بسم الله الرحمن الرحيم


(1)

يبدو ان " النيل " يورث جينات ثورية تلهب ساكنوه بجرعات اصلية تهفو للحرية والانتفاق ... حيث يمتهنون الزراعة والرعي والحرفتان لهما علاقة عضوية بالطلاقة والانعتاق والجنوح لأفق الحرية الواسع ... هذا الامر يتضخم شمالاً ويضمحل كلما اتجهنا جنوباً .
فالدولة المصرية راسخة قروناً طويلة .... وما حدث في الايام الماضية كان زلزالاً عنيفاً لسنوات طويلة من الصمت وضعت مصر في خانة لا تليق بها كدولة كبرى ومؤثرة على المنطقة العربية والعالم الاسلامي .... هذا الزلزال له تداعيات على كل الاقليم وخاصة الوادي . انا لست معنياً بتقويم الثورة المصرية بقدر ما انا مهموم بالاستفادة من دروسها وعبرها الكبرى .
الواضح ان دور الاحزاب التقليدية ومهما علا شأنها قديماً ومساهمتها الوطنية الباكرة ، الا ان هنالك حزباً عريضاً لا رئيس له ولا أطر تنظيمية له ... سوى فضاء افتراضي يجمعه بالاخرين

في السودان نمتلك جسارة سابقة حيث اندلعت ثورتان سلميتان اطاحت بالديكتورية العسكرية في عامي 1964 و 1985 ولذا يعتبر الشعب السوداني رائداً في هذا المجال .... ولمّا حدثت ثورة الانقاذ في يونيو 1989م ... ارتكزت على هذا الارث الثوري لتحوله الى منشورات دستورية تفكك به قبضتها الشمولية ... فمن برلمان معين ـ  تماماً ـ إلى برلمان مختار     ـ تماما ـ من الشعب برغم التخاريف المتداولة عن تزوير الانتخابات في عام 2010م ... غير ما افرزته اتفاقية السلام الشامل من تقاسم السلطة والثروة على نحو ما ترك مفاهيم كثيرة عن زوال شمولية التفكير ... بالاضافة للتمرين " الساخن " لكل الساحة السياسية .
اذا رجعت قليلاً في تاريخ الحزب الحاكم الذي تناسل أصله من الحركة الاسلامية والتي كانت تولي اهتماماً خاصاً لقطاع الطلاب والشباب ... واللذان كانا يمثلان رأس الرماح في تفاعلها مع الجماهير وانجازها التاريخي عبر سنين الابتلاء الممتدة ... حيث عصم طلاب الحركة الاسلامية في سنين الانقاذ من محاولات الإقصاء و التشتت والتمزق والدوس على الكرامه الوطنية . قد يقول البعض وماذا حدث بعد كل ذلك ؟ فالجنوب قد انفصل مؤخراً ... في اعتقادي لولا وقفة الطلاب والشعب ابان معارك " صيف العبور " وغيرها لم تكن الحركة الشعبية مجبرة على الجلوس والتفاكر لايجاد حلول سلمية لقضية الجنوب  
 ( 2 )
الان وبعد ان استوى عود المؤتمر الوطني في العقد الاخير ... اجتمع حوله قطاعات مختلفة من المجتمع بأهداف عديدها بعضها موضوعي وآخر لهم مأرب أخرى تدافع فيه كل فئة عن حاجاتها الحيوية مثل تجمع هذه الحاجيات تصنع طبقات مستفيدة من الوضع القائم في اعتقادي ان الحزب الوطني صار  حزباً كبيراً يلم اطرافاً متعددة ... يأتي بعضها مؤمناً بفكر الحزب واخرين تجمعهم مصالح متضاربه ... وهذا يلقي علي القائمين بفكر وعافية الحزب بذل جهوداً مضنية في تنزيل الافكار الاساسية لقواعد الحزب المتجددة وتطوير تلك الافكار لتلائم الحياة المتجددة التي تتعامل مع المحيط الاقليمي والعالمي في زمن الثورة التكنولوجية الهائلة في الاتصال .
فالثورة اندلعت ضد قضايا كثيرة منها الطائفية والظلم ورفع حالة المهمشين .... واذا كانت الجمهورية الاولى قد حققت نجاحات بأثمان باهظة مثل السلام الذي افضى لانفصال الجنوب غير ان وجه السودان تغيير ـ تماما ـ بمشاريع تنمويه باهرة ايضاً الجمهورية الاولى لن تستقر في قضايا الحريات فمن منع مطلق ... الي اطلاق مقيد في التظاهرات الى رقابة قبلية للصحف .... ثم تفاعل مسؤول بين الاجهزة الامنية والقيادات الصحفية .
الجمهورية الاولى قد نجحت في اقامة الانتخابات وبرغم ما علق فيها من نواقص الا انها قد حققت ديمقراطية واسعه في الريف والحضر فأختار الناس ولاتهم بشكل مباشر ونوابهم و ممثليهم بطريقة حرة رغم ان المعارضة قد قاطعت الانتخابات لاسباب تتعلق بها فلم تكن جاهزة للسباق الانتخابي الذي طال عهدها به ... حيث جرت مياه كثيرة تحت الجسر وتغيرت ولاءات قديمة كانت معتمة فاضاء التعليم ظلام ابصارها واذا رجعنا البصر كرتين نجد ان الانقاذ قد انبثقت من مياه نقية ... فالاسلاميون يقدمون انفسهم مثالاً في الطهر والعفاف السياسي .... برغم ان " معارضيهم "  ينعتونهم بأنهم تجار دين ... وقبل ان يمنحهم الله السلطة بين ايديهم كانت المعارضة تبذل الجهد كله في اسباغ تلك التهم التي تجد مناخاً مناسباً في ظل السنوات الطويله في الحكم ... أضافه لهجمة وهجمة المعارضة التقليدية المنهكة والجديدة من الحركة الشعبية لتحرير السودان القطاع اليساري خاصة .
اما ولحمة " الانقاذ " الاولي واللاحقة بعيدة من شبهات الفساد فالاحرى تفعيل القوانيين وتجديدها بشكل حازم حتى لا يفلت اي مجرم يتلاعب في المال العام للدولة ... وقد كانت " طرفه " سخيفة أطلقها اوكامبو بأن البشير يمتلك مليارات من الدولارات مخبأة في بنوك بريطانيا .... ونفت الحكومة البريطانية الخبر مباشرة وبشكل قاطع مما اثر كثيراً في مصداقية الرجل الذي يكره السودان وحكامه .
قد تحتاج الجمهورية الثانية لتجديد واثق لشعارات ثورة الانقاذ الاولى ... مع دفع لدماء جديدة للحكم واستيعاب شامل للاخرين فلا عزل لاحد .... حيث الوطن يسع الجميع بأريحية كبيرة .
 
( 3 )
الحركة الاسلامية منذ نشأتها وحتى استلامها السلطة نجحت كثيراً في المناورة ضد مكائد عديدة أمعنت في العداء لها ... ولمّا نهضت ثورة الانقاذ مرت بظروف صعبة الى درجة الهجوم الامريكي بصاروخ كروزر على مصنع لدواء الاطفال ... مرت الانقاذ بابتلاءات كثيرة جزء منها بيدها واخرى بأيادي الاعداء و المرجفون في المدينة ... واستطاعت الانقاذ ان تنجح في افشال مخططات عديدة .. هذا ما يوحي للبعض ان ذلك من تدبيرهم فيعلو علواً كبيراً ... والبعض يذكر قدرة الله ويحاول ان يعالج الاخطاء حتى يستطيع ان يسوس الناس بشكل اكثر مساواة وعدالة .
ومصر التي حدثت فيها ثورة كبرى اجتثت نظاماً عتيداً امتد لسنوات طويلة .... من المؤكد ان تهب رياحها على السودان ليس للتقارب الجغرافي فحسب انما لمجاراة التجربة التقنية و المحاكاه الشعبية وهذا يحتاج لعصف فكري عميق من قادة المؤتمر الوطني .... وخاصة شبابه لمعالجة اوجه عديدة وابتداع وسائل جديدة لجذب قطاعات حيوية مع تقديم نماذج متميزة في العمل العام .
الجمهورية الثانية للانقاذ سانحة طيبة لتجاوز الماضي واستمرار الالتفات الحقيقي لمصالح المواطنين مع استعياب الاخر الثقافي والاجتماعي و السياسي في مدراج التمثيل المختلفة وفي تقديري ما يجري في الساحة الثقافية و الرياضية الآن بقيادة وزيريّهما يمكن ان يكونا عنواناً جديداً لمرحلة تشمل الآخر كيفما اتفق !!!!
islam al sudanee [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]