-١- 

تتمتع بلاد الله الواسعة بمواسم للشراء، ‏حيث تجري المحلات التجارية الباهرة والمحدودة و الرديئة تخفيضات هائلة تجعل الطبقة الوسطى من طائفة الموظفين والعمال والطلاب و الأسر رقيقة الحال من الشراء لكفاية مؤونتها صيفا و شتاءا ،فالتصفية مرتبطة بالفصول الأربعة في البلاد التي يتباين فيها الطقس.
اهل تلك البلاد لا يشترون الا في زمن التنزيلات التي تتراوح من٦٠٪؜ الى ٩٠٪؜ ، هذه العادة ثابته عند عامة الشعب في تلك البلدان، القليل يشتري خارج موسم التنزيلات.

-٢-
المولات الكبيرة الواسعة اللامعة التي تحتشد بالمحلات الراقية ،التي تبيع اشهر "الماركات" العالمية تفتح المجال ‏واسعا لشراء بعض منها في اوقات التصفية الذي يمتد بين اسبوع إلى شهر، غير أنواع التصفيات كالتصفية الأميركية ‏وأسواق الجُمع التي تبيع ما يأتي من البالات أو الملابس المستعملة.
زمن التصفيات والبيع بالتخفيض‏ في كل عواصم العالم الشهيرة والجميلة والرائعة، زمن للسعادة و اشباع شهوة الشراء لكل طبقات المجتمع ما عدا ثلة من الفقراء.

-٣-
لا أدري لماذا تتجاوزنا هذه الميزة التي تجتاح كل العواصم ما عدا الخرطوم، في تقديري لامتداد الصيفي وعدم وجود مواسم فاصلة اخرى تُتيح الفرصة لتقلبات السوق.
لذا لا نعرف مفردة تصفية في الاسواق بل عرفناها مفردة سياسية ذات دلالة تُورث معاني تقع في حيز التشفي و الغل والكراهية و من ثما نشر حالة من البلبلة وعدم الاستقرار و تركيز الغُبن في البيوت المطمئنة.
‏ مفردة أخرى ولجت أتون المعجم السياسي، مفردة "التمكين" إحدى أخطاء فترة الإنقاذ الكبرى والتي حاولت معالجتها بإرجاع بعض المفصولين في زمانها الممتد، و فتحت نوافذ للمشاركة ‫السياسية عبر سيناريوهات ناجحة و بائسة لم تُغنِ عن السقوط في نهاية المطاف .‬

-٤-
لم تستفد الإنقاذ من تجربة التطهير التي تولى كبرها الحزب الشيوعي أنذاك "في اكتوبر" ‏والتي اذاقت العملية السياسية طعما حامضا مُرا، حيث ركلت بالمئات من الخبرات السودانية التي صرفت عليها الدولة أموالا طائلة.
تكرار الأخطاء التاريخية إثر كل تغيير عبقري يطعن غائرا في صدر الأمة و يفتح جراحا في ضمير الشعب لا يندمل ابدا .
نادت الثورة الأخيرة بوضوح شديد وإلحاح مفرط للحرية والسلام والعدالة وارتفع دون تلك الشعارات شهداء أبرار من كل فئات المجتمع الا ان شعارات الثورة سُرقت و أفرغت من محتواها القيّمي و بُدلت لتتماشى مع أهواء السارقين الجدد . محاولات عنيدة لإستئصال تيار سياسي عريض في المجتمع السوداني يتجاوز حزب المؤتمر الوطني المحلول لجبهات إسلامية واسعة و ضاربة في جذور التربة السودانية.

-٥-
محصلة عام كامل لحكومة الثورة تكرار للاخطاء التاريخية رغم ان الزمان قد تحوّل وصار أكثر تعقيدا وانهارت فيه الدولة القُطرية أو كادت،‏استعّرت فيه حُمى التدخلات الدولية والإقليمية التي تلهث وراء الموارد الشحيحة المحدودة.
في وقت كهذا تجتهد فئة قليلة من مناصري الثورة في تصفية حساباتها مع جهات سياسية لا تستثني حتى الذين شاركوا في الثورة وسقط منهم شهداء كانوا أيقونات رمزية لها.
أما لجنة تفكيك التمكين التي تولت أمر تصفية حكم الإنقاذ بإقامة مهرجان أسبوعي "فضائحي" تفصل فيه ما تشاء و تلقي المئات من الخبرات السودانية على قارعة الطريق و تنزع مئات الاراضي المملوكة للافراد من غير حكم قضائي.
أفلام ماسخة تعيد إنتاج ذات الاخطاء القديمة بتعمد نازف يرهق كاهل الوطن كله و يعيده للدوائر الخبيثة المستهلكة، كل هذا يحدث إنتقام لفئة سياسية لصالح اخرى تسيدت المشهد السياسي الان متناسين شعارات الثورة في انفاذ العدالة و إن الايام دول.
كان من المفترض في الفترة الانتقالية وضع حجر الاساس لحياة ديمقراطية مستدامة بتنفيذ التصورات الرشيدة لبناء منظومة الحكم مستفيدة من الأرث السياسي العريض خاصة مخرجات الحوار الوطني الذي بُذل فيه مجهود وطنيا خرافيا عابه فقدان الارادة السياسية عن انجازه الذي وفرها الزخم الثوري الان.

-٦-
لا أحد يدعو لإغلاق ملفات الفساد، ولا للهروب من العقوبة، لكن الذي تفعله بعض الاحزاب في الحاضنة السياسية للحكومة من هرولة لإبتغاء الفتنة في المجتمع تتبدى مظاهرها في العنف اللفظي و المادي و إقتحام البيوت و إستهداف طائفة من المواطنين، كل هذا في ظل عداء سافر مستتر و ظاهر للمنظومة الامنية إضافة ‏عدم وجود أي مشروع سياسي وفاقي ينهض بالمرحلة الانتقالية ليصلها الى بر الأمان.
من المؤكد أن تلك الجهات ‏ستعتصم على نفسها للدفاع بشراسة عن وجودها الحيوي.
هذه المرحلة يمكن ان يطلق عليها "تكسير العظم" والبلاد لا تتحمل ذلك مطلقا في ظل الاوضاع الاقتصادية المتردية للغاية.
-٧-
الوضع الدولي و الإقليمي و الداخلي مخيف جدا، و يحتاج إلى التعاضدد و بعث الحميّة الوطنية و نبذ كل ما يُفرق.... أرجو أن لا تكون أماني ساذجة.
فالبلد كلها على حافة الهاوية و المنظومة الأمنية العاصم الأوحد من الإنزلاق نحو المجهول لطبيعتها القومية و حالة الإنضباط و التراتبية الصارمة المنظمة لتشكيلاتها المختلفة.
أما القطاع المدني السياسي يحتاج لحكمة عالية، ونفوس كبيرة تتسامى فوق الصغائر و المطامع الزائلة، و إلا الطوفان !! .
إذا لم تنزع الجنسية السودانية من بعض المواطنين مازال الأمل معقودا على إقامة "أوكازيون" جديد يشتري منه الجميع كل حسب سعته، رغم ما يُراد من التصفية من إغتيال شخصي ووآد للعدالة وإغلاق لحسابات قديمة جدا.
////////////////