بسم الله الرحمن الرحيم
اسم العامود: أفق آخر


-1-
" حمام سوسة " مدينة تونسية ساحلية على شواطئ البحر الابيض المتوسط مثلها كالمدن الساحلية ترفل في دلال وجمال وسحر اخاذ بها 14 الف سرير في فنادقها الأنيقة بين الطيور النادرة والمياه الزرقاء الممتدة عبر الافق والوجه الحسن بسماته المختلفة منْ كل انحاء العالم ... في هذه المدينة ولد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي منفتحاً على ثقافة الاخر على نهج ما تورثه المدن الساحلية ... نهض وترعرع ثم شب على قيم ثورة التحرير التونسية التي تشبه الاحلام ولمّا   مؤسسات الحكم طبّعته بفساد طريقتها المثلى مع ترتيبات وطموحات من يرغب الوصول الى قمة السلطة في بلاده .... ولذا حين تولى السلطة 1987م نثر خطاباً نقياً به الكثير من الوعود التي تلامس نبض الجماهير العطشى للكرامة والعدالة الاجتماعية .... وما مر زمن قليل حتى قبض الرئيس زين العابدين بن علي البلاد بيد منْ حديد .... حيث اتفق كل المراقبين على هذه الصفة  ... ولست في مقام منْ يحكم على حكمه ... ولكن احداث الايام السابقة قد اوضحت الكثير من حقائق لبلد مغلق لا يعرف عنه الكثير غير العبارة السحرية " تونس الخضراء " ... ولكن عندما انفجر الشارع التونسي رأي العالم كله معاناة المواطن التونسي واثار القبضة الحديدية على الحرية والعدالة الاجتماعية والنفى القسري وانسداد الافق السياسي المهم ان الشعب التونسي قال كلمته في " ثورة الياسمين " التي امطرت سماؤها بالشهداء لكتابة سطر في سفر التاريخ الحديث لتونس وللمنطقة العربية المجاورة .... وقد صدقت مقولة الشاعر التونسي الفذ ابو القاسم الشابي :-
اذا الشعب اراد يوماً الحياة
                                         فلا بد ان يستجيب القدر
ولا بد لليل ان ينجلي
                                       ولا بد للقيد ان ينكسر
لم تكن ثمة " شعر " فقط إنما إرادة شعبية تونسية عميقة صادقة عزلاء ثم بيضاء لا أكثر ولا اقل!!!

-    2 –
" حوش بانقا " قرية وداعة ترفل في ثياب " الجعليين " الممتلئين بالاصالة والكرامة و الفروسية " الرجاله " ... نهض الفتى عمر البشير يأكل الطعام بكد وعرق ويمشي في الاسواق المحدودة البائسة وقد تركت له الايام اثراً حتى لا ينسى ايام العناء ... حين تولى السلطة تكليفا كما يذكر دائماً ... و تقلبت الانقاذ في الحرب والابتلاء حتى وصلت الى مرفأ السلام بتوقيع اتفاقية نيفاشا 2005م .
ومن تلك الاتفاقية بدت ملامح الدولة السودانية التي تحترم الميثاق والعهد .... وتفتح اشرعة الحكم ومواعينه لتفرز واقعاً جديداً سيأتي يوماً تقول فيه التقارير التي ستوثق الفترة الانتقالية لشريكي الحكم كلمتها و ستكتشف الكثير من الأسرار والحقائق بعيداً عن مهاترات السياسة ومراهقة الصحف الصفراء .
اما الانفتاح السياسي فقد مرت الانقاذ بفترات متفاوته بين العسر واليسر ... ولكن الغالب العام ان تفتح المواعين والشرايين لفتح دماء جديدة وصلت ذروتها باقمة الانتخابات العامة عام 2010م على كل مستويات الحكم ... ويرغم ما تذكره المعارضة منْ اعترضات وشبهات الا ان الواقع يذكر ان المعارضة كانت مرتبكة وغير جاهزة ... بينما حزب الحكومة كان جاداً وجاهزاً ولذا   الانتخابات في الشمال بكفاءة عالية وحقق كثيراً من ْغرض الفدرالية في تقصير الظل الاداري وحكم ابناء المناطق لمناطقهم اما شخص البشير وبرغم سنوات الطويلة التي تورث الجبروت والتكبر والاستعلاء ... لان هناك مؤسسات في الدول لصنع رئيس بهذه وبدا السلطان شعبياً ولذا احبه البسطاء من الشعب السوداني فهو يشبهم ـ تماما ـ ايفكس ذلك على طريقة تعامل الاجهزة الامنية التي تتمتع بوسائل توقفها في مشكلات عديدة لكن تلك الاجهزة وبنقاء السودانيين قد حاصرت تلك الوسائل لتعمل وفق القانون وقيم اهل البلاد لا اقدم شهادة براءة لتلك الاجهزة ولكن كمراقب لمجريات عديدة وفي بلاد مختلفة فتلك المؤسسات السودانية الوطنية استمسكت بقيم الشعب السوداني الاصلية فقد حمّاها من الغلو والشطط .
اكثر ما يشد الشعب للبشير تلك الخصائل التي تقرب ولا تبعد منها التواضع الشجاعة العفوية والصرامة ايضا ... قد يقول البعض ان الدولة  لا تحكم بتلك المعايير ... ولكن الحقيقة ان قائد الشعب كلما اقترب منْ شعبه شبها يعلى منْ شأنه ويغضب القوى الكبرى فالسياسة الوطنية تبعد كثيراً عن المصالح الوطنية وأهمها الشريعة الإسلامية بتنزيلها بأفكار عديدة ولكنها مهمة الى درجة قصوى !!! اعتقد ان " نيفاشا " فيما أفضت إليه بعد الانفصال .... انفتاح كبير لمراجعات سياسية وفكرية واقتصادية كبرى ... والمتوقع بعد تجاوز حالة الاحتقان السياسي معالجة الوضع برؤى تعمق للعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية الواسعة والتخلي من المخاصصات الجهوية التي أضرت كثيراً واجتثاث بؤر الفساد الإداري والاقتصادي بروح الإنقاذ التي تجاوزت عقبات شتى !!!!!
-    3 –
" بور " مدينة استوائية تنفتح عليها السماء بمطر مدرار طوال السنة ... بها ولد الزعيم الجنوبي جون قرنق الذي قاد تمرداً ضد الحكومات الوطنية على مدى عقود ورفع شعارات السودان الجديد إضافة إلى انتماء مشكوك فيه للمهمشين ساعده الغرب كله للتوصل الى اتفاقية سلام مع حكم الانقاذ عالج قضايا جذرية في مشكلة الجنوب وذلك في تقاسم الثروة والسلطة .... حيث حصد الجنوبيون حقوقاً لم ينالوها منذ الاستقلال ... واستقر الوضع العسكري طيلة الفترة الانتقالية .
جون قرنق الذي تقلب بين ايدلوجيات عديدة حتى ارتهن ـ تماما ـ للغرب .... ومثلما ذكرت زوجته " ربيكا " ان جون قرنق كان انفصالياً محضاً ... برغم انه في فترات قد " نكّل " الانفصاليين داخل حركة تحرير السودان الا ان خبيئة كانت عند زوجته والان وبعدما تحقق " السلام " ووصلت قطاره نيفاشا الى محطتها الأخيرة ... انتصر دعاة الانفصال وسيواجه الجنوب مصيره الذي تتحنى له ان يحقق انفتاحاً لا استبدادا تقوده استخبارات الحركة الشعبية وهيمنة عنصرية لقبيلة الدينكا على الوظائف العليا ومن ثم سلاماً راسخاً مع الشمال . بور التي تربى فيها جون قرنق تمرحل فيها من الثورة إلى ديكتاتورية مطلقة الى اتفاقات ثم تحالفات أفضت إلى ما وصل إليه الجنوبيون الآن .  " مدن " هادئة وجميلة وساحرة ... كان لعبق الأمكنة دلالات لشخصيات أثرت على المسرح السياسي الداخلي والإقليمي ... وهناك منْ تنكر لتلك المدن وهناك من خلص .... والعاقبة جلية وواضحة !!!!!    
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.