الحلقة الأولى  .. (1- 2 )

بقلم / آدم جمال أحمد -  سيدنى – استراليا
بات غير مخفياً لكل المتابعين للشأن النوبى فى الساحة السياسية السودانية ، بأن هناك مخططاً مرسوماً بدقة يستهدف قياداتهم التاريخية والمؤسسين للحركة الشعبية ، من خلال حملة منظمة يصاحبها تغييب لوعى الكثير من المثقفاتية وأصحاب تقاطعات المصالح والمواقف الهشة من أبناء النوبة بالحركة أو المتعاطفين معها ، فلا أحد منهم يجرؤ على الإعتراض على ما يحدث من تهميش وإقصاء وفصل متعمد لقياداتهم ، أو حتى تذمر أو إستنكار أو محاولة إستخدام عقولهم وليست عواطفهم ، لإدراك ما يجرى من تفريغ لقضيتهم النوبية عن محتواها والأجندة التى من أجلها حملوا السلاح ، ومحاولة إستغلالهم فى القتال ، وإتخاذ قضيتهم مطية وحصان طروادة للوصول بها عبر الحل الشامل الى كراسى السلطة ، رغم إختلاف القضية كماً ونوعاً عن مشكلة أى إقليم آخر ، ليس ذلك من باب الإدعاء أو المغالاة أو التعصب ، ولكن نتيجة لسبب الممارسات الخاطئة التى يرتكبها قيادات قطاع الشمال الثلاثى (عقار والحلو وعرمان) فى حق النوبة والتبضع بقضيتهم والمزايدة بإسم جبال النوبة ، فالمتابع لمجريات الأحداث داخل قيادة الحركة الشعبية يجد أن الخلافات بدأت تدب فى جسمها منذ العام 2010 قبيل الإنتخابات عقب فصل أكثر من (60) ضابطاً وقيادياً من الخدمة من أبناء جبال النوبة ، وتعمقت الخلافات وإنقسمت الحركة الشعبية الى معسكرين .. وذلك نتاج طبيعى لرد الفعل لورشة جَبَدِى ب(كاودا) فى الأسبوع الأول من مارس 2011  م ، والتى كانت قاصمة الظهر لقيادات الحركة الشعبية ، مما جعلتهم فى مفترق طرق ( دانيال .. الحلو .. جلاب .. تلفون ) ، بعد رفض القائد الحلو للتوصيات وقرارات الورشة ، والتى طالبت بإجراء إصلاحات واسعة داخل الحركة الشعبية بجنوب كردفان والعفو العام وإعادة جميع المفصولين الى صفوفها وإطلاق سراح اللواء تلفون دون شروط ، إستعداداً للعملية الإنتخابية وخوض غمار المعركة من خلال فتح باب الحوار مع الآخرين وعمل تحالفات من أجل ضمان الفوز وتوحيد الصف والقيادة والخطاب السياسى والإعلامى فى تلك المرحلة الحرجة التى تمر بها الولاية ، ولكن للأسف قوبل ذلك برفض شديد من قبل عبدالعزيز الحلو وبعض رفاقه ، فكانت صدمة للمجتمعين بورشة كاودا ، فجاءت نتيجة الرفض مخيبة للآمال .. والتى إعتبرها البعض ذات دلالات .. بأن يرفض قائد الحركة الشعبية القيام بقبول الإصلاحات والعفو واطلاق سراح تلفون .. نعم هى مفارقة لا تخلو من دلالات عميقة جديرة بالتأمل .. فماذا ينتظر شعب جنوب كردفان وأبناء النوبة الذين حاربوا مع الحركة الشعبية ، بعد أن إختزلت أدبيات الحركة الشعبية وقراراتها فى يد فئة معينة لها حق الرضا والقبول .. وهى ما زالت تركض لاهثة وراء السراب والأحلام الزائفة .. وإزدادت شقة الخلاف بظهور نتيجة الإستفتاء بإنفصال دولة جنوب السودان ، وتأزمت بإندلاع الحرب الأخيرة ، فى الإقليم فى يونيو 2011 ، والتى ما زال النوبة مختلفين حولها وعن جدواها ، وتعقدت أكثر بدخول الحركة الشعبية فى تحالف (الجبهة الثورية) مع حركات دارفور المسلحة متخذة من أرض جنوب كردفان منطلقاً لتنفيذ أجنداتها ، وقد وجهت قيادات رفيعة بالجيش الشعبى والحركة الشعبية إنتقادات شديدة اللهجة لقيادتها بشأن التحالف والكثير من التجاوزات القانونية والعسكرية ، وإعتبرته حلقة من مسلسل الإستبعاد المنظم لقيادات النوبة المؤثرين وصناع الثورة من الإشتراك فى صناعة المستقبل الذى ينشده جميع أبناء النوبة ، وخاصة أن قرار عقار لفصل جلاب جاء متزامناً مع إقتراب الجلسة التفاوضية بين الحكومة وقطاع الشمال ، والهدف منه قفل الطريق أمام محاولات خميس جلاب لتوعية النوبة بصف الحركة الشعبية بما يحدث لهم من موت ودمار من خلال حرب لا تحقق لهم مطالبهم ، وحثهم للإنحياز الى السلام ، وكذلك الى تصريحاته الشجاعة والمسئولة تجاه ما يحدث للمقوم البشرى لإنسان المنطقة ، لأن ما يحدث سيعود على الحركة بعواقب وخيمة وربما تهدد مستقبلها السياسى ، وفى ذات الوقت أن قرار فصل جلاب وتجريده من رتبته العسكرية وجدت إستنكاراً واسعاً ، من مؤسسات جبال النوبة بالداخل والخارج وبعض القيادات الميدانية ، متهمين فيها (الثلاثى) بتصفية الخصوم عسكرياً ، وطالبت هذه القيادات سلفاكير شخصياً مسؤولية حماية خميس جلاب المتواجد بجوبا ، إلا أن جلاب قال فى حديث له .. (إنه مناضل لأجل قضية جبال النوبة وجاء بتفويض من أهله على مدار (99) جبلاً وسيظل دون خوف أو وجل مدافعاً عنها بذات القوة والعزيمة .. وكشف عن مذكرة لأبناء جبال النوبة تسلمها رئيس الآلية الأفريقية الرفيعة ثامبو أمبيكى يرفضون فيها تمثيل وفد "قطاع الشمال" المفاوض بإسم جنوب كردفان / جبال النوبة ، وقال أن نضالات شعب جبال النوبة والحركة الشعبية لتحرير السودان ليس ملكاً او حكراً لمالك عقار والحلو ، بل ورثناه من أجدادنا وأباءنا ، ورثناه من الملك بعانخى وكوش والسلطان عجبنا والميراوى وأم دبالو والأب فيليب غبوش والشهيد يوسف كوة مكى ، ولا أحد منهم يملك حرمانى من شرف النضال والإستشهاد فى سبيله ، وسنناضل حتى نسلم الراية للأجيال القادمة ..).
هذا السرد يقودنا إلى ضرورة تسليط الضوء على القرارين رقم (11 – 2014) .. ورقم (1 – 2014) بتاريخ 30 يناير 2014 م ،من خلال البيان الذى أصدره الفريق مالك عقار إير ، مذيلاً بتوقيعه بإعتباره رئيساً للحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان ، قضى فيها بفصل اللواء خميس جلاب من عضوية الحركة وفصله وتجريده من رتبته العسكرية (اللواء) من الجيش الشعبى ، مستنداً بخطوته هذه على الدستور الإنتقالى للحركة الشعبية للعام 2013 وقانون الجيش الشعبى لتحرير السودان للعام 2003 ، ومنح القرار (حسب البيان) جلاب حق الإستئناف للجهات المختصة وفق الدستور وقانون عقوبات الجيش الشعبى ، فدعونا نغوص لنعرف ما هى المبررات ، وما هى الدوافع التى شكلت بموجبها اللجنة وإختيار رئيسها ؟ ، فتابعوا معنا الكثير من الحقائق المخفية عن النوبة ، من باب إنصاف اللواء (جلاب) رغم إختلافنا معه ، لا بد من إنصاف الرجل .. والحق يجب أن يقال ، لأن بلوغ موقف الإنصاف الكامل يعتبر هدفاً سامياً ، فلذلك سوف نتناول من خلال مقالنا بعض المحاورة المهمة ، والتى تتمثل فى .. من هو خميس جلاب .. ومن هو مالك عقار ؟ ولماذا فصل عقار جلاب من عضوية الحركة وجرده من رتبته العسكرية بالجيش الشعبى ؟ وهل يحق لعقار تجريد رتبة عسكرية منحتها له القوات المسلحة السودانية ؟ ولماذا جاء القرارين قبل إسبوع من جلسة المفاوضات بين الحكومة وقطاع الشمال؟ وماهى تأثير القرار وتداعياته وتطوراتها المحتملة وسط أبناء جبال النوبة وعلى الأوضاع داخل الحركة ؟ ولماذا رفض جلاب الإمتثال أمام لجنة التحقيق برئاسة اللواء جقود مكوار مرادة والرد على مذكرتهم؟ وما رد جلاب على قرار مالك عقار؟.

من هو خميس جلاب ومن هو عقار ؟
إسماعيل خميس جلاب هو من المؤسسين للحركة الشعبية بجبال النوبة ، وهو ضابط تخرج فى الكلية الحربية السودانية ضمن الدفعة (32) بدرجة الملازم فى العام 1983 ، وأتهم بالإشتراك فى المحاولة الإنقلابية منتصف الثمانينيات ، وهرب بعد ذلك وهو فى رتبة الملازم أول ، وإنضم للحركة الشعبية بداية العام 1985 وترقى الى رتبة اللواء (الكمندر) ، بينما إنضم الحلو برتبة النقيب فى نهاية العام 1985 ، فيما إنضم ياسر عرمان فى العام 1987 برتبة ملازم أول ، وحينها إعترض الكثير من القادة الجنوبيين إنضمام عرمان بإعتباره شمالى ، ولكن اللواء دانيال كودى هو من أقنع قرنق بإنضمام عرمان .. لأنه يعتبر إضافة للحركة ولقومية الحركة ، إما مالك عقار فقد إنضم للحركة والجيش الشعبى فى منتصف العام 1985 برتبة رقيب (شاويش) ، حيث كان يعمل معلماً للمرحلة الإبتدائية وتم اسره بواسطة قوات الحركة الشعبية وبعدها أعلن إنضمامه للحركة ، ثم ترقى الى رتبة نقيب ليصبح مسئولاً عن الأنقسنا ، ويعتبر جلاب الوحيد بين كافة قيادات الجيش الشعبى ينتمى للمؤسسة العسكرية خريج الكلية الحربية السودانية وليست (رتبة غابة)؟ وبعد إتفاقية نيفاشا تم تعينه والياً لولاية جنوب كردفان بإعتباره أعلى رتبة عسكرية والقائد العام لقوات الحركة الشعبية قطاع الشمال منذ إنضمامه للحركة فى العام 1985 وحتى توقيع الإتفاقية فى يناير 2005 ، وكانت القيادة الجديدة للحركة الشعبية بجبال النوبة فى بداية فترة تطبيق الإتفاقية بقيادة إسماعيل خميس جلاب فى إختبار حقيقى ، ومعه مجموعة من القيادات العسكرية ، حدثت لهم نقلة من العمل المسلح الى العمل السياسى ، وإدارة ولاية يحكمها القانون والمؤسسات ، دون أن تتاح له فرص أى تأهيل عسكرى أو سياسى أو حتى العمل خارج المنطقة سوى لفترة زمنية محدودة عملوها بالجنوب .. لقد كان مطلوباً من قيادة الحركة الشعبية بالمنطقة ، وجلاب كقائد ومسئول عن عملية تعتبر فى غاية التعقيد ، وهى الإنتقال بالحركة الشعبية من تنظيم عسكرى إلى تنظيم سياسى ، وفى نفس الوقت كان مطلوباً منه قيادة الولاية تنفيذياً كوالى بموجب الإتفاقية ، يحيط به مجموعة من (الكمندرات) حظهم فى التعليم والخبرة السياسية غاية فى التواضع ، جميعهم إلتحقوا بالحركة الشعبية تقريباً فى سن واحدة وبمستوى تعليمى متقارب (إبتدائى ووسطى وقليل منهم أكمل المرحلة الثانوية) ، أما حظهم فى العلم العسكرى فيقتصر على ما نالوه من تدريب مدرسة الحركة الشعبية بمعسكر (بونقا وأتيانق) وتم تعميدهم كضباط ، ومن بعد ذلك مضت الحركة فى تدريجهم فى سلك الضباط دون أدنى تأهيل إلا ما يكتسبه الفرد بمهاراته الخاصة ، ينظرون لبعضهم البعض والحال كذلك (كدفعة) ، لا يأبهون كثيراً لما يميز بينهم فى الرتب ، لأنهم يدركون فى غرارة أنفسهم بل والطريف يصرحون بذلك بأنها رتب (غابة) ... والحال هذا ينطبق عليهم المثل السودانى القائل (عندما تتلاحق الكتوف يقل المعروف) فقد تلاحقت كتوفهم بعوامل السن والتجربة المشتركة ، وعدم الإكتراث أو اليقين بأن ما يحملون من رتب هى معيار تمييز حقيقى بينهم ، وهذا ما جعل ياسر عرمان وعبدالعزيز الحلو ومالك عقار أن يصبحوا فى رتبة الفريق بالجيش الشعبى ، ويظل خميس جلاب خريج الكلية الحربية فى رتبة لواء منذ إنضمامه للحركة .. فيا للمفارقة ومعايير الترقى بالحركة الشعبية؟؟!!..
فلذلك أن الوالى إسماعيل خميس جلاب لم يجد بداً حين عهد إليه بتشكيل حكومته إلا أن يختار من القادمين الجدد للحركة (أسماهم مواطنى الولاية ) .. (جماعة تاكل بارد ) ، ونحن نسميهم (الذين آمنوا بعد الفتح ) ، وعليه فإن من قاتلوا تقاصرت مؤهلاتهم عن أن توكل إليهم أية مهمة ، ومن إلتحقوا بالحركة حديثاً تقسموا مقاعدها الوزارية وتمددوا فى هياكلها السياسية ، وهذا ما جعل الكثير من الكمندرات بالجيش الشعبى وبعض الضباط من أبناء النوبة ينتابهم شعور جارف بالإحباط بأن ما قاتلوا بشأنه لم يتحقق لهم ، وتمت برمجتهم على مفردات (تقرير المصير .. المد الثورى .. السودان الجديد .. القادة القادمون الجدد) ، فأصبح بعضهم ناقماً على جلاب ، وما زاد الطين بله عمد بعد (الكمندرات) إلى قفل المناطق التى كانوا يسيطرون عليها قبل توقيع إتفاقية السلام الشامل ، أو تلك التى تمددوا فيها بعد السلام ، وأسموها (المناطق المحررة) ، فعمدوا إلى تغيير مهمة بعض جنودهم وعينوهم كأفراد شرطة ، وأصبحت كل منطقة من ذلك النوع حاكورة ، يتولى (الكمندر) إدارة شئونها بأقبح صور الإدارة التى ليس لها واجب سوى تحصيل الرسوم والجبايات لمصالحهم من المارة والعائدين من المواطنين إلى المنطقة بعد أن سمعوا بحلول السلام ، لقد أعاق ذلك القانون الجديد الذى طبق ببعض مناطق الولاية ، قدرة حكومة جلاب عن تقديم أية خدمات لهذه المناطق ، بل أفرز ذلك الوضع إزدواجية غاية فى السوء فى الأوضاع بالولاية ، فالواقع يشير إلى وجود إدارتين بالولاية ، إدارة تمثلها حكومة تستمد شرعيتها من إتفاقية السلام وتمثل فيها الحركة الشعبية بالوالى جلاب وعدد (5) وزراء ، وإدارة أخرى هى إدارة (كمندرات) الحركة الشعبية فيما يسمى بالمناطق المحررة ، وما كان أمام الوالى خميس جلابالإستجابة فى إسترضاء الكمندرات للتصالح مع ذلك الوضع ، وبل تمادى أكثر بدعمه بإنشاء إدارات أهلية موازية لتلك القائمة حتى قبل الحرب ، فنشأ تبعاً لذلك قضاء أهلى موازٍ ، مع إستمرار لما عرف بمدارس الغابة. بالمنهج اليوغندى والكينى ،
ولعل من أكبر المفارقات فى ذلك الوضع ما حدث بين اللواء خميس جلاب ونائبه د.عيسى بشرى ، فقد دعا الوالى نائبه لقضاء العيد معه بمسقط رأسه بمنطقة تيما ، عند تحرك نائب الوالى لتلبية الدعوة إعترضته قوة حراسة المنطقة ومنعته من دخول المنطقة بحجة أن الوالى لم يستشيرهم فى هذه الزيارة وأنه ليست لديهم تعليمات بالسماح له بدخول المنطقة ، وهو موقف تعامل معه نائب الوالى بصبر وحكمة شديدتين فغفل عائداً فى طريقه ، فلذلك أن فترة تنفيذ الإتفاقية كان إمتحاناً عسيراً تعامل معه خميس جلاب وأهل الولاية بالصبر والحكمة ؟ مما ترك إنطباع سئ لدى الكثير وفشل للوالى والحركة معاً فى بداية أول إختبار حقيقى لإدراة ولاية وليست دولة ، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد تباينت المعرفة ولا أقول التفسيرات بشأن الإتفاقية ، وعندما أقول تباينت المعرفة وليس التفسيرات لأن قيادات الحركة الجديدة عمدوا إلى (نجر) إتفاقية أخرى فى أذهانهم خلاف تلك الموقع عليها ، ببساطة لم يتجشموا حتى عناء الإطلاع على الإتفاقية الموقع عليها ، أو حتى التبشير بالإتفاقية وشرح ما تم للمواطنين بالولاية ، فقد تقمصتهم مرة أخرى حالة من التوهان فذهبت بعقولهم ومردها خيالات وتوهمات بشأن الإتفاقية فسطروا فى أذهانهم ما لم يكتب فى الإتفاقية ، والأسوأ أنهم صدقوا ما تخيلوه من أوهام ، آخذين فى الإعتبار حالة غياب الوعى المستمر لدى معظمهم بسبب إنشغالهم على القضايا الإنصرافية بعيدة عن هموم المواطنين بسبب الإحباط.
وبعد إندلاع الحرب الأخيرة قدم اللواء اسماعيل خميس جلاب إستقالته من منصبه ، بوصفه وزير دولة بوازرة الثروة الحيوانية على خلفية التصعيد العسكرى فى الولاية  ، وعلل اللواء جلاب إستقالته بعدم جدوى مشاركته فى السلطة السياسية فى الوقت الذى تتم فيه ممارسات كبيرة وخطيرة لإنسان جنوب كردفان ، مثل القتل العشوائى وقصف المواقع المدنية بالطيران ، وإضطرار آلاف الأسر للنزوح ومغادرة المنطقة ، وما يلاقيه بعضهم من معاملة غير إنسانية أثناء رحلتهم ، وتعرض بعضهم للمضايقات والإعتقالات ، وإستهداف عضوية الحركة الشعبية بالولاية ، حتى الذين لا علاقة لهم بالاحداث الأخيرة ، وذكر بأنها محاولة من الحكومة للقضاء على الحركة بإعتبارها تنظيماً سياسياً ، وقال جلاب بأن هناك مخطط موجود أصلاً لدى المؤتمر الوطنى يستهدف مجتمع المنطقة بأسره ، ويستهدف نسيجه الإجتماعى ، ويستهدف التنوع الثقافى والإثنى والقبلى ، من خلال نهب للمتاجر والبيوت فى ظل غياب كامل لسلطة القانون ، وطالب اللواء خميس جلاب بوقف فورى لإطلاق النار ووقف عمليات القصف بالطيران ، والإغاثة العاجلة للمتضررين قبل أن يطالب بتحقيق مستقل ونزيه فى ما حدث وإجراء محاكمات عادلة. 
فلذلك أن هناك الكثير من الحيثيات التى تعزز الأسباب التى إستند عليها جلاب فى إستقالته ، والتى يتفق الكثيرون معه حولها ، فالحرب التى إندلعت فى ولاية جنوب كردفان ، والتى بدأت تقضى على أهم مقوم وهو (إنسان المنطقة) .. فهى حرب مخطط لها من طرفى النزاع منذ أمد بعيد ، وأصحاب القرار فى الطرفين لا علاقة لهم بهذه المنطقة أو بأهلها ، وبالتالى فهما عندما قررا إشعال الحريق هناك لم يكن فى حسابهما مواطن أو منطقة أو حياة سوف تتأثر .. وأن طرفى النزاع المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية ليس لديهما ما يفقدناه ، فلذلك لا تمثل لهم ولاية جنوب كردفان أكثر من منطقة تنازع أمنى وإقتصادى ، لأنهم لا يتلقون التعازى فى قتل عزيز او قريب ، ولا يستقبلون النازحين فى بيوتهم ، ولا يتأثر أبناؤهم بضياع العام الدراسى ويصبحون فاقد تربوى ، فلذلك أن قرار الفصل جاء للتخلص من جميس جلاب الوالى الأسبق لولاية جنوب كردفان فى عهد الشراكة بصفته أحد مؤسسى الحركة الشعبية والجيش الشعبى فى جبال النوبة وعضو مجلس التحرير القومى ، لأن إنتقاداته جاءت بصورة أكثر حدة ووضوحاً ، حيث إنتقد فيها ما أسماهم بـ (القيادة الثلاثية المكلفة) لإختزالها المؤسسات فى ثلاثتهم (عقار ، الحلو ، عرمان) ، وفشلها فى إدارة الفترة الإنتقالية للحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان فى الشمال عقب إنفصال الجنوب ، والخاصة بترتيب الأوضاع الدستورية والمؤسسية للحركة ، وإن إنتقادات اللواء جلاب التى جاءت فى بياناته ، قال فيهما أن عبدالعزيز آدم الحلو سبب الأزمات الحقيقية التى ظلت تلاحق جبال النوبة ، ودمغ جلاب الدستور الإنتقالى الأخير للحركة بـ (الباطل) واصفاً إياه بـ (مسرحية سياسية غبيه) .. وقال إن القصد منه تكريس السلطات فى أيدى من أسموا أنفسهم بالضباط القوميين (القيادة الثلاثية المكلفة) .. فالسؤال الذى يطرحه نفسه هل يحق لعقار أو غيره تجريد جلاب من رتبة عسكرية منحتها له مؤسسة دولة السودان العسكرية عن جدارة وإستحقاق؟؟.
ونواصل فى الحلقة القادمة ..........
آدم جمال أحمد    –   سيدنى  - أستراليا
22 فبراير 2014 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.