آدم جمال أحمد– سدنى 

 

      تناولت العديد من الصحف والفضائيات والمحطات الإذاعية ما شهده الشارع السودانى من تطورات سريعة ومتلاحقة عرفت بأحداث الأثنين ، ولكن فى هذه المساحة سوف أتناول بالنقد والتحليل كل تداعيات أزمة الصراع ونقاط الخلاف والمواقف غير المعلنة من الأطراف وخاصة تراجع موقف الحركة الشعبية من مطالب قوى تحالف جوبا فى ظل تنازلات المؤتمر الوطنى ونزول الجماهير الى الشارع هل إستداع لروح ثورة اكتوبر لاسقاط النظام الحاكم عبر العصيان المدنى .. أم هى محاولة لفرض ضغوط على الحكومة للحصول على بعض المكاسب والتى ألقت بظلال الكثير من التساؤلات حول تداعيات التحولات والاصلاحات الديمقراطية فى السودان تأتى ضد من .. حتى يحدث ما حدث من اعتقالات وضرب  لقيادات من الحركة الشعبية وبعض رموز الأحزاب دون أدنى مراعاةً لحصانتهم الدبلوماسية.

      ما يجرى فى السودان يشهد بعض غرائب الوقائع منها أن كل من المؤتمر الوطنى وقوى تحالف جوبا يتحدثون عن الانتخابات .. ولكن كل منهما برؤية مختلفة ، فالمؤتمر الوطنى يحرص على أن يكون الحال على ما هو عليه الآن ثم يجرى الانتخابات والتى يجمع المراقبون على أنه سوف يفوز بها فوزاً ساحقاً إذا تمت بالأطر والنظم الموجودة حالياً ، ولكن فى المقابل قوى تحالف إعلان جوبا أو ما سمت نفسها بقوى الاجماع الوطنى والتى تطالب بأنه لا بد من إيجاد إستحقاقات مهمة للانتخابات ، وهذه الاستحقاقات المطالب بها أن تكون التحول الديمقراطى فى عقد الندوات والمسيرات وحرية التعبير وحرية الاستفادة من وسائل الاعلام القومية ، وخاصة الاذاعة والتلفزيون باعتبارها من الوسائل المؤثرة على الرأى العام والجماهير ، وهذه المتطلبات تعتبر مطالبات منطقية إذا كانت الحكومة تقول بأنها دولة تراعى الديمقراطية وتريد أن تجرى انتخابات نزيهة وشفافة فما هو العذر الذى يقدم من الحزب الحاكم أو من السلطة الحالية أن تقوم باجراء اصلاحات شاملة وإجازة لكل القوانين محل الخلاف ، إلا أنها لا تريد ذلك ولا تستطيع أن تقول لا ولكن بالعمل تضع بعض العراقيل فى مثل هذه المساعى المطالبة باستحقاقات التحول الديمقراطى.

   كان بامكان ومقدور الحكومة أن تفادى ما حدث يوم الاثنين إذا أظهرت قدراً من رحابة الصدر فى التعامل مع المسيرة السلمية التى أعلنت عنها قوى تحالف جوبا بالحكمة والعقلانية واستقبالهم فى مدخل البرلمان واستلام مذكرتهم حتى تعكس للعالم مدى جديتها فى التحول الديمقراطى ، ثم بعد ذلك لها أن تتماطل فى الرد عليها أو تجاهل ما فيها ، إلا أنها عكست نوع من التعامل بحجة أنهم يعتمدون فى كل هذه الاجراءات على المادة 127 من قانون الاجراءات الجنائية لعام 1991 والتى تطالب أى جهة تنظم مسيرة أو مظاهرة لا بد من إيجاد تريخص كتابةً ، بحجة أن الشرطة من شروطها أن تؤمن هذا الموكب أو المسيرة ، إلا أن تصرف الحكومة عكس بأن البلد فى أزمة حقوق ناتجة عن الطريقة التى يدير بها المؤتمر الوطنى البلاد ، لأن المؤتمر الوطنى ليس لديه الرغبة فى تعديل القوانين وعدم إتاحة الفرصة للأحزاب لكى تعبر عن نفسها. ولكن ما حدث يعتبر تطور مهم على الأقل أشعر الطرفان بأن هذا التطور يحتاج الى ملابسات مهمة أحدهما أن المناقصة التى قامت بها قوى الاجماع الوطنى اسفرت عن بعض التنازلات ، سواء كان من المؤتمر الوطنى أو من الحركة الشعبية ، هذا بدوره أغرى قوى المعارضة أن تسير فى ذات النهج فيما يتعلق بالمباغتة السياسية وذلك من خلال الحديث عن مسيرات سلمية.  

      لكن فى المقابل حكومة المؤتمر الوطنى تستشعر بأنها إذا سمحت بهذه الأمور قد تتحول من مجراها الطبيعى وترى أن جلوس قيادات الأحزاب مع بعضها والتوافق حول الخلاف قد يزيل التوترات الحالية ، وكذلك اختلاف الأهداف الأساسية بين قوى المعارضة والحركة الشعبية جعلت الحكومة تظن وتشك بأن الحركة الشعبية قد إنحازت الى قوى المعارضة والى أهداف قوى تحالف جوبا لاسقاط عملية التحول الديمقراطى الذى بدأته الآن وتغير النظام بنظام جديد وخاصة فى ظل عملية الانتخابات القادمة والتى تمثل تحدياً للشريكين وبقية الأحزاب السياسية ، ولا ننسى بأن هناك هدفان مختلفان ما بين الحركة الشعبية وبعض قوى المعارضة ، إذ أن الحركة الشعبية حريصة على إيجاد هذه المباغتة للحصول على تنازلات من المؤتمر الوطنى حول بعض القضايا والقوانين ، بينما قوى المعارضة والأحزاب السياسية حريصة على استخدام الشارع فى تغيير مجرى خارطة السياسة السودانية بشكل عام وهذا هدف مختلف عن ذاك .. وحسب المراقب لما يجرى فى الشارع السودانى  حدثت معارضة من كل تيارات الأحزاب التى إنضوت تحت تسمية قوى تحالف جوبا مؤخراً ، حتى هى لا تملك نفس الأهداف للخروج بمظاهرات وما يترتب علي ذلك من الشد والجذب مع الحزب الحاكم أو الحكومة ، والآن فى نهاية المطاف إذا حسبناها بخاسر أو رابح إذا إستمر الحال على ما هو عليه إذا لم تكن هناك فعلاً إصلاحات ديمقراطية قبل الانتخابات وبعدها قبل الاستفتاء من سيكون الخاسر فى هذه المعركة ..؟!.    

   الخاسر الرئيسى هو السودان ..السودان الدولة والوطن الذى يتسع لجميع أبنائه ومواطنيه ، كما لاحظنا القضية الأساسية الآن فى السودان هى المضى قدماً فى تنفيذ اتفاقية نيفاشا للسلام الى الامام للوصول الى منتاها بالرغم اتفاقية نيفاشا استطاعت أن توقف أطول حرب فى أفريقيا إلا أن بها الكثير من العيوب والثغرات ، لأنها لم تكن موفقة فى ترتيب الأوليات .. الاستفتاء ثم الانتخابات ولكن وضعت العكس ، فلذلك الأزمة تكمن فى نصوص اتفاقية نيفاشا للسلام ومشكلات تطبيقها، فأصبح هناك توجس من الجنوبين نحو الوحدة وهناك العديد من قيادات الحركة الشعبية تطلعاتها وأشواقها صارت تتجه نحو الانفصال ، ولكن هناك بندان أساسيان .. بند الانتخابات والبند الأخر يتعلق بالاستفتاء لحق تقرير المصير فى يناير 2011 ، فلذلك نحن الآن أمام دولة سودانية فى محل تساؤل حول حدود تراب الوطن ، وهل إذا حدث انفصال ما هى التداعيات التى تترتب على ذلك ولا سيما ما يحدث الآن من تضاغط بين القوى السياسية المختلفة المتمثلة فى قوى الاجماع الوطنى من ناحية وحزب المؤتمر الوطنى من جهة أخرى ، وهو ما لا يفضى الى تنفيذ الاتفاقية بسلام .. بل هناك بعض المناورات من الطرفين سواء كان تحالف جوبا أو المؤتمر الوطنى لتحقيق أهداف أخرى غير تلك المعلن عنها .. هناك رفع شعارات حول الحريات والديمقراطية وقانون الأمن الوطنى وغيرها ، ولكن كل طرف سواء كان داخل تحالف جوبا أو المؤتمر الوطنى له أجندة أخرى.

   الحركة الشعبية لتحرير السودان هدفها الرئيسى الوصول بسلام وبدون مناقصات الى يناير 2011 لكى تحصل على حقها فى تقرير المصير بشكل سلمى ، فلذلك الآن تتحذ من تحالف جوبا أداة للضغط على حزب المؤتمر الوطنى للحصول على ما تريده من قوانين تصيغ الاستفتاءات ، وهو ما توصلوا اليه قبل وقت وجيز. القوى الشمالية الأخرى المتحالفة مع الحركة الشعبية لديها اهداف أخرى وبالتالى المظاهرات التى تمت الأسبوع الماضى وليس بالأمس كانت تأخذ الأمور الى مسار عكس ، الآن الحركة الشعبية بدأت تتراجع نتيجة أنها حصلت على ما تريد الحصول عليه وبقيت الأحزاب الشمالية التىخرجت فى مظاهرة الأثنين الماضى ، وبالتالى الحكومة والحزب الحاكم فى ورطة إذا كان كل حزب له مطالب مختلفة عن الحزب الأخر يمارس ضغط على السلطة فى الحصول على مطالبه أو النزول الى الشارع ، فكيف أن تتصرف وحزب المؤتمر الوطنى معاً.

    إن الذهاب الى الشارع فى اعتقادى هى دعوة ومحاولة إستداع روح ثورة اكتوبر 1964 المجيدة بنزول الجماهير الى الشارع وإحداث إسقاط للنظام عبر التكتل أو العصيان المدنى والجماهيرى ، هذا الهدف الآن صعب التحقق لأن كل المشاركون يدركون أن السودان فى أهلك المحال .. والظروف مختلفة عما حادثاً فى اكتوبر1964 ، فلذا أن الهدف الحقيقى محاولة فرض ضغوط على حزب المؤتمر الوطنى للحصول على بعص المكاسب هنا أو هناك ، لأن الحركة أخذت ما تريد.

   هناك خلافات حول خمسة بنود أساسية .. ثلاثة منها تتعلق بقوانين الاستفتاء تم الاتفاق عليها .. أما البندين الباقين هما يخصان الأحزاب تم ترحيلهم الى لجان ، أما بالنسبة لمظاهرة الأثنين الأخيرة كانت أقل وطأةً من الأولى لأن الحركة الشعبية أعلنت قبل المظاهرة بيوم بأنها سوف تشارك فى المسيرة أو قد تشارك الحركة لكى تعلن تأييدها للاتفاق الذى حدث بالأمس ، فهناك شرخ فى تحالف جوبا من خلال عملية التظاهر هذه التى لم تصل الى منتاها لأن حزب المؤتمر الوطنى وكثيراً من الأطراف المستقلة فى السودان تخشى من تداعيات هذا النزول الواسع النطاق الى الشارع  قد يؤدى الى تفكك الدولة السودانية وسقوط النظام فى هذه المرحلة بدون وجود أى قوة بديلة جاهزة لتولى السلطة ، حتماً سوف يؤدى الى حالة من الفوضى وتحول السودان الى صومال آخر.

  ولكن التساؤل المطروح اليوم هل من خيارات لدى الحزب الحاكم يمكن التعامل به مع هذه المصالح ولكن بشكل منطقى وشكل عقلانى دون الجرار وراء كل المطالبات المختلفة فى الاتجاهات المختلفة ، وإلى أين ستكون الدولة هنا حتى إجراء الانتخابات أو من هنا حتى إجراء الاستفتاء..؟!.

لقد حدث هناك تحول أو تطور مهم جداً من خلال الأثنين الماضى الى الأثنين اليوم ، هذا التحول هو تحالف جوبا أو ما تسمى بقوى الاجماع الوطنى كما ذكرت وبدأت أحداثها مختلفة ولكن الآن أصبحت الرؤى تتكشف وبدأت المطالبات أو المناقصات تتضح معالمها ، لأنهم لم يكتفوا بما يجرى الآن فيما يتعلق من خلاف بين الشريكين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية ، بل الآن دخلت خارطة المطالبات موضوع قضية دارفور وموضوع إحداث إنفراج فى الحريات ، فهذه المسائل تحتاج الى نوع من التفاوض والتحاور ما بين المؤتمر الوطنى والقوى الأخرى ، وهذا ما تحرص عليه الآن الحركة الشعبية ، لأن الحركة الشعبية الآن فى حرج لأن جماهير الأحزاب والتنظيمات السياسية يستدعوا التاريخ القديم للحركة الشعبية فى تعاملها مع قوى التجمع الوطنى الديمقراطى ، كما تعلمون حينما حدث مؤتمر سلام نيفاشا 2005 .. الحركة الشعبية كانت حريصة  بأن تجرى هذه المفاوضات منفردة مع الحكومة آنذاك ، فلذلك بدأ الناس يتحدثون على أن الحركة الشعبية إذا استطاعت أن تحصل على بعض الاستحقاقت التى تطالب بها قد تترك قوى تحالف جوبا لوحده ليكون إسماً فى غير مسمى ، فمن هنا بدأوا يستشعروا بأنهم لا بد أن يبلوروا بعض الأفكار ، ومنها قد خرج بالأمس الصادق المهدى رئيس حزب الأمة القومى بدعوة الى قمة سياسية تطرح كافة القضايا الوطنية الراهنة من خلاف الشريكين الى الخلاف مع الأحزاب والقوى السياسية الى موضوع دارفور ، لأن موضوع دارفور أيضاً بدأ يأخذ بعداً جديداً بعد موافقة الحكومة .. وما هو مضمون موقف الحركة الشعبية فى مطالبات الأحزاب الأخرى أو تحالف جوبا المقبلة مع المؤتمر الوطنى أم أنها فقط لم تخطر على البال..!! وعلى حسب ما ذكر بعض من قيادات الحركة الشعبية أنهم يساندون هذا التوجه أى توجه حول إشكالات كثيرة لا تكون قاصرة على الاشكالات المحظورة فى خارطة الشريكين ، لأن حل هذه الاشكالات قد تساعد فى حل مشاكل السودان كلها ، وكذلك لا بد للمراقب أن يلاحظ شيئاً مهماً جداً إن قوى تحالف جوبا بهذه القوة فيها قوتين معلوماً عنهما فى تاريخ السودان بأنهما أكثر دراية فى تنظيم المسيرات والانتفاضات والثورات ألا وهى الحركة الاسلامية المتمثلة الآن فى الشق الثانى حزب المؤتمر الشعبى بقيادة الدكتور حسن الترابى ، والحزب الشيوعى السودانى المتمثل فى كل هذه المفاوضات بأماناته العامة بقيادة الأستاذ محمد ابراهيم نقد  السكرتير االعام للحزب ، هاتان القوتان تمثلان قوة التحريض الرئيسية وذلك لخبرتهم الطويلة وحسب ما يترتب  فى هذا المجال.

 

   هناك الآن من يروج طارحاً هذه الاصلاحات الديمقراطية المطلوب بها على أرض الواقع فى السودان وماذا قدم المؤتمر الوطنى من ضمانات على أن تبقى الدولة السودانية موحدة  ، لأن الاستفتاء لا يتم فيه مسألة الجنوب على الانفصال ، وهل يمكن أن تكون الحكومة جادة فى مساعيها لتصبح الوحدة جاذبة وتقوم بإجراء اصلاحات شاملة وواسعة للحفاظ على حدود تراب الوطن كما ذكرت أم ترويج للحصول على مناورات وتكتيكات سياسية للتشبث بكراسى السلطة ، ونخشى أن يكون هذا بعيداً عن الواقع تماماً .. لأن الامتداد الجنوبى كله الآن مع الانفصال وهذا حق قانونى تعهدى للجنوبين فلا يستطيع أحداً أن يلومهم عليه.

  لكن الخطورة الأساسية تكمن فى الغموض الذى يلف هذه المرحلة فى عدم وضوح استراتيجيات الاطراف الأساسية الضالعة فيها وخاصة الحركة الشعبية من جهة والمؤتمر الوطنى .. على الأقل الحركة الشعبية أعلنت أو بشكل أخر موقفها بأنها تريد دولة أى جنوباً مستقلاً ، ولكن حزب المؤتمر الوطنى يراوغ فى كل شئ من الغموض ، ولا سيما الانفصال له تبعاته يجب التجهيز لها من الآن وإلا سنكون مواجهين بمخاطر دولة جنوبية غير مستقرة ، واحتمالات لإندلاع حرب أخرى بين الشمال والجنوب حول ترسيم خط الحدود وحقول النفط وأبار البترول .. وحول أوضاع الجنوبين فى الشمال وغير ذلك من القضايا المهمة والأساسية  .. وعدوى لنموذج والتى قد تنتقل الى دارفور ، فهذه كلها قضايا اساسية تحدد بقاء دولة فى السودان ، لأن المواقف الدولية والاقليمية لا يمكن التأويل عليهما فى هذه المواقف.

Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]