشير لن يترشح لدورة أخرى ... وفتح الحوار الوطني من مستشاريه الأمن مع الأحزاب الوطنية كافة بأمر من الرئيس ... وتداولت المدينة والصحافة أحاديث شتى عن علاقة هذا التعاطي مع جهاز امن الدولة في محاولة لإفراغه من كل مضامينه الوطنية و السياسية العميقة !!!!
كل الإصلاح السياسي المفترض ان يحدث في حقبة الجمهورية الثانية يصطدم بتجاهل المعارضة لمقتضيات الأمن القومي السوداني .... وليس امن النظام تحديداً كما تظن المعارضة .
 اعتقد حازماً ان الخيوط المتشابكة بين المعارضة والحكومة يمكن حلها اذا جلس الطرفان ليحددا الخطوط الحمراء التي لا يسمح يتجاوزها في ظل استقطاب حاد واحتقان في الأطراف خاصة دارفور وقنبلة أبيي الموقوتة .  
في تقديري ان الحزب الحاكم له من الكوادر والقدرات والإرث السياسي ما يمكنه من امتلاك المبادرة السياسية مثل ما حدث في القطاع الثقافي الان بقيادة وزارتي الثقافة القومية والولائية لاستيعاب الفعل الثقافي المتنوع .  
الطريق للانفتاح واستيعاب الأخر وقراءة التحولات السياسية بسرعة يستوجب أذهان منفتحة وثقة واسعة بالنفس والإمساك بالفرصة المتاحة ... هذا ما فقده المؤتمر الوطني المصري في لحظات عديدة  وحاسمة ... ولا اعتقد ان الحزب الحاكم في السودان الذي لا يشبه نظيره في مصر لا نهجاً ولا طريقة ولا سلوكاً ما عدا الاسم والفرق واضح بين مخاض ينجب فأراً وأخر ينجب إنساناً سوياً كرمه الله !!!!

islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]