تمتاز منطقة جبال النوبة بتنوع كبير في الفنون الشعبية الشيقة مثل الغناء والرقص والمصارعة والمصنوعات اليدوية وصناعة الفخار وغيرها ، إلا أن معظم هذه الفنون لم تجد التشجيع اللازم من قبل الدولة أو المسئوليين ، حتى تجد حظها من الإنتشار الطبيعى والتعريف ، وحتى النوبة وهم في أشد وطأة الحرب تجدهم يغنون ويرقصون ويتسامرون ، فلذا أيها السادة القراء نحن اليوم بصدد السياحة داخل مهرجان الأجانق الثقافي الأول الذى أقيم فى معرض الخرطوم الدولى ، وخاصة أن السياحة هواية إنسانية رائعة ، والأكثر روعة أن تكون السياحة داخل أعماق مهرجان الأجانق الثقافي الأو ل في نجاحه الباهر بفضل المساعى الحميدة وما بذلته اللجنة العليا للمهرجان من جهد مقدر لإقامة هذا المهرجان رغم الظروف العصيبة التي تحدق بهم في الداخل ، إلا أنهم لقد تجاوزوا كل الصعاب ، وجعلوا جل همهم وغاية أملهم هو نجاح المهرجان وإخراجه بصورة تشرفهم ، من أجل رفعة إنسان المنطقة ، وجمع الشمل وتوحيد الصف وتقوية عواصر الترابط والتواصل بين عموم بطون الأجانق للتصدي الى كل ما يحاك ضدهم ككيان وضد قيادتهم حتى يعيدوا لأنفسهم كأجانق دورهم الريادى والقيادى ولا سيما هناك تحولات ومتغيرات بدأت تحدث فى الساحة السياسية النوبية والسودانية ، في ظل هذه الظروف التى تمر بها مناطق النوبة عامة ، والأجانق بصفة خاصة من إهمال وتهميش بمختلف بطونها ، ساهمت فى إضعاف كيانهم من بعض الأطراف ، فلذلك كان المهرجان رسالة ثقافية وتراثية قوية تؤكد بان سكان جبال النوبة في مقدورهم رغم المحن أن يعكسوا تراثهم وإرثهم في لوحة فنية متكاملة.
ورغم ما صاحب قيام المهرجان من ضجة إعلامية ، إلا أنه يعتبر كان ناجحاً مع وجود بعد السلبيات الفنية ، والتي تحتاج لمعالجات لتفاديها مستقبلاً ، وذلك كله بفضل ومجهود الأستاذ إبراهيم جمعة غلفان وبقية أعضاء اللجنة العليا الأشاوس ، لقد نجحوا في توحيد جهود وترتيب صفوف وجمع شتات أبناء الأجانق بالداخل وسعوا بهم لتحقيق أهداف المهرجان الموضوعة وإبراز الدور الريادى والقيادى للأجانق فى جبال النوبة والسودان ، من خلال ما عكسته قدراتهم الفكرية والعلمية والمادية والاجتماعية عبر خطط مدروسة ، لأن تقدم أى أمة لا يمكن أن يكون إلا بإرتفاع نسبة الوعى والمستوى الثقافى والعلمى لأبنائها وتنظيم صفوفها وترتيب أولياتها ،  لتحقيق الربط الثقافي والاجتماعى والإنسجام فى إرادة ذاتية ذات قوة وعزيمة.
أما في إختيارهم للمكان وهى أرض المعارض في قلب الخرطوم .. لقد نجحوا في ذلك ، لأن لها دلالات ومعانى رغم ما اثير حولها من جدل ، عن المكان وتوقيت الزمان ، إلا أننا نقول بأن إختيار معرض الخرطوم الدولى تؤكد بأن لجنة مهرجان وفقت في ذلك ، مما يعكس تطلعهم كأجانق الى المجد والأعالى ورفضوا ان ينطلقوا في بداية أول مهرجان ثقافى لهم من هوامش وأطراف الخرطوم ، بل أصروا أن تكون الإنطلاقة من أرض ومكان له مدلولاته التاريخية ، وهى أرض المعارض ، والتي تعتبر حكراً لكل فعاليات الحكومة أو الشركات الكبرى أو التظاهرات الثقافية والتسويقية لبعض الدول العربية والأفريقية والأسوية والأوربية والأمريكية التي دابت ان تشارك بفعالياتها ومنتجاتها ومعارضها الدولية في أرض المعارض ببرى ، فكانت رسالة للمركز بأن الأجانق قادرين على كسر حاجز الخوف أو التقوقع فقط في مناطق الأطراف أو يسمى بالحزام الأسود حول أطراف الخرطوم ، والتي تحيطهم دوماً دوريات وسيارات الشرطة من كل صوب ، كما حدث في كل مهرجانات النوبة التي أقيمت ، ولا سيما أن أرض المعارض هذه تعكس الحنين الى ملك  الأسلاف الغابر والغائر عبر الأزمان ، والتي تقع على ضفاف النيل الأزرق  تعكس عبق الزمان وأحداث تاريخ الأجانق الذين كانوا أحد صناع وسكان مدينة سوبا ، حاضرة مملكة عَلَوَة المسيحية آنذاك ، وعبقرية المكان وإختياره يجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعى ثقافى تراثى.   
ورغم ما أثير حول المهرجان من لغط لقد تم إختيار هذه اللجنة العليا بتكليف من أبناء الأجانق بالداخل وليس بالخارج ، حتى لا يأتي أحد ويحاول أن يمن أو يشترط أو يملئ أو يكون وصى عليها ، بل تم إختيارها لتعمل بكل إرادتها بواجب الإنتماء والحس الوطنى للأجنق والغيرة فى الوقوف مع أهلهم وتراثهم وثقافتهم ولغتنهم التى تضررت وأصبحت فى حالة يرثى عليها ، وقبل أن إسترسل فى الموضوع أود أن أوضح لكم بأن اللجنة العليا للمهرجان كانت من التالية أسماؤهم:
الأستاذ جمعه ابراهيم غلفان ريئس اللجنه العليا للمهرجان .. لجنة الإعلام طارق الباشا .. لجنة المعرض والتراث وكيل جريبان ..  اللجنه المالية الصادق بشير النوراني محمد التراث الأستاذ حبيب ختيم السكرتارية مجاهد خميس .. بدأ التحضير للمهرجان قبل ستة شهور واتخذت اللجنة عدة محاور وصولا للمهرجان .. محور الندواث الثقافيه ، لقد نفذت اللجنه خمس عشرة ندوه شملت معظم بطون الأجانق تعريفا بهوية الأجنق.، وبعد اكتمال محور المنتديات إتجهت اللجنة نحوالإعداد للمهرجان ووضعت خطه شامله لذلك .. وأصدرت اللجنة تقويم (كالندر) للعام الحالى بلغة الاجنق .. الجهات والبطون المشاركة معظم بطون الأجنق. تم إختيارمعرض الخرطوم كمنطقه إستراتيجيه وسط الخرطوم عوضاً عن ميدان الليمون بام بده لان الهدف التعريف بتراثنا بالمركز ىوليس الأطراف .. الشخصيات والجهات المشاركة  في الجلسه الإفتتاحية دكتور محمد زايد عوض وزيرالدولة بالنفط الأستاذ الطيب حسن بدوي وزيرالثقافة الاتحادي .. وفد الحركه الشعبية العائدون برئاسة سيد حماد كافي معتمد كادقلي السابق ولفيف من قيادات جبال النوبه أبرزهم عبدالرضي عجبنا .. الجهات رابطة التراث النوبي .. جمعية دنقلا العالمية .. النادي النوبي .. جمعية الأجانق بولاية جنوب دارفور .. وفد الميدوب الذي جاء من المالحة خصيصاً لهذا الإحتفال .. شهد المهرجان حضوراً كثيفاً للقنوات والإذاعات .. إذاعة السلام .. قناة ساهرون .. إذاعة جامعة الخرطوم .. راديو مونتكارلو .. شرفت الدكتورة هيلين أستاذة اللغويات جامعة الخرطوم الباحثة المتخصصة فى لغة الأجانق الميدوب تحديدا.
أما بخصوص قيام الحملات الكثيفة في معظم المواقع الأسفيرية ضد المهرجان الثقافي الأول للأجانق وإتهامهم بشق صف النوبة ، وبأنه مسيس وأنهم تلقوا دعماً من المؤتمر الوطنى .. إنه كله حديث محض إفتراء .. وإتهامات باطلة بلا دليل ومبنية على الغيرة .. والحقيقة نؤكد بأن اللجنة العليا للمهرجان لم تتلقي أي دعم حتى لو جنيهاً واحداً من الحكومة حتى قيامه ، إلا من الطيب حسن بدوى وزير الثقافة الإتحادى بعد حضوره إفتتاح المهرجان ، ولقد تبرع للنساء العاملات بمعرض التراث بمبلغ عشرة ألف جنيه ، وحضوره شيء مفرغ منه ، لأن المهرجان في ولاية تخصه ومكان تابع لوزارة الثقافة وإضافة لذلك هو أحد أبناء جبال النوبة والمهرجان ثقافى وليس سياسى ، حتى تحجب الأخرين عن المشاركة ، فالثقافة لا تعرف الحدود والحواجز ، والذى يقول عكس ذلك فليأتى بالدليل والبرهان.
 
وفي إطار التنسيق لقد قامت اللجنة العليا لمهرجان الأجانق بمخاطبة الإخوة فى مهرجان جبال النوبة برئاسة دكتور شمسون خميس كافى قبل شهرين من قيام المهرجان شفاهة ، وطالبوهم حينها بخطاب رسمي مكتوب ، وبالفعل إستجابت اللجنة العليا لمهرجان الأجانق وحررت خطاب رسمي للجنة مهرجان النوبة ، ولكن للأسف لم يتكرموا حتى بالرد إليهم ، من باب التماطل والتسويف وضياع الوقت ، ولكن حينما علموا بقيام مهرجان الإجنق بمعرض الخرطوم (أرض المعارض) ، لقد أثار حفيظتهم ، وقاموا بنشر الأكاذيب لتضليل العام النوبى (مهرجان الأجانق يتضارب مع مهرجان النوبة .. الأجنق يسعون لشق الصف النوبى وغيرها من العبارات) .. وحينما علمت اللجنة العليا لمهرجان الأجانق بذلك واجهوهم وجهاً لوجه بالحقائق ، وبل وحاصرتهم  بالكثير من التساؤلات والإستفسارات ، فأصيبوا بالخجل وإعتذروا أما بدر منهم ، رغم أنهم قدموا أعذار واهية ، ولكن فى نهاية الأمر باركوا قيام مهرجان الأجانق ، ولكن ما يدعو للدهشة والإستغراب تجدد الإتهامات مرة أخرى من قبل بعض الإنطباعيين دون أدنى علم أو معرفة بحيثيات وتفاصيل المهرجان ، أو حتى يكلفوا أنفسهم الإستفسار من أصحاب الشأن (اللجنة العليا للمهرجان) لمعرفة الحقيقة ، ورغم ذلك لقد قاطعوا ولم يتشرف أحد من لجنة مهرجان النوبة وخاصة شخص مثل دكتور شمسون للمهرجان مما يضع الكثير من علامات الإستفهام.
هل تعلمون بأن ميزانية المهرجان الموضوعة كانت ثلاثمائة ألف جنيه لم تحصل اللجنة العليا للمهرجان إلا علي نصفها ، ولقد تبرع الأستاذ جمعة ابراهيم غلفان رئيس لجنة المهرجان فى بداية إنطلاقة مسيرة لجنة المهرجان العمل بمبلغ عشرة ألف جنيه من حر ماله تشجيعاً للآخرين .. ثم توالت التبرعات من كل أو معظم أبناء الأجانق بالداخل والخارج .. ولقد تكفلت مجموعة دال بدفع الفواتير وتكاليف ختام المهرجان ، وهذا الدعم قدم تقديراً للأستاذ جمعه إبراهيم غلفان لعلاقاته الواسعه والمتينة في أوساط قبيلتى المحس والحلفاوين .. ومن محاسن الصدف أن المدير التفيذي لمكتب مديرعام معرض الخرطوم الدولى من خلال تبادل الحديث مع اللجنة العليا للمهرجان أثناء التفاوض حول إيجار المكان إتضح أنه من أبناء الأجانق مما سهل لهم مهمة الإيجار ، ولقد قام مشكوراً بتخيض مبلغ سبعة ألف جنيه (سبعة مليون) من قيمة الإيجار ، والذى كان قدره ثمانية عشر ألف جنيه ،  وهو الأستاذ سيد خوجلي ، وبل لقد قدم للمهرجان الكثير من التسهيلات داخل المكان ، وهكذا دوماً ديدن أبناء الجانق حيثوا ما كانوا.
 
أما بالنسبة لأهداف المهرجان .. فهي تظاهرة ثقافية إجتماعية وحلقة فى منظومة من الفعاليات والأنشطه والبرامج تهدف لتحريك مختلف مجتمعات الأجانق وتعبئتها لتحقيق جملة من الأهداف .. أهمها خلق وعى في أوساط الأجانق بوضع اللغة والثقافة ، وأهمية إستدراك الوضع المتردي .. وتقوية الوعى بالهوية المشتركة بين جميع أفراد كيان الأجانق ونشره فى المجتمع السودانى ، وتجميع وتقييم الدراسات والبحوث التي غطت لغة الأجانق .. ووضع الموجهات والأولويات في ما يتعلق بالمستقبل ، ووضع الخطط والبرامج للإستفادة منها .. والإتفاق على خارطة طريق لوضع منهج لكتابة لغة الأجانق ، وذلك بوضع إستراتيجية لنقلها من الشفاهية الى الكتابية .. والعمل على تجميع وتوثيق ودراسة المأثورات الشفاهية بوصفها أهم أسس الإرث التاريخى للأجانق ، ومصادره وتوثيقه وتدوينه ونشره .. وكذلم العمل على توثيق التنظيم الاجتماعى للأجانق ودراسة عناصرالنظام العشائرى وأساليب إتخاذ القرار فى مجتمع الأجانق للإستفادة منها فى إثراء تجربة إدارة المجتمعات فى السودان .. والعمل على توثيق وتحليل الرؤية الكونية لمجتمع الأجانق وذلك لفهم الأسس الفكرية لقيم المجتمع .. وكذلك تجميع وتوثيق عناصر الثقافة المادية والمعارف التقليدية للأجانق ودراستها بغرض تطويرها .. وتوثيق نظم المعيشة فى مجتمعات الأجانق ودراسة أنماط التكيف مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والثقافية المحيطة .. وتوثيق أشكال التعبير الفنى لمجتمعات الأجانق والرقصات والعمل على نشر وإستدامة هذه الإشكال ، ولقد بذلت اللجنة العليا للمهرجان مجهود بإعداد خطة من عشرون صفحة ، وما قدم حتى الآن هو فقط أهداف المهرجان .. وسوف يتواصل العمل فى تنفيذ هذا المشروع الثقافى المتكامل .. ولا يهمنا موقف الآخرين .. ولكن السؤال الذى يطرح نفسه هل هذه الأهداف الموضوعة تعمل على شق وحدة النوبه؟ ولقد نظم إخوتنا في الأما (النمانج) مهرجان سبر ورق اللوبيا كونجاربإستاد البركة بالحاج يوسف لماذا لم يتهموهم بشق صف النوبه؟ وهنال أيضاً قبائل أخرى نظمت فعاليات ثقافية .. لماذا لم نسمع صوتاً واحداً منهم يعارضهم أو يوجه لهم أي إتهام .. فلماذا هذا الهجوم غير المبرر للأجانق .. هل هناك إستهداف مقصود للأجانق .. ولكن في تقديرنا بأن المهرجان نجح  في تحقيق الأهداف التالية:
- جمع شمل أبناء الأجانق عن طريق التواصل الاجتماعى والثقافى.
- خلق روح الوحدة بين كافة بطون الأجانق وفرقهم المختلفة.
- هيأ أرضية مشتركة لتفعيل الإجماع بين كافة أبناء الأجانق حول القضايا المصيرية .
- تعتبر بداية لتأهيل إنسان الأجانق الذى فقد مقومات الحياة بسبب الحرب والتشرد مما أدى الى عدم إستقراره وذلك بتبنى برامج تساعد فى تأهيله حتى يواكب ما يدور ويجرى على الساحة النوبية والسودانية من أحداث.
- المهرجان كان بداية لفتح قنوات وخطوط فى شكل تحالفات ومد جذور الثقة بين أبناء الأجانق والقبائل الأخرى بالإقليم من أجل إنجاز مكاسب وتحول تاريخى للإقليم.
- عمل على وضع أسس وقواعد للتعايش السلمى والدينى وتقوية الأواصر التعايش السلمى بين أبناء الأجانق والإثنيات الاخرى التى تقطن منطقة جبال النوبة .
- سوف يساهم في الالتفاف حول القيادات المؤهلة من أبناء الأجانق لقيادة دفة العمل فى المرحلة الحالية والقادمة والقادرة على حفاظ الحقوق المكتسبة والثوابت لأبناء الأجانق.
- شارك لأول مرة بعض بطون الأجانق من الميدوب والبرقد من درافور والأجانق من جبل الداير ، ونوبة الشمال من المحس والحلفاويين ، وهذا يؤكد حقيقة تاريخية ، وما زال البحث عن الغائبين من أبناء الأجانق هدف مستقبلى ويحتاج لأشخاص لهم إلمام ودراية بتاريخ ونمو الأجانق ( الداجو – الميدوب – البرتى – الحمولية – الكنوز – الدناقلة – المحس – الحلفاويين – النوبة القبط فى صعيد مصر – والأجانق فى دول أريتريا وتشاد ويوغندا والسنغال وجذر القمر).
 
ولنا عودة .....
آدم جمال أحمد  -  سيدنى – استراليا
20 مايو 2015 م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.