بسم الله الرحمن الرحيم

 

 -1-

(بعيدا عن السياسة وتعقيداتها المتصاعدة كان شتاء 1992م مليئا يانعا حيث  كنت مكدسا حتى النخاع بالعمل الصحفي في جريدة السودان الحديث حيث أعكف على منتوجاتي الصحفية من الصباح الى مساء متأخر جدا ... لا نهتم أنا ورفيقي ـ تماما ـ عثمان نمر  بالزمن الذي نستغرقه بالصحيفة التي صارت ملاذنا بيتنا الأخير ....  والدي لا يعرف عثمان يظنه سخيفا الى درجة لا تطاق ... فهو عابس الوجه لا تغادر فمه سيجارة رخيصة الثمن ... فاتن الصمت عزيز القراءة متمكن ومتعدد القدرات ملك المطبخ الصحفي ... والذي يعرفه يدرك مدى صعوبة القرب منه فما بالك صداقته .... ولكنه حين يصادق لن تجد اخلص منه ولا انبل انتماءا رغم وعورة خلقه ... الذي يتميز بمزاجية عالية لكنني كنت قريبا منه واستفدت كثيرا من تجربته الصحفية وطرائقه الغربية الجميلة !!!!

ونحن على عتبات الزمان الندى ... حيث ملكنا الدنيا نعتز بمشروعنا الحضاري ... وكنت حفيا بالتعبير كيفما اتفق اختارت نفسي صديقا لايملك من الدنيا سوى صدقا غليظا وتصالحا عامرا مع ذاته ... الفنان " بكري خضر " تجده يرسم دائما ... ويفتش عن الجمال في صمت ... ويذكر انه لا يدخل مكاتب الكبار الا حين يأتيني زائرا ... ولكنه كان دوما يمثل لي حالة طقس الحياة .

-           2 –

في ذلك الشتاء العاصف وفق مقتضى الاحوال الجوية السودانية حيث لم نعرف غيره في ذاك الزمان والمسام تشقق من شدة البرد .... ولا استفحال مرهق " للكريمات " لانه في العرف الرجولي السوداني ليس محبذا ... كان يتوغل بكل ما يملك من شفافية وحس وفن ليتخللها من اقصاها الى اقصاها ... لتمضي معه رويدا رويدا ... وبكري يزداد ابداعا وتألقا ... بينما تبدو انيقة ومحترمة وجاذبة اكثر مما يجب وبرغم عملي الشاق واهتماماتي العديدة الا انني كنت اتابع العلاقة بينهما عن كثب ... واقدم كل ما املك من مساعدة على قلتها ولكن دفعها الجميل يحقق قدرا من الحيوية الفاعلة تغنيهم عن العالم .

وحين توسط الشتاء اذكر ان الزميلة الانيقة الباذجة في التهذيب كان عيد ميلادها ذات يوم شتوي فأقترح    " بكري " على عجالة ان نقيم لها عيد ميلاد صغير يتناسب والحالة الرثة التي تحيطنا .... والذي يذكر مباني جريدة الصحافة القديمة يدرك مدى الاهتراء وقد كانت السودان الحديث تقيم فيها من غير إصلاحات الا ان إحساسا اخر يدب فيها فتبدو نضرة او هكذا نرى .

-           3 –

كانت الانقاذ في عنفوانها الأول واهل الصفوة السابقين مشغولون كل في مكان عمله يحتهد فيه بقدر كبير وفق تربيته وثقافته الاولى في الحركة الإسلامية وكنت أحاول ان الملم اهل الثقافة ليعبروا ويكتبوا فالسودان ليس ملك احد ... وهذه قناعه اولية .... وحيث دعوت الأستاذ يحيى فضل الله للكاتبة باكرا في زمن الثورى الجديد ... وعبر عن انفعالاته كيفما اتفق بدون حجر او حذف او احساس بغيض لا يغري كاتب في قامته ان يواصل .

بدأ كتابة " تداعيات " بالملف الثقافي التي كانت تضم كوكبة من المثقفين ... في وقتها كنت لا ادري    تماما كل المقاصد السياسية ولكنني كنت مؤمنا ان التعبير حق مشاع للجميع ... وظهر على اثر ذلك ان بعض الأسماء كانت مستقلة ولا علاقة لها بتنظيمات شاع بين الناس انتماؤهم لها ... وواصلت في بحثي عن المبدعين ليكتبوا ما شاءوا ولم يسألني احد من المسؤولين ... بل ذات مره عبّر شيخ " علي " بطريقته الخجلة عن رضاه من كتاباتي وطريقتي وبهذا لزمنا ثغرتنا تماما.

وفي سياق اخر ...وحين كان الزمان " لايام عمان المسرحية " تسامرنا أنا والأستاذ يحيى فضل الله طيلة فترته بعمان حيث سخط بطريقته المسرحية على الشيوعيين الذين أقاموا بالقاهرة وعملوا بالصحافة ... وقارن بين رقابتهم على المواد الصحفية ورقابتنا برغم ان سلطانهم السياسي والفكري انحسر كثيرا عن العالم .

 وفي بهاء الانفتاح كنت قد اتصلت بالصادق الرضي وعاطف خيري لنشر شعرهما في الصحيفة التي تنتمي للتغير الجديد الذي لا يكن له الشاعران ودا على طريقة التقسيم العشوائية لدى عامة الناس    وقتها كان " بكري " يحضر بهمة عالية لحفل الميلاد المتواضع برسم لوحات جميلة مفعمة بالألوان الحية ... وبعد صلاة المغرب وعلى أواني بائسة كنا ثلاثتنا نحتسي الشاي ونقرأ بعض الشعر فدخل علينا عاطف خيري والصادق الرضي ليشاركا " بكري " فرحته ويقراءا ما  تيسر من ابداعتهما ومن حيث لا يدري صديقي كان احتفاءه بميلاد " الحبيبة  " بأميز الشباب الشعراء فاكتسبت المحتفل بها نضرة وفرحا وبهاءا وإشراقا وجاء الميلاد ناصعا كطوية  " بكري " المرهفة !!!! 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.