لم يفلح السباق الدبلوماسي بين اطراف التفاوض في اديس ابابا (وفد الحكومة السودانية وقطاع الشمال لم يفلح في التوصل لتقارب في وجهات النظر تدفع بخطوة واحدة الى الامام ، بغية إيقاف التفلتات الامنية التي ينفذها جيش قطاع الشمال في ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان ، كأستراتيجية تكتيكية للضغط على وفد الخرطوم لتقديم تنازلات ومكاسب سياسية لمصلحة القطاع !
والخرطوم ايضاً لاتقف مكتوفة الايدي ، بل تفاوض في اتجاه ويضرب جيشها بيد من حديد على كل من يهدد امن المواطنين واستقرارهم بالمنطقتين ، وتتحرك ما يسمى بـ" قوات التدخل السريع " بقيادة اللواء عباس عبد العزيز لتطهير المنطقة بأكملها مع نهاية صيف هذا العام – بحسب تصريحاته – التي يكفل له موقعه كقائد عسكري في الدفاع عن مهددات وطنه وامن مواطنيه ، والان تتواجد قواته بولاية جنوب دارفور لحسم المتفلتين وعصابات النهب ، وتأمين الطرق الرابطة لولايات دارفور  !
و"ثابو أمبيكي" نراه قد نفض يده عن المفاوضات الماراثونية الجارية حينما قال بلهجة حزينة وواضحة: (لقد أهدرنا وقتاً منذ 2011م وحتى اليوم ولم نصل لأي تقدم في كافة المسارات. وعدنا لنقطة الصفر وأصبحنا أمام خيار وحيد هو العودة إلى مجلس الأمن والسلم الأفريقي ليقرر بشأن مفاوضات السلام، بعد أن سدت في طريقنا كل مسارب الحل).
اعتقد ان على الخرطوم ان تسارع في توحيد صفوفها السياسية وفق المبادرة التي اطلقها الرئيس البشير ، ونرى ان ثمارها قد اينعت الان ، فهناك إرهاصات عن مباحثات جادة بين الوطني والشعبي من جانب ، والاول وحزب الامة من جانب آخر ، فيما لم يكن هناك تباعد بين الوطني وحزب الميرغني ، فاذا نجحت الخرطوم في توحيد الرؤى الوطنية ، سيكون ذلك مكسبا كبيرا لوضوع اجندة – وطنية – للدخول للمفاوضات القادمة .
استبدال غندور ..
اجمع مراقبون على ضرورة استبدال رئيس الوفد الحكومي بروفيسور غندور بشخصية اخرى اكثر حنكة ومراوغة و " دهاء " فهذا التفويض يتطلب خبرة بفنون التفاوض ، وهذه لا تتوفر لدى غندور ، لذا يكون استبداله في مقدمة الضروريات للدخول في جولة جديدة لتكون الاخيرة ، قبل ان ينفرط زمام الامور ويتدخل مجلس الامن ليصدر قراراً يدخل البلاد في حسابات اخرى لا نريدها جميعا .

ولا نريد خيار أن تحارب الدولة بكل إمكانياتها و مكوناتها وكل فصائلها العسكرية والمدنية، وأن تعيد تحشيد قوات الدفاع الشعبي من كل ولايات السودان لتقاتل إلى حين استتباب الأمن في مسرح العمليات ، فحينما تعلو أصوات البنادق يتراجع المنطق والحوار .
لقد تمدد الأسى والحسرة لفشل جولة المفاوضات وساد الإحباط كل الوطنيين من افراد الشعب السوداني ، فحقيقة المقدمات كانت تنبئ بأن النهايات لن تكون سعيدة، فسرعان ما انهارت الجولة الثانية من المفاوضات ، حيث لم تستطع الجهود التي بذلت من قبل الوساطة وحتى الضغوط الدولية أن تجبر الطرفيْن للتوصل لاتفاق لإيقاف إطلاق النار أو إيقاف العدائيات، وظلت المواقف متباعدة !
ان هناك شئ ما يحاك في الظلام ، تجهله الخرطوم ويعلمه قطاع الشمال ، هذا الشئ يعبر ان استراتيجية دولية كبرى ، ومصالح خلف البحر والمحيط ، يجب ان تنتبه الخرطوم ، ولا تضع الحافر فوق الحافر دون التأكد من وقع الحافر جيدا ، فكل الاحتمالات واردة ، ربما الغام ومتفجرات في الطريق ، كما حدث في نيفاشا التي يدفع  السودان الان ثمنها غالياً .
ابناء المنطقتين ..
يجب على العقلاء من ابناء المنطقتين الدفع بمقترحات جادة بمطالبهم لمجلس السلم الافريقي قبل بدء الجولة القادمة أو اجتماع المجلس ، لتناقش هذا المطالب لتكون اجندة رئيسة اذا تم الرجوع لمربع التفاوض !
نعم ..
ابناء النوبة على وجه الخصوص هم ادرى ببواطن الامور ومصلحتهم من غيرهم ، لذا تقدم كثيرون منهم بابعاد ياسر عرمان عن منصة التفاوض ، وهذا حديث جيد بان يكون من يمثلهم – اكتوى – بنار الحرب والدمار والتشرد ، يصحى على آنين الرصاص ويمسى على زمجرة المدافع ، لايقبلون بمن ينام في نعيم فنادق " الخمس نجوم " يصبح على شقشقات عصافير سكرى بماء العنب المخلوط بالكحول ، ويمسى على حفيف اوراق الدولار ليشيّد بها الفلل والقصور في يوغندا واطراف فرجينيا .
ان " دفن الليل اب كراعا برّة سيطيح بالسودان اذا حدثت الغفلة ، فهذه فرصة اخيرة لتلافي استراتيجية تقسيم السودان بعد ان فشل – المستعمرون – في فصل دارفور بعد تدويل قضيتها منذ العام 2003 ، فأصبح العالم يعرف السودان بسبب دارفور وما زيّنه الاعلام المصنوع والفضائيات المأجورة في حق هذا الاقليم الآمن بأهله وأصالتهم المتجزّرة كابرا عن كابر !
ان السودان هو ممثلا للقارة الافريقية بأكملها ، من حيث الضخامة الجغرافية التي اتاحت امتلاك الموارد والثروات ، ومن حيث التنوع المنتج للتعدد على اسس عرقية وثقافية ودينية ، وبالتوازي مع هذا التعدد  الذي انتج بعضاً من السياسات الاستعمارية ، فأن نخٌب دولة الاستقلال السودانية فشلت على نحو واضح في إيجاد مخرج وطني جامع يوظّف التنوع بإعتباره مصدر ثراء بدلاً من تكريس الانقسامات المنتجة للصراعات المسلحة التي امتدت عبر عمر دولة الاستقلال منذ عام 1956 .




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.