(1)

كنا في زمن الصبا الاول ، و بدون استئذان من الاهل نهرب للسينما (امدرمان او الوطنية امدرمان) نغسل ارجلنا سراعا في مسجد الامين عبد الرحمن و نخرج من البوابة الثانية التي تفتح على ازقة حي الركابية العتيق ، لنبدا في السباق هرولة حتى ابواب السينما و ما يساعدنا على زيادة السرعة اننا نقذف ابواب (الاقباط) الذين يساكنوننا في الحي وهم اقرب لنا سماحة و جيرة حميمة ، حيث يعملون في صناعة النسيج الرائجة في سبعينيات القرن الماضي.
دقائق معدودة و نكون قد نهبنا الازقة الضيقة نهبا و فجاءة وجدنا انفسنا في المحطة الوسطى امدرمان نتجاوزها عبر ازقة اخرى تُفضي الى السينما ، ثمة ملاحظة تدهشنا في الشارع الضيق خلف السينما مباشرة به اصطفاف طويل لرجال يقفون صفوفا امام بيوت بائسة لها رائحة نفاذة ، هذه الرائحة لم تغادر ذاكرتنا الجمعية و لم ندركها الا في وقت متاخر انها (رائحة النجاسة) و الغريبة ان الرجال المصطفين يزجروننا بغلظة و لا نفهم ما السبب.
المهم نحاول ان ندخل للسينما مجانا يساعدنا الازدحام الشديد و النحول الشديد و الإقدام الطفولي ، كل هذا يدفعنا لنجد انفسنا داخل السينما في المصاطب الشعبية أو الدرجة الثالثة حتى مصاريف لشراء التسالي و بعض الماء لا نجده يكفينا ان نستمتع بلقطات الافلام القادمة.
اليوم فيلم ل(ديجانقو) ذلك الكاوبوي البطل الذي يقف مع المستضعفين و المظلومين و يقتل بلا رحمة المستبدين و الظالمين تُعينه على ذلك شجاعة نادرة و بسالة و جسارة خارقة ، هذا البطل يُجيد استخدام السلاح بشكل رائع و بديع و يبرع في ركوب الخيل و اشياء اخرى و عند بابه لا يُظلم احد مطلقا ، ولذلك كنا نتعلق بدهشة كبيرة بهذا البطل الاسطوري الذي لا يُغلب ابدا فدائما النصر حليفه
قبل وقت ليس بالطويل ، لم يكن "حميدتي"شيئا مذكورا، لكن من المؤكد أنه قِدم من أطراف الهامش، لا يُزايد عليه أحدا، أنه ليس من طبقه مخملية، أو من أولاد أمدرمان، أو الخرطوم نمرة (٢)، أو من البرجوازية، أو من دُفع متقدمة أو متأخرة في الجيش ولا من طلاب (حنتوب أو خور طقت أو وادي سيدنا)، أو من جيل حديث بعض الشيء في خور عمر أو الخرطوم القديمة أو الاهلية ام درمان الثانوية، ببساطة "حميدتي" لا دُفعه له.

كل الايقونات التاريخية: لا جامعة الخرطوم، لا الفرع، ولا الاسلامية ، حميدتي نسيج وحده، ربما رجل ذو حظ عظيم، لكن بما لا يّدع مجالا للشك أنه شجاع، يتمتع بذكاء فطري فريد، و حساسية عالية لإقتناص الفرصة الذهبية.
هو إبن بيئته المليئة بلإقدام و الفروسية و البطولة، هذه البيئة الشديدة الحساسية لكريم الصفات من إغاثة الملهوف و إستعداد دائم لمواجهة المخاطر .
جاء حميدتي، و من ثم القصة معروفة علاقته بلإسلاميين التي تطورت حتى صار قوة لا يستهان بها، هزمت المتمردين على الدولة في إطار شراكة الدم مع المنظومة الأمنية في البلاد آنذاك.

نال في هذا السياق أكبر حملة إعلامية عالمية شرسة إنتاشته و لقبته بقائد الجنجويد، لكن الرجل خرج من كل المطبات الهوائية بشكل بارع، ليتخذ قرارات ربما ترتبط بحظوظة الكبرى.
إنحاز لثورة ديسمبر ٢٠١٩، بالرغم أن قواته قِدمت للخرطوم لنجدة البشير ( الرئيس السابق) الذي أخرجه من الهامش، إثر إنتصارات داوية جعلته مقربا من الرئيس، و ربما محسودا من بعض المؤسسات الرسمية، و السؤال الذي يتناقض تاره مع طبعه البدوي في حفظ الوداد و تارة اخرى يلائم موهبة فذة في إقتناص اللحظة الثورية المهمة.
قصص متواترة في اللجنة الامنية لحميدتي حسمت الامر لصالح الثوار و الثورة الجديدة، حيث كان داعما رئيسا لهذا التوجه مما رجح الكفة و حقن الدماء.
اللجنة الأمنية بداخلها إمتدادات لتلك الأيقونات التاريخية سواء الكلية الحربية ( الجانب العسكري) و جامعة الخرطوم ( الجانب الأمني) ، وحده حميدتي نسيج وحده أيضا.
بعد الثورة و كما هو معلوم صار الرجل الثاني في الدولة السودانية من خارج كل الإيقونات التاريخية.
صوّب اليسار السوداني بطوائفه المتعددة نيران كثيفة عليه و حاول بكل آلياته الاعلامية أن ينكره و يدمغه بالإتهامات الجارحة و يبعده عن كل دائرة الفعل السياسي و الاجتماعي برغم حاجة الثورة اليه و قدرته المادية المعلومة من عوائد مشاركة قواته في التحالف الذي أدخله اللعُبة الإقلمية و الدولية من أوسع أبوابها.
كل محاولات اليسار ارتدت عليهم رغم إنكماش حميدتي من الملعب السياسي قليلا و ترك القوى اليسارية تتخبط في إدارة الإقتصاد المتعثر حتى بلغ الدولار أرقاما قياسية .
من جهة اخرى أعتقد أن حميدتي يُثمن عاليا المنح السياسية و العسكرية و الإقتصادية التي منحتها له الإنقاذ ، حيث كان شريكا رائعا في كسر التمرد آنذاك او مجموعات الكفاح المسلح حاليا.

المثير للجدل أن حميدتي أسس تحالفه مع قوى إقليمية و دولية مناهضة بشراسة للإسلام السياسي ، بينما أن حميدتي خرج من مدرسة دينية تقليدية، يشكل التدين فيها ظاهر الحياة الإجتماعية و الثقافية.
هذا التحالف المقصود أو غير المقصود جعل من حميدتي رقما صعبا في معادلة الحكم في البلاد.
لهذا صار حميدتي عصّيا على مؤامرات اليسار و باتت أسهمه صاعدة و رائجة في سوق البورصة السياسية.
"ديجانقو" الكاوبوي بطل مراهقتنا "المسروقة"، بطل خرافي في مخيلتنا يمزق الأعداء تمزيقا، ولا يُهزم أبدا، أما حميدتي الذي نهض و صعّد بدوافع شتى و في أزمان إستثنائية من غير الأيقونات و الروافع المعلومة قصة اخرى مثيرة لشهية الباحثين.
هذه إضاءة سريعة و مبسطة للغاية للتناول الصحفي الخاطف، و الباب مفتوح و واسع لإعمال الدراسة في علم الإجتماع السياسي لهذا الصعود المدهش.

"ديجانقو" الكاوبوي بطل إعتمد على مهاراته الخاصة جدا ، أما الفريق أول "حميدتي" فهو من المؤكد أن حظه في هذا الدنيا عظيم و بالتالي أقداره و إبتلاءاته كبيرة و صعبة و معقدة،.هذا ما ستكشفه الايام القادمة في ظل وضع سياسي مأزوم و متأرجح للغاية