آدم جمال أحمد – سيدنى – استراليا

    بالرغم أن عجلة التاريخ لا تعود الى الوراء ، إلا أن التعاطى مع شأن قضية جنوب كردفان (جبال النوبة) تجعلك تحس بأن دورة الأحداث تعيدك الى الماضى بكل تفاصيل السيناريوهات السابقة ، مثلما دفعت تقارير والى كردفان الحسينى السابق ، حكومة الخرطوم في إتجاه تصعيد الحرب والعداء وإعلان الجهاد في جبال النوبة ، هكذا هو حال حظ ولاية جنوب كردفان العاثر .. أن يكون دوماً الولاة والحكام من خلفيات عسكرية أو أمنية تنقصهم التجربة السياسية في معالجة المسائل المعقدة في الولاية بالحكمة والعقلانية من قبل (هؤلاء) الذين يتم تعيينهم من المركز ، وما يؤكد ذلك تصريحات والى جنوب كردفان اللواء أمن عيسى أبكر في لقائه مع قيادات صندوق السلام التابع لرئاسة الجمهورية وأمام عدد من قيادات الولاية بمقر الصندوق ، حيث صرح قائلاً: (بأن جنوب كردفان ليست بها أى مشكلة كما يصور أهلها مقارنة بدارفور ، وأن أهل ولاية جنوب كردفان يضخمون قضية الولاية وإعتبرها بسيطة ولقد شكلنا مجلس للسلام بكادوقلى لحل قضية الحرب) !!..  كيف يقول الوالى بأن جنوب كردفان ليست بها مشكلة وهو لا يستطيع حتى أن يتحرك خمسة كيلو مترات غرباً أو جنوباً خارج مدينة كادوقلى .. كيف يقول الوالى ليست هناك مشكلة وهو غير قادر أن يتحرك بدون حراسة مشددة داخل العاصمة كادوقلى .. كيف يقول الوالى لا توجد مشكلة وما زالت مناطق كثيرة من الولاية تقع تحت قبضة الحركة الشعبية ، ولا سيما مدينة (كاودا) العاصمة السياسية والعسكرية والرمزية للحركة الشعبية ، والتي صارت الآن قبلة لكل إستخبارات العالم ومكان لهبوط وإقلاع الكثير من الطائرات الأجنبية والغربية دون أي علم أو حتى إذن من الحكومة (عينك يا تاجر) .. أم أن (كاودا) هذه والتي نتحدث عنها يا سيادة الوالى تقع خارج جنوب كردفان .. كيف يقول الوالى ليست هناك أى مشكلة بجنوب كردفان وعاصمة الولاية كادوقلى دأبت قوات الحركة الشعبية قذفها بصواريخ الكاتوشا .. كيف لا تكون هناك مشكلة وجنوب كردفان أصبحت مأوى لحركات دارفور وقوات الجبهة الثورية والتي تجوب الولاية طولاً وعرضاً ، وبل تقوم بضرب وإحتلال مناطق مثل الحمرة وأبوكرشولة والفرشاية وهبيلا وغيرها ؟؟!!!.

فنقول للوالى نحن أبناء النوبة وأبناء هذه الولاية موجودون وموجوعون لحالها ومآلها ولابدّ لنا من كلمة ورأى ، فهذه الولاية .. (جنوب كردفان .. جنون كردفان .. جنون خُرْفان .. جنون خَرْفان) .. أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنها ولاية مسكينة ومسكونة ، ومسحورة ومسخوطة ومظلومة ، هذه التى لم ينقطع الجدل حتَّى حول إسمها ما بين (ولاية جنوب كردفان) .. و(إقليم جبال النوبة) كما يتبادر إلى أذهان البعض ، فلم يَعُد هذا الإقليم بهذه الصفة منذ أن وطأت حكومة الوحدة الوطنية أرضها .. وأن (قيادات حكومة المؤتمر الوطنى) غير جادة في حل القضية ووقف نزيف الحرب .. ولا حتى (قيادات الحركة الشعبية) نفسها ، وهم سبب بلاوى الولاية ونكستها ، فلذلك على أبناء النوبة وجنوب كردفان أن يفيقوا من سباتهم وغفلتهم ليقفوا ضد مثل هذه التصريحات العبثية التى تنافى واقع الولاية ، ومحاولة لإنكار الحقائق وتغبيش للوعى وما يجرى من أحداث ..  فلذلك نتسأل ما هو الهدف من تصريحات والى جنوب كردفان (عيسى) الإستفزازية ؟؟ ولماذا صمتت قيادات جنوب كردفان وقيادات الصندوق أمثال البروفيسور خميس كجو واللواء إبراهيم نايل إيدام في التصدي لهذا الوالى وتصريحاته غير المسوؤلة مقللاً من شان مشكلة جنوب كردفان ، ومستهتراً بقيادات الولاية كما كان يفعل سابقه (أحمد هارون) .. ولماذا لم يسجل (قيادات الصندوق) موقفاً يحفظه لهم أهل الولاية والتاريخ ؟؟ .. ذلك الصندوق (الجنين المشوه) .. إسوة بالمشورة الشعبية (الملهاة السياسية) .. لا حيلة له ولا طعم ولا رائحة.. وهو أغرب صندوق يتم تعينه وتشكيله بقرار جمهورى قبل أن يكون هناك سلام ، لأنه جرت العادة ان تتشكل صناديق السلام بقرار وتوافق بين طرفى النزاع بعد التفاوض والسلام من كفاءات وخبرات وبميزانية ومانحين دوليين ليساهم في التنمية والإستقرار وإزالة أثار الحرب ، فلذلك تعتبر تصريحات اللواء عيسى غير موفقة وجاءت في الزمن الخاطئ سوف تساهم بدورها في تعقيد مشكلة جنوب كردفان أكثر مما هي عليه ، لأنها شبيهة بتصريحات قيادته فى الخرطوم التي وقفت خلف وأد إتفاق أديس أبابا الإطارى دون مراعاة لزهق المزيدمن الأرواح ، تماماً كما نجحت أصوات مليئة بالغبن والعداء فى الإصرار على عدم وقف إطلاق الناروالعدائيات خاصة المتشددين من بعض قادة المؤتمر الوطنى ومنبر السلام العادل الذين ظلوا يحيكونالأدوار خلف الكواليس تارة وعلانية تارة أخرى بحكم مواقعهم التنفيذية والأمنية والعسكرية ، وبل ظلتتنادى بالمزيد من الحسم العسكرى وبدفع المزيد من المتحركات والتجريدات صوب جنوب كردفان ، لأنهميعلمون بأنهم فى تلك المواقع لا يوجد ما يبكون عليه ، ولكن الأحداث برهنت بأن النوبة لا يجيدون الولوله ، ولكنها فاقمت في مشكلة الولاية وتشريد أهلها أكثر فى كافة جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية والتنموية ، مما أقعدت جنوب كردفان عن ركب التغيير والتقدم إسوة برفيقاتها من الولايات الأخرى .. لمسح أثار الحرب والدمار الذى لحق بها فى فترة ما .. وتضميد الجراح وجمع الصف وتوحيد الكلمة وخلق نوع من التوازن لإحداث ثورة وطفرة تنموية وعمرانية .. لإنتشال مواطنى الولاية من الواقع المرير المعاش ، بعد أن تعلقت آمالهم وطموحاتهم .. بالسلام ووقف نزيف الحرب على أيادى (هؤلاء) ، ولكن لقد أصابهم الإحباط وفقدان الأمل فى شاكلة هذه القيادات وتصريحاتهم والتى مفادها غياب الحقيقة ونقصان التجربة السياسية المتعالية علي الممارسة ، والتى سقطت فى أول تجربة حقيقية تم تطبيقها على أرض الواقع ، فكانت المحصلة تخبط الوالى (عيسى أبكر) .. وما يعيشه أهل الولاية من حيرة وإرتباك بسبب الحرب المفروضة عليهم ، فلم يعى الوالى ويدرك بعد بأن هناك مشكلة في جنوب كردفان ، وأن تعقيد المشكلة كان نتيجة للتحليل والوصف الخاطئلأسبابها الأساسية ، مما مهد الطريق الى سياسات متطرفة وفتح الباب على مصرعيه لأساليب لم تكنمألوفة ، وقد غيبت مطامع قلة نفعية الحكمة والعفوية ، حيث لعبت التقارير السرية دوراً خطيراً فىمحاولة عدم الإعتراف بقضية النوبة ومشكلة جنوب كردفان ، وبالتالى مثل هذه التصريحات بدورها سوف  تقود الى المزيد من الإستفزاز والتحريض وفقاً لمجريات الأحداث ، ومحاولة لخلق صورة نمطيةعن قضية جبال النوبة تحول دون التعاطف والتفاعل معها ، وعدم الإعتراف بها كقضية تاريخية وذات خصوصية وأن حلها هى بوابة لحل كافة مشاكل السودان ، ولكن ماذا نفعل مع بعض العناصر فىحكومة المؤتمر الوطنى من خلال ما يقومون به من خطة أمنية متكاملة وحملة إعلامية في عدم التعاطى مع مشكلة جنوب كرفان وبالتالى همهم فقط أسلوب المواجهة والتصدى لكسر شوكة تمرد النوبة ، دونأن تجتهد الحكومة فى عكس صورة تتصف بالحكمة والمسئولية تسعى فيها للإعتراف بقضية جبالالنوبة وخصوصيتها والسعى بإخلاص دون أى مرواغة فى عملية حلها ، حتى لا يلقى ذلك بظلاله على مجريات القضية النوبية ، والتى لم تبرح مكانها بعد .. حتى أصبحت جنوب كردفان .. (على باب الله) .. فالتاريخ يعيد نفسه بعد مرور سنوات عجاف على ولاية جنوب كردفان عكست سخرية الأقدار أن يتقدم الصفوف قيادات الغفلة لتتولى زمام الأمور ، ينقصهم الوعى والإدراك والفهم للتركيبة النفسية لمواطنى جنوب كردفان وللقضية.

 وفى ظل هذه التعقيدات والظروف الحرجة والإستثنائية التى يمر بها أهلنا في ولاية جنوب كردفان ، يأتي الوالى عيسى لينفى وجود أي مشكلة بالولاية ، والتي تحتاج لحل سياسى وليس عسكرى ، فنقول له لا يستطيع إنكار ذلك الا أن مكابراً أو فى عينه رمد ، فمشكلة جنوب كردفان يا سيادة الوالى تحتاج الى إعتراف رسمي من الحكومة والعمل على إيجاد حل لها ، خاصة من خلال مبادرة ورؤية أبناء النوبة بالخارج الذى قدموه لطرفى النزاع (الحكومة والحركة) وكثير من الأطراف الأخرى ، والتي تمثل مشروع سلام متكامل يجسد تطلعات أهل الولاية ، والمتمثلة فى قسمة السلطة والثروة وقضايا الأرض ، وهى تعالج إفرازات الصراع الدائر الآن فى جنوب كردفان ، ويضمن حقوق ومستقبل جميع أبناء الإقليم بإثنياتهم المختلفة ، بالإضافة إلى ترتيبات أمنية لإحتواء الإفراز الأمنى ، ووقف إطلاق النار وفتح الممرات الأمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية ، وإثراء ساحة أهل الرأى والفكر والسياسة بأطروحات حديثة تساهم فى حل مشكلة جبال النوبة (جنوب كردفان) جذرياً ، وعلى مستوى نظام الحكم وشكل الدولة وطبيعة وحدة السودان القائمة على التنوع والتعدد ، كما تشير الرؤية والمبادرة بوضوح على المخرج من هذه الأزمة ، وتوفر الضمانات بألا يحمل أبناء الإقليم مرة أخرى السلاح ، فالرؤية فى مجملها مشروع للسلام الشامل يتجاوز الإقليم المتأزم الى رحاب السودان الوطن القومى الفسيح ، والرؤية أيضاً تعتبر دعوة للمثقفين والمستنيرين وأهل الرأي ، وأولهما .. والى جنوب كردفان (عيسى) وقيادات المؤتمر الوطنى ، بدلاً من التعتيم الذي ضرب على قضية جبال النوبة ومشكلة جنوب كردفان منذ البداية ، فكان له الأثر الكبير في عدم إتاحة الفرصة لقراءتها بطريقة منطقية خاصة وما صاحبها من تشويش مخل ومربك ، كما يحدث من الوالى الحالي بتصريحاته هذه ، والتي سوف لا تعزز المساعى الجادة والرؤية الواضحة للأسباب الحقيقية والأساسية وفقا للتعقيدات المتلاحقة ، فتحول دون تكوين رأي عام حولها والمشاركة والمساهمة بالحل والرؤى الصائبة من قبل المسئولين ، ولكن لقد آن الأوان لقراءة القضية بصورة جلية توضح الأسباب الأساسية ومحركات التعقيد ، حتى يسهل تحليل وتفسير المواقف والأحداث التي كان إنسان جبال النوبة الضحية لها ، والتى تحتاج لإعادة قراءة المشكلة وفقاً للملامح الأساسية لمسبباتها ، لوقف نزيف الحرب بين طرفى النزاع والجلوس للتفاوض والحوار.

وإلى لقاء فى مقال آخر ........

آدم جمال أحمد  –  سيدنى  -  استراليا  

 

5 أغسطس 2015 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.