بقلم: آدم جمال أحمد – سيدنى - استراليا
دعونا نتساءل هل محاولة ربط قضية جبال النوبة بالأجندة التى تطرحها الحركة الشعبية وحلفائها فى الجبهة الثورية ومحاولة حلها فى إطار الحل الشامل لقضايا الوطن القومية وربطها بقضايا الأقاليم الأخرى ، تلبى للنوبة طموحاتهم ومطالبهم التى من أجلها حملوا السلاح وأعلنوا إنضمامهم للحركة الشعبية ؟.. فى إعتقادنا الجازم لا .. مع تقديرنا لقضايا السودان الكلية ومناطق الهامش الأخرى ، إلا أن مشكلة النوبة تختلف تماماً عن دارفور والنيل الأزرق والشرق والمناصير ، وعن ما يتناوله الكثير من منسوبى الحركة الشعبية وقوى الأحزاب أو البعض منهم لهذه الدرجة من السطحية والعمومية ، فهى مشكلة ذات جذور تاريخية وليست كما يربطها البعض ببعض الحقب السياسية والأحداث والحل الشامل ، والتى تعتبر ما هى إلا محاولات فيها نوع من الإغتيال والتذويب والتميع لقضية النوبة.
أن مشكلة جبال النوبة ليست مرتبطة بحكومة المؤتمر الوطنى حتى يتم حصرها فى إسقاط النظام ، أو كما يدعى البعض بأنها لا تحل من كادوقلى أو الدلنج بل من المركز ، هو إعتقاد خاطئ لأن النوبة هم من يدفعون الثمن وليس الآخرين ، ويدركون أن مشكلتهم فى الدولة السودانية هى مشكلة تكييف وضع وحقوق تتعلق بهم وبمطالبهم وإدارة حكم إقليمهم بأنفسهم فى السودان الحضارى المعاصر ، عندهم بمثابة ثوابت إدراكاً منهم لخصوصية وتمايز مشكلة جبال النوبة عن مشكلة أى إقليم آخر ، يتطلب الإعتراف بها كقضية من قضايا الوطن التاريخية ، والتى يتعين حلها عبر الحوار الموضوعى خلال القرار 2046 كمرجعية للتفاوض حول المنطقتين ، كما جاء فى قرار مجلس السلم والأمن الأفريقى وهذا القرار جاء مطابقاً لرؤيتنا السياسية لحل مشكلة شعبنا فى جبال النوبة والتى ظللنا ننأدى بها فى كل مقالاتنا ، من أجل تكريس واقع للسلام وإنجاز مستقبل مزدهر للمنطقة ، وإقامة نظام ديمقراطى يفتح الباب أمام التعددية ، ويستبعد أى شكل من أشكال الهيمنة الثقافية والعرقية ، فلذا النوبة يريدون الحفاظ على ما تبقى من السودان ، والوحدة المبنية على العدالة والإعتراف بالتعدد والتباين الثقافى والعرقى والدينى ، وبحقهم فى المشاركة فى السلطة والثروة ، من خلال حكم ذو صلاحيات واسعة لإقليمهم فى إطار دولة السودان الواحد ، وتحقيق مطالبهم العادلة وإزلة المظالم التاريخية التى لحقت بهم وبإقليمهم ، فلذلك أنها تحتاج من القائمين على أمر البلاد وكل الأطراف الى محاولة إعادة قراءة القضية ، وفقاً للملامح الأساسية لمسبباتها ، لأن هناك تعتيم متعمد ضرب على قضية جبال النوبة منذ البداية ، فكان له الأثر الكبير فى عدم إتاحة الفرصة لقراءتها بطريقة منطقية ، وخاصة ما صاحبها من التشويش المخل والمربك ، والذى أدى الى تعذر الرؤية الواضحة للأسباب الحقيقية والأساسية ومآلات ذلك ، وفقاً للتعقيدات المتلاحقة ، مما جعل البعض يعتقد أن حلها يكمن فى الحل الشامل ، فلذلك آن الآوان لإعادة قراءة هذه القضية بصورة جلية توضح الأسباب الحقيقية والأساسية تاريخياً وسياسياً وثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً ، حتى تتوقف محاولة إستغلال بسالة وتسامح وتضحيات النوبة سواء بواسطة الحكومة وإصرارها فى عدم الإستماع لصوت أبناء النوبة ، أو محاولة الحركة الشعبية وحلفائها فى الجبهة الثورية فى سعيها لحل القضية من خلال الحل الشامل ، والتى كانت مثار جدل واسع بين الحكومة والحركة الشعبية ، وتمحورت خيارات الوسطاء فيها ، حتى أستهلكت فأفرغت من محتواها وتجاذبتها أيدى الفرقاء حتى إنهارت المفاوضات بين الحكومة والحركة فى أديس أبابا مطلع الأسبوع الماضى ، والتى كانت خيبة آمل لجميع سكان جنوب كردفان والسودان ، وعلق الوسيط المفاوضات لأجل غير مسمى ، وذكر بأن الطرفان يقفان على مسافة متباعدة ، وأن من المسحيل أن يلتقيا ، فلذلك لا يستطيع أحد التقليل من حجم الكارثة أو النهايات التى يمكن أن تقود اليها ، ولكن وفقاً لواقع الحال بالمنطقة يتضح أن مفاتيحها موجودة لكن هناك من يريد إخفائها ولى عنق الحقائق حتى تتحقق مأربه ، وبالتالى نقول للأطراف المتساكنة أن القواسم المشتركة لحل المشكلة والوصول الى تسوية وسلام بالتراضى للتعايش ما زالت باقية فقط علينا تسوية منعرجاتها وسد تشققاتها ، وعلى القلة التى نذرت نفسها للإصطياد فى الماء العكر أن تكبح جماح الأطماع ، وأن توظف جهودها وأن تسعى بهمة وجدية فى إيجاد حل لقضية النوبة وإعطائهم ما يريدون وفقاً لرؤيتهم ، لأن الحل الثنائى بيد طرفى النزاع وفقاً للقرار 2046 لوقف نزيف الحرب والقصف الجوى وإنقاذ المتعلقين فى الكهوف ووقف النزوح وتقديم المساعدات الإنسانية ومناقشة الملفات السياسية والإنسانية والأمنية المتعلقة بجبال النوبة ، أما الحل الشامل ليس بأياديهم فلا يستطيع أحد مناقشة كل ما يتعلق بالمنطقتين ، ولكن محاولة إستغلال قضية جبال النوبة بواسطة مكونات الجبهة الثورية وقوى المعارضة بمختلف مسمياتها التى تحاول التبضع بقضية النوبة ومحاولة الدفع بها لحلها فى إطار القضايا القومية والحل الشامل لتكون جسر وحصان طروادة للوصول بهم لكراسى السلطة ، دون أى ضمانات أو سرد أى تفاصيل لمطالب النوبة ونسبة مشاركتهم فى السلطة والثروة والتنمية والتمييز الإيجابى لخصوصية قضيتهم ، مما يعنى تفريغ للقضية من محتواها ، فهى تحمل نفس الصفات الوراثية والسلوكية لديدن قوى المعارضة وكل حكومات السودان المتعاقبة والحالية وبما فيها كل الأحزاب والتنظيمات السياسية التاريخية ، لتكرار نفس السيناريو القديم حينما خرج النوبة صفر اليدين فى تشكيل أول حكومة بعد الإستقلال ، وتهميشهم فى الديمقراطية الأولى والثالثة ، وكذا ستبقى مشكلة النوبة ما بقى هذا التجاهل ، وعدم التفهم لحقيقة وكنه قضية النوبة دون سائر قضايا الوطن الأخرى ، فالتعامل معها من هذه الزاوية غير المنفرجة يورثها مزيداً من البقاء والعناء إن جاءت من خلال الحل الشامل ، لأنه حل لا لون ولا طعم ولا رائحة له ، ولا ضمانات تؤكد للنوبة حقوقهم ومطالبهم ، فلذلك ما لم تعترف الدولة وكل الأحزاب السياسية بقضية النوبة وخصوصيتها وفرد مساحة للتمييز الإيجابى لها دون بقية قضايا أقاليم السودان الأخرى لن ينعم السودان بالأمن والإستقرار.
الإعتراف بقضية جبال النوبة وخصوصيتها والمظالم التاريخية التى لحقت بهم والإعتذار لهم يمثل دوما حلاً للمشكلة وتعاقداً مجتمعياً ، وفرد مساحة للتمييز الإيجابى لهم غالباً ما يسير بالبلاد نحو الإستقرار ونحو تشكيل هوية وطنية جامعة تجمع الناس وتوجههم إلى الطريق اللازم لبناء دولة المؤسسات وإستكمالها ، والأهم هو أن قضية جبال النوبة لم تحظ بالنقاش الهادئ الموضوعى التى تستحقه ، فلذلك أى خصوصية لقضيتهم من خلال الحل الثنائى تعتبر حل وليست تعقيداً للمشكلة ،  وإننا متأكدون من أن أزمة قضية المنطقتين يمكن أن تعالج بنفس الطريقة التى عولجت فيها الأزمات السابقة فى بلادنا وسائر الأزمات من خلال الحلول الثنائية ، رغم قناعاتنا أن أزمة السودان لا تحل إلا عبر الحل الشامل والنظرة الواقعية لهذه الأزمات ، ولكن نحن أبناء جبال النوبة يجب أن نكون واقعيين فى تقييم أزمة المنطقة وفى البحث عن الحلول والمعالجات الثنائية ، لخصوصية القضية ، والتى لا تحتاج للمجاملة ، وحتى القوى السياسية وجميع الأحزاب لا تمتلك رؤية واضحة للحل الشامل فكيف نعلق آمالنا على حل لا يكنفه ضمانات ، وخاصة أن ما يجرى بشأن التفاوض الآن يدعو للقلق ويعكس عدم وضوح فى الرؤية ، وإن الحرب ضد شعب جبال النوبة جريمة ظلت ترتكبها كل الحكومات التى تعاقبت على دفة الحكم فى السودان ، ويعتبر دور المجتمع الدولى وجميع الأحزاب االسياسية أحد الحلقات المفقودة فى هذه السلسلة ، حيث إكتفوا بموقف المتفرج.
إننا فى جبال النوبة أمام صراع عسكرى لن يكون فيه غالب ومغلوب ، وأمام مشكلة سياسية خلقتها إختيارات خاطئة للنخب السياسية ، والمشكلات السياسية تحتاج إلى حلول سياسية ، والحلول السياسية تحتاج إلى تقدير الأمور بشكل صحيح والتدبر فى عواقب القرارات ، وتقدير الواقع بشكل صحيح وتدبر العواقب يحتاجان إلى قيادات ونخب واعية ، ولهذا تحتاج قضية جبال النوبة إلى عقلاء وتنازلات من كافة الأطراف وإلى إرادة سياسية وآلية للحوار وإستراتيجية للمشاركة خلال هذه التحولات التى طرأت على الساحة السياسية النوبية ومسرح العمليات والمأساة الإنسانية فيها قد تمتد لسنوات ، إذا لم يتدراك الأمر قبل فوات الآوان ، والقضية تحتاج إلى مساحة متسعة من العمل السياسى وليس العسكرى ، تحتاج إلى حوار صادق لمعالجة آثارها ، ولتفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية ، وفقا للقرار الأممى (2046) الذى يدعو الطرفين لحل الأزمة سلمياً حول المنطقتين ، ولكن وفد الحركة الشعبية يضع شروطاً صعبة حين يصر على عدم مناقشة قضيتى (جبال النوبة والنيل الأزرق) لوحدهما كمشكلة حقيقية يعانى منها سكان المنطقتين ، وإصراره على الحل الشامل ووضع أجنده وطنية بمشاركة كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى للوصول الى إجابة حول (كيف يحكم السودان قبل من يحكم السودان) ، ومطالبة المؤتمرالوطنى أن يقبل الحلول التى تؤدى الى الإجماع الوطنى والتوجه بالسودان نحو مسارات (وثيقة الجبهة الثورية) ، رغم أن قرار مجلس الأمن الدولى واضح كوضوح الشمس فى كبد السماء يتعلق بمنطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق لا يستطيع الإتحاد الأفريقى الحياد عنها ، أى مما يعنى التفاوض بين الحكومة وأبناء المنطقتين المعنين بالأمر وليس كل أهل السودان ، لأن حل مشكلتى النزاع المسلح بجبال النوبة والنيل الأزرق ، يتطلب من الحكومة الجلوس الى طاولة الحوار مع أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق وليس كل السودان ، والعمل على مناقشة قضايا التنمية ونصيب أبناء المنطقتين فى السلطة والثروة والتنمية ووقف إطلاق النار من أجل إيصال المساعدات الإنسانية الى المحتاجين وإستئناف مشاريع التنمية وحرية حركة المواطنين العزل ، وإطلاق سراح الأسرى والأطفال والنساء المختطفين ، وعدم إستهداف المؤسسات المدنية والخدمية والعمل على حماية المدنيين والتمييز الإيجابى على كل المستويات ، حتى يستشعر ويحس أبناء المنطقتين بأنهم تساوا مع بقية اهل السودان ، ثم بعد ذلك نفكر كلنا كسودانيين فى الحل الشامل لقضايا السودان ووضع دستور قومى نتفق عليه جمعيا ، فلذلك هذا لا يتحقق لأبناء المنطقتين من خلال ما يدعو ويسعى له ياسر عرمان ، والذين يديرون حول فلكه ويطبلون له ؟!!... وفى خضم هذا الصراع نرفض حل قضية المنطقة من خلال الحل الشامل ، لأنها تعنى تذويب وتميع للقضية وتفريغها من محتواها ، والتى من أجلها حمل النوبة السلاح وقدموا فيها التضحيات من أرواح ودماء ودفعوا الثمن غالياً وما زالوا الى اليوم ، دون سائر بقية أهل السودان ، وهو ما تسعى له الحركة الشعبية لتقويض القضية بمشاركة أطراف من خارج المنطقة ، والعزف على وتر القومية والنوبة هم حصان طروادة للوصول عبرهم الى المركز ، وهذا ما ظللنا نرفضه ، لأن الذى يده فى النار ليس مثل الذى يده فى النار والجمرة تحرق الواطيها وللأسف الآخرين لم يحسوا أو يشعروا بذلك.
وإلى اللقاء فى حلقة قادمة ....................
آدم جمال أحمد  -    استراليا – سيدنى  -    16 مارس 2014 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.