بسم الله الرحمن الرحيم
أفق أخر


-1-
بطبيعة الحال لم تجد دعوة الرئيس في خطابه يوم الاستقلال صدراً واسعاً او عقلاً مفتوحاً تقبلها من قبل الاحزاب السودانية المعارضة للحكومة ... والدعوة ببسط ابواب الحكومة لتكون ذات قاعدة عريضة بينما الاحزاب تود حكومة قومية والفرق عند اساطين السياسة هي كبير بين الخيارين .
المتأمل لسلوك الحكومة انها قد نالت ثقة عالية في الاختيار بعد انتخابات ابريل 2010 والتي اعطتها احساساً راسخاً بالتمكين بينما كان اداء المعارضة في تلك الانتخابات مخيباً للامال ومخزياً في ان واحد ... حيث انسحبت من العملية الانتخابية في اخر اللحظات ولم يكن استعدادها على قدر الامكان ... ولم تكن جادة على حسب المراقبين !!!
والجدل حول اتاحة الحريات وديكتاتورية حكومة الانقاذ حديث طويل وبه مداخلات عديدة واتهامات ثابتة من قبل المعارضة التي اكسبتها " مناعة " مغلظة حتى لا تقبل بأي عرض حكومي ولو على هامش محدود ولذا تأتي دعوة الرئيس بتكوين حكومة ذات قاعدة عريضة مشكوكاً فيها من البداية ... وهذا الامر لا تستطيع الحكومة معه سبيلاً حيث يوجد جينات المعارضة التي تؤمن بأن تحقق اهدافها كاملة او الطوفان او هكذا ما تحسه من تصريحاتها و بالنسبة لتحقيق مرادها بالمطلق لا يتأتى في المنظور الاتي لانها لا تملك ادوات الفعل السياسي حيث تفتقر المعارضة للتنظيم الجيّد والتأثير الملموس وسط الجماهير فالبعد بين تلك الاحزاب وقواعدها أثر بشكل سالب على فاعلية تلك الاحزاب .... غير الفاقد من تلك الاحزاب بفعل سخط قواعدها او قيادها او بفعل الحزب الحاكم المنافس الذي على استقطاب هؤلاء وادخالهم في دورة العمل السياسي مما يزيد من خنق تلك الاحزاب .
الشد والجذب بين الحكومة والمعارضة شيد حوائط عازلة داخل تلك المنظومة حيث اورثت العداء السافر على الواجهات الاعلامية بينما فتحت نوافذ تدخل هواءاً فاسداً تتنفسه المعارضة بشكل جيّد في الوقت الذي تتلاعب فيه الحكومة بكروت ضاغطة وقت اللزوم والحاجة السياسية !!!   
-    2 –
اعتقد ان للانقاذ رصيداً وافراً من الحنكة السياسة التي تجعلها تتعامل مع ظروف طارئة في الطقس السياسي ... فقد اورثتها اتفاقية السلام الشامل للتعامل مع المتغيرات السياسية واستيعاب الاخر برغم اختلافه وتنوعه .... والان نجد الساحة الثقافية تضج بمحاولات ناجحة احدثت اختراقاً نوعياً في مظاهر الفعل الثقافي والصورة الثابتة المرسومة من سنوات الانقاذ الاولى في تعاملها مع هذا المحرك الضخم بكل مكوناته الشديدة التنوع والاختلاف ... هذا الحراك ما به وزيراً الثقافة الصديقان السمؤال خلف الله ود محمد عوض البارودي اللذان احدثا تغييراً ملموساً عطر اماسي الخرطوم ... هذا الحراك اذ التئم مع خواتيم اتفاقية السلام 2005 التي قدمت تمريناً ساخناً ومبارة كاملة على ختام كأس العالم في اقتسام السلطة والثروة ... وكان الشريك مختلف ـ تماما ـ ويحمل من العداءات والمرارات المتراكم ويحاول ان يكثر من التباعد لكل العناصر المشتركة ... ولكن الاتفاقية نجحت في اخماد الحرب المستقرة طوال سنوات الانتقال وهذا في حد ذاته نصر تاريخي .  

-3-
بعد الفترة الانتقالية في يوليو 2011 ... من المفترض ان تبدأ مرحلة جديدة ... اولى ملامحها ما ذكره البشير في خطاب الاستقلال ... محاولة وضع الدستور دائم في البلاد والذي لا يتأتى الا بتوافق واجماع وطني واسع جداً ولكن لن يكون بالمطلق كما هو طبيعة الحال ... وكما هو معلوم ازمة دارفور ومعالجتها التي قطعت اشواطاً مقدرة وتعرّف المجتمع الدولي على ابعادها جيداً .
وبرغم ما يساور بعض المراقبين من شكوك بأن تنغلق الحكومة على نفسها عكس اقوالها كما تزعم المعارضة الا ان المبادرات وما خلفته اتفاقية السلام من اجواء ورصيد الانقاذ السياسي كراً وفراً وتجاوزات وتحالفات وتخطى ازمات ومأزق وفرّ لها قدراً عالياً من المصداقية و العمل والمناورة ما يجب ان تقوم به الحكومة والمعارضة معاً ان نتوافق على الخطوط الوطنية الحمراء والخضراء ... حتى اذا حدث تدوال سلمي للسلطة لا يحدث اختلال واسع في السياسات الأساسية والاستراتيجيات ... هذه النقطة في غاية الاهمية والحيوية لان دون ذلك تحس بطفولية عالية في العمل السياسي وتهافت محزن يورث مراهقة دائمة ان الاوان لنبذ السلاح ـ تماما ـ لنيل حقوق سياسية متاحة عبر الانتخابات والديمقراطية التي تتحسن يوماً اثر يوم من خلال الاستقرار والتنمية الاقتصادية والسياسية
على كل اللاعبين في الميدان السياسي ان يعملوا على ترقية العمل السياسي بوعي كامل للمرحلة المقبلة التي تستوجب تضافر الجهود ... الإقصاء غير محبذ ... والاستعلاء كذلك ... اما تعامل " العميان " التي تجيدها المعارضة فخطيرة حيث ينقطع الحوار الذي هو أساس تكامل التجربة الديمقراطية .
الحكومة المصدر الرئيس " للتجاوز " حيث تجد عندها كل المعلومات ودواعي السلطان والقوة ولذا فالحكومة هي التي تدعو "  وتتجاو " وتعفو وتسمو عن الصغائر .... وعليه لا تعتد بقوتها وسلطتها ... بل من المهم ان يعلو حلمها لتتواثق مع احزاب اخرى وكيانات ومنظمات بمجتمع مدني تحقق به اكبر قدر من المشاركة والتنوع  !!!!!!  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.