بسم الله الرحمن الرحيم
اسم العامود: أفق آخر


نساء باذخات الحضور  
رشيد السباعي ... نجاة صالح جميلة ايوسن
حكايات وفقد حارق !!!!

-1-
زمن موغل في البراءة والعنفوان والتجرد .... بدايات 1981 السنة الأولى بجامعة القاهرة بالخرطوم ... ورشيدة السباعي نخلة سامقة جاءت من الدويم ... لم أر تلك العفوية التي تحتويها .... بينما كان مكي إسماعيل بلحيته الطويلة .... وشعره الحليق " نمرة واحد "  .... فارع الطول .... شكله يخيف " الجنس الناعم " وقتها .... والكثير من التنظيمات السياسية بالجامعة .... شاءت الأقدار ان يصير " مكى " سكرتيراً عاماً للاتحاد ونائبه " رشيدة " وقد كان في بدايته يستنكر الأمر لا يجلس على الكرسي الذي تجلس عليه وسرعان ما تبدل الحال " 180" وبتفاصيل كثيرة امسك عنها قد يأتي زمانها لأرويها لابنتنا جميعاً " إيمان " التي هي الأحق بمعرفة تاريخ مشرف لأبيها وأمها .... المهم عند نهاية ذاك العام الذي كانت بدايته " صدّ " عنيف إجراءات قصريه من مكي انتهى به إلى إعلان الخطبة والزواج الذي امتد حتى رحلت العزيزة         " رشيدة " عن هذه الفانية وهي تحت رعاية أسرتها الصغيرة المحبة التي شاطرتها كل هزائم المرض الذي تحدت به " رشيدة " و مضت مؤمنة واثقة بأن " مكي " الذي تقدم لها ذات يوم بأمل في الله لأسرة معروفه في الدويم لم يخذلها أبداً وأنجبا بنين وبنت تسمى " إيمان " تتويج هذه العلاقة الرائعة إلى بدأت بدار الاتحاد جامعة القاهرة قرب " أشلاك البوليس " وعلى شارع علي عبد اللطيف وانتهت في مستشفى بقاهرة المعز وسط نضال مرير مع المرض وحب غامر من زوج مجروح في فقد العزيزة .... أما رشيدة السباعي كانت امرأة سويه الوجدان عامرة بالشموخ والأصالة وقد كنت أحبها كثيراً واعلم إنها تبادلني ذات الحب الأخوي الطليق .... اذكر ان أخر مكالمة بيننا كانت في المستشفى بالقاهرة توصيني على التماسك والاهتمام بصحتي وصديقتها زوجتي والأولاد وأخر حديثها مداعبات لا تنتهي بموتها !!!

-    2 –
في بدايات التفتح والزمن الندي ... التقيت بنجاة صالح طالبة " علم اجتماع " النشطة الحيّة الى درجة تثير شهية التنظيمات السياسية بالجامعة لاستيعابها والاستفادة من قدرتها على الحوار و استقطاب الآخرين ... ولمّا كانت " نجاة صالح " تحمل كل مميزات الفتاة الأنيقة الجميلة تهافت عليها اهل اليسار وقد كانت " شعبة علم الاجتماع " مقصداً وقبله لهم ... ولكن " نجاة " بروحها الوثابة الطاهرة استعصت عليهم .. بينما لانت لصوت الاتجاه الإسلامي وقد كنت محظوظا أنني احد الذين " جنّدوا " الأخت نجاة التي حين جاءت على مجتمع الأخوات في ذلك أحدثت الزمان البعيد تغييراً كبيراً ... حيث كانت منفتحة متقدة الذهن على الآخرين من طلبة الجامعة حيّه ذات عطاء غامر ... أصابها في تلك البدايات البعيدة أوائل الثمانينات غيرة حتى من أخوات الجامعة .... وقد كانت لي مواقف كثيرة معهن ... حتى استوت ـ تماما ـ وتقدمت عليهن بحكم قدرتها على الإقناع والحيوية الدافقة والأمل في الغد والحميمة العالية في المشاعر .
تقدم الكثيرون لخطبتها أنا ليس منهم ... فقد كنت أخاً وصديقاً معتزاً بتقدمها في مجال العمل الطوعي الإنساني حتى ظفر بها " أخونا د . مندور المهدي واعتقد جازماً أنها قد أفادته كثيراً في تقدمه التنظيمي والدعوى ناهيك إنها بنت معه أسرة في كامل التماسك حيث قدرة " نجاة " على الاندباج لا تضاهيها قدرة .... فكل الذي حولها يمتص بعض جاذبيتها المميزة ... ناهيك عن د. مندور الشريك الذي أصابه فقدها الموجع بيقين راسخ ... ورغم تطاول السنوات التي لم نتلف فيها إلا أنها حاضرة بإشراقها الأنيق الساطع وأفعالها المجيدة وأبنائها وزوجها الذي أهدته كل عزم وعون وعضد .

-    3 –
لم يكون السفير " محمد محمود ابو سن " محض سفير عملت تحت إمرته أربع سنوات يانعات ولم تكن زوجته " جميله " مجرد زوجة سفير يهابها الدبلوماسيون الجدد في العادة .... فقد كانا " أخوة " لي في غربتي المجيدة مع الاحتفاظ بكل المقامات السامية التي يفرضها البرتكول والعرق .... أما السفير أبو سن شيخ العرب الذي استفد منه كثيراً خاصة في معرفة الناس بالفراسة المتوارثة وأشياء كثيرة ... أما جميلة التي هي ابنة خالته قبل زوجته ... فهي أكثر من ملاذ وغمامه ... وبرغم صغر سنها إلى ان تجربتها عميقة وإنسانيتها طافحة تمس كل من يتصل بها .... أكثرها ما يميزها ان تملأ مقعدها    ـ تماما ـ كزوجة سفير بين زوجات السفراء وبين أفراد الجالية الذين يذكروها في بهاء واضح .... اذكر صورتها الصافية المعتدلة الواثقة التي تضفي علىّ الجميع حنيناً خاصاً احتراما نادراً ... ثم حين يغلبني المرض واستعصى على الجميع ... كانت تحاول معي كثيراً وبصبر جميل .... والاحترام فائق لها أتجرع قليلاً من الدواء او العصير او الطعام .... تآزر بإنسانيتها الرفيقة جسارتي على المرض .... وقد كانت " جميلة " أنيقة المشاعر والدواخل والخيارات ... ولمّا امتلك السودان منزلاً للسفير أسسته على ذوق رفيع ... وحس أنثوي سوداني بديع ... وكثير من المرات تسألني عن رأي وكنت أعلم ان مستشارها الأول السفير ولكنها حالة العطاء الذي يفيض لشخص يتهاوى من ضربات المرض الموجعة .... وعند سفرهما " مودعين  " المحطة ... حاصرتهما دموع " عمال " منزل السفير الا ان الصله لم تنقطع بهم حيث امتد الإخاء عابراً للقارات وسعدت حين رايتها على صحة حارة وأناقة وحيوية غالبة في شاشة النيل الأزرق تعمل بشكل مميز في جمعة نساء الدبلوماسيين ... واتصلت بي لمعرفة رأيي عن أدائها والذي لا يحتاج الى تعليق  .... لأنها كانت مثل ما اعرف صادقة ومباشرة .
اما الذي لا يقدر  ان يوصفه احد ـ تماما ـ تلك العلاقة الدافئة بالحب والامتنان والتقدير والنبل والعطاء والفهم المشترك بينهما " ابو سن  و جميلة " ... والذي  على اثره يقدر المرء كم كان الفقد موجعاً وحارقاً .... اذكر أنني فقدت أشياء كثيرة بغربتي التي استطالت وصار دمعي ضنيناً لكنني حين سمعت برحيلها الدامي فقدت تماسكي     " الهش "   سنيناً وبكيت كما لم ابك من قبل !!!!
ثلاث نساء التقيت بهن في رحلة العمر القصيرة الفانية يجتمعن تحت صفات نادرة في هذا الزمان" الصدق والعفوية والحضور الباذخ  " .... حباهن الله بأزواج خُلص لن ينسوهن طوال هذه الحياة فقد منحن أزواجهن الحياة الرضيّة المطمئنة الساكنة في صخب الحب والحميمة العالية .... رحمهن الله رحمة واسعة وأسكنهن الفردوس الأعلى .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.