اعتبر المؤرخون ان عام 1821 عاما لكتابة تاريخ السودان الحديث ، وذلك عندما غزا محمد على باشا السودان بحثا عن الذهب والرجال !
لكنه لم يكن يدري انه ينقل جرثومة التدخل الاجنبي ، وهو يفتح الاراضي السودانية للأجانب والمغامرين من اصقاع العالم – وجلهم من الاوربيون – الذين صنعوا مشكلة جنوب السودان لاحقا بقانون المناطق المقفولة وغيرها من السياسيات الاستعمارية الانجليزية ، ولكن اهل السودان لم يستكينوا لمحاولات التدخل الاجنبي !
وبعد طول مقاومة اتت الثورة المهدية كأول حركة وطنية ضد المستعمر ، وبرغم كثرة الضغوط الاستعمارية عليها الا انها رفضت في عزة وكبرياء التعامل مع الدول الاجنبية مهما كان الثمن ، واختارت الجهاد والشهادة ثمناً لعزة الوطن ، وهكذا عرف العالم الثورة المهدية حينما فضّل الخليفة عبد الله التعايشي – ان يفرش فروته ويستشهد بطلا للتاريخ – وظلت حركة التاريخ في السودان تحافظ على وطنيتها وترفض التدخل الاجنبي والخضوع له ، فجسد ذلك الزعيم الازهري ومحمد احمد المحجوب قولا وفعلا .
الا ان بعضا من ساسة العصر الحديث وممن يدعوا انهم يقرعون طبول الديمقراطية مثل قادة قطاع الشمال بالحركة الشعبية فضلوا الذوبان والاستمرار في فلك دولة الجنوب التي صارت دولة اجنبية على الملأ بعد ان نالت حق تقرير مصيرها .
ولكن ..
حتى الان ما زالت تواصل الاساءة والتربص والغدر للأيدي النظيفة التي منحتها حق تقرير المصير طواعية في سابقة تاريخية اذهلت العالم يوم ان نال المواطن الجنوبي تقرير مصيره عبر صناديق الاستفتاء وليس عبر البندقية التي فشلت الحركة الشعبية وهى تمسك بها لما يزيد عن ثلاثة عقود في ان تحقق بها الاستقلال كما تزعم ، بل وحتى فشلت في ان تحتل مدنا مهمة في الجنوب مثل ( جوبا – ملكال – واو )
ويقول حسين كرشوم " قيادي بجبال النوبة " ان دمج قوات النوبة مع الحركة الشعبية تم لأربعة اسباب ، اولها كسب التدريب والمهارات القتالية اللازمة والاستفادة من الامكانيات التي كانت تتلقاها الحركة الشعبية في الجنوب .
اما الدافع الثاني فهو الغطاء الاعلامي الذي تحظى به الحركة الشعبية كأول حركة ترفع الشعار السياسي في وجه الحكومات المركزية بمختلف ايدلوجياتها ، والدافع الثالث هو الفضاء الدبلوماسي لتسويق القضية لذلك ظلت قضية الجنوب مطروحة جنبا الى جنب مع قضية المناطق الاخرى ، ولكن الحركة الشعبية – طمستها – عندما اطلقت مصطلح " المناطق المهمشة " باعتبار ان ليس لها قضية بعينها ولكنها مناطق مهمشة في اطار الصراع بين المركز والهامش ، اما الدافع الرابع والاخير فهو دافع سياسي .
ونجد ان الانفصال السياسي تبعه انفصال الحركة الشعبية عن الجيش الشعبي ظاهريا فيما يعرف بقطاع الشمال  ، وكان المكون الشمالي في الجيش الشعبي يعرف بالفرقتين التاسعة والعاشرة ، وهذا ما قامت عليه مواقف حكومة الجنوب باعتبار انها ليست مسئولة عن قطاع الشمال وعن الفرقتين اللتين كونتا قطاع الشمال .
الا أن  رد الجميل كان سريعا عندما قابلت حكومة الحركة الشعبية – غصن الزيتون الاخضر – الذي قدمه السودان امام الملأ والحضور العالمي ، فكان الخطاب العاطفي لولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان " بأننا لن ننساكم " في وقاحة سياسية تنم عن نوايا واضحة الغدر احرجت الضيوف الاجانب
اما الان فان الجميع فهم الرسالة الواضحة بان دولة الجنوب – حديثة الولادة – لن ترفع بدها عن قطاع الشمال ، ولن تفك ارتباطها السياسي والعسكري معه !
ومن هنا بدأ مسلسل الغدر والخيانة ، فأستقلت حكومة الجنوب خواء وضعف فكر قادة قطاع الشمال وتجردهم من الحس الوطني ، فعمدت الى تحريض عبد العزيز ادم الحلو قائد قطاع الشمال في ولاية جنوب كردفان ، وذلك عندما خسر انتخابات منصب الوالي بشهادة المراقبين ، فأعدت له سيناريو " عودة الحرب " فلجأ الحلو الذي كان يمثل نائب الوالي والمسئول الاول عن الشراكة الذكية للحركة الشعبية مع المؤتمر الوطني الغدر بأحمد هارون في( مسرحية سيئة الاخراج ) ليقدم بذلك فصولا مرعبة ومروعة لأهل جبال النوبة في القتل والتخريب وخيانة المواثيق والعهود .
اتضح جليا ان حكومة دولة جنوب السودان تستثمر قطاع الشمال وتوظفه في المفاوضات للخروج بمعادلة لصالحها ، بينما يريد هو توظيف القضايا العالقة والمفاوضات التي تدور بين الجنوب والشمال لكي يحظى بموقع مميز في الشمال !
قال الخبير الامني اللواء " م " حسب الله عمر " ان الخطأ الاستراتيجي ان قطاع الشمال كان متاحا له ان يعرض نفسه كفصيل سياسي في الشمال بعد ان يتجرد من قوته العسكرية .. لكنه فضّل ان يراهن على القوة العسكرية والارتباط بدولة الجنوب اكثر من رهانه على كسب الدعم الشعبي  والتأييد والقبول في الشمال ، ولو أنه اختار الخيار الآخر لكان هو الرهان الافضل !
الان قطاع الشمال ليس مؤهل لكي يعامل كفصيل سياسي في الشمال ، لكنه بكل المقاييس مؤهل لان يعامل كتمرد في الشمال ، والحركة الشعبية استخدمت القطاع – كحصان طروادة – للتدخل في شئون حكومة السودان بل محاولات الاطاحة بها .
وقال القيادي بالحزب الشيوعي صديق يوسف ، انه بالرغم من عدم اعتراف الحركة الان انها تدعم قطاع الشمال في التجاوزات المسلحة بجنوب كردفان ، لكن اذا توقفت الحرب ستبقى المصالح المشتركة بين الدولتين .
والان نرى أن دولة الجنوب تكشف الغطاء عن رأسها وهى تقدم الدعم والتمويل والسلاح لقطاع الشمال والعالم كله يشاهد ويشهد ، وكان الاجدر كما قال اللواء حسب الله ) ان يؤهل القطاع نفسه كحزب ويسجل بعد – تغيير اسمه – وبعد ذلك يترك الحكم عليه للشارع السياسي ، انشاء عاقبه على تاريخه السياسي أو جرّمه وعفاء عنه وكافأه ، خاص وأننا في السودان لم نتخذ قانونا للعزل السياسي لنحاسب الناس على تاريخهم السياسي   ) .
والان مطلوب من قطاع الشمال كما قال البروفيسور الطيب زين العابدين ( ان يقطع علاقته العسكرية بحكومة دولة الجنوب لان جيشه هو مليشيا عسكرية كانت لفترة طويلة جزء من الجيش الشعبي في جنوب كردفان والنيل الازرق ( الفرقة التاسعة والعاشرة ) قبل اتفاقية السلام الشامل ، ومفروض كان ان يحدث انسحاب لهذه المليشيات بعد الاتفاقية ، لكن ذلك لم يحدث ، بل كانت الحركة تسيطر على بعض مناطق النيل الازرق كأنها حكومة المنطقة !
الكرمك كانت كانت منطقة – مقفولة – حتى لحكومة النيل الازرق في الفترة الانتقالية ، ومثلها " كاودا " التي كانت تمثل رئاسة لمليشيا الحركة في جنوب كردفان الى ان جاء احمد هارون حتى تحسنت العلاقة نوعا ما حتى استطاعوا ان يدخلوا مناطق الحركة )
ودولة الجنوب الان تحاول في كل جولة تفاوض لها مع دولة السودان – تتحزم وتتلزم – لكي تظهر في موقف القوة لكي تغط حكومة الخرطوم لكسب مزيد من التنازلات رغم انها في الحقيقة اضعف مما تتصور الخرطوم ، ولكنها تتبع التخطيط والتكنيك الاجنبي في كل جولاتها وكانت جولات اديس خير مثال عندما ارهقت وفد الخرطوم المفاوض بالـ" الساساق " بين الخرطوم واديس .
وقطاع الشمال أن لم تنسفه الخرطوم بتمسكها بفك ارتباطه بدولة الجنوب سيطيح بها لا محالة وهو الهدف الرئيس له من هذه الزوبعة ويستعمل في سبيل الوصول الى ذلك كل شئ .. الحرب والدمار وحتى ... الاغتيال .



Ali Car [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////