(1-3)
بقلم: آدم جمال أحمد – سيدنى – استراليا
تصاعدت أعمال العنف وحدة التوتر فى دولة جنوب السودان ، أحدث دولة فى العالم وشهدت العاصمة جوبا إشتباكات عنيفة راح ضحيتها مئات القتلى وألاف الجرحى ، وإتسعت دائرة المعارك التى إندلعت بين فصيلين داخل المؤسسة العسكرية فى مدينة جوبا ، قبل أن ينتقل إلى شوارع العاصمة ، وإستخدمت فيها الرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون ، وإحتدم القتال بين الأطراف المتناحرة فى محاولة إنقلابية فاشلة ، وظهر الرئيس سلفا كير ميارديت على أجهزة الإعلام ، وهو يرتدى زياً عسكرياً بدلاً من بدلته وقبعته المعتادة ، وأعلن للصحفيين بإنه أمر بحظر التجول فى العاصمة جوبا رداً على الأحداث العنيفة فى البلاد ، والتى إشتبكت فيها القوات الحكومية مع "مجموعة من الجنود المتحالفين مع نائب الرئيس السابق رياك مشار" ، الذى أقيل من منصبه فى يوليو الماضى فى عملية تطهير غير متوقعة .. ونتيجة لتسارع تفاقم الأوضاع فى الدولة الوليدة قد يسعى الرئيس سلفا كير ميارديت الى إعلان حكومة طوارئ عسكرية لإحكام السيطرة على العاصمة التى ما زالت تشهد مواجهات عسكرية متفرقة بين مجموعات مختلفة بالجيش الشعبى ، وخاصة بعد إحتلال مجموعات مسلحة من النوير لمدينة بور وإجلائها لقوات سلفاكير من منقلا ومقير وأكوبو والبيبور ، الأمر الذى يؤكد أن الأمور فى الدولة الوليدة تنجرف بسرعة ناحية الحرب الأهلية وعلى أساس عرقى ، مما حدى بسلفا كير الإستعانة بقادة من "النوير" عشيرة مشار ، والتى تأتى فى المرتبة الثانية بعد عشيرة كير "الدينكا" أكبر مجموعة عرقية فى جنوب السودان فى تهدئة الأوضاع بجوبا وطلب منهم فى إجتماع أمس المساعدة فى تهدئة الأمور والعمل على ترتيب الأوضاع ، وقال أنه لا مانع له فى إجراء حوار مع نائبه السابق ريك مشار من أجل إنهاء القتال الدائر على مدى خمسة أيام متتالية ، وإن إستمرار المعارك وتزايد العنف فى جنوب السودان رسالة توحى بفشل (مشروع السودان الجديد) ، ذلك المفهوم التنظيرى الفضاض الذى طرحته الحركة الشعبية ، والذى يبشر بسودان موحد إشتراكى وديمقراطى بلا تمييز من أى نوع ، وتقسم فيه السلطة والثروة بعدالة قائمة على حقوق المواطنة فقط ، وهى أفكار أساسية وجيدة ، ولكنها تفتقد القوى الإجتماعية الحديثة التى تضطلع بإنجاز المشروع ، والذى تم ذبحه بإنفصال الجنوب ، وخاصة ما تفرضه مجريات الأحداث ، لقد أضحى بموجبه مشروع السودان الجديد فى الجنوب هى قبيلة الدينكا التى تمثل الغالبية فى الحركة منذ تأسيسها .. مما وقف حجر عثرة أمام الحركة الشعبية أن تتحول الى حركة أو جبهة قومية بعيداً من ديكورية تمثيل بعض العناصر ذات النفوذ ، بالرغم أن الفرصة كانت كبيرة أمام قادة الحركة الشعبية بعد توقيع السلام أن تكون الحركة إمتداداً لمشروع الثورة الوطنية الديمقراطية ، والذى كان أول من صاغه هو عبدالخالق محجوب فى كتابه: «آفاق جديدة» ، الصادر عام ۱٩٥٧م ، عقب الإستقلال. وكانت هذه أول مبادرة لسودان جديد تبناها اليساريون والتقدميون ، وصعدت مرة أخرى فى ثورة ٢۱ أكتوبر ۱٩٦٤م بقيادة جبهة الهيئات ، ولكن إنقلاب مايو بقيادة جعفر نميرى إختطف الفكرة ، ثم أجهضها بالمصالحة الوطنية عام۱٩٧٧م ليقضى عليها نهائياً بقوانين سبتمبر ۱٩٨٣م ، فلذلك كان مستقبل الحركة أن يكمن فى إحياء مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية ، أى ما يسمى بالسودان الجديد ، ولكن يبدو أن مشروع «السودان الجديد» كان مرتبطاً بقائد الحركة الشعبية جون قرنق ، وكان يغذيه من كاريزميته الشخصية أكثر من التنظير له وبثه بين الكوادر والقواعد لذلك قبر المشروع مع غياب القائد ، لذلك أن المشروع سقط سقوطاً مروعاً ، ولا يحتاج هذا الحكم لتفصيل الأدلة على الفشل ، إذ يكفى الفساد المستشرى ، والفقر وتدنى مستوى المعيشة ، وتطور الجريمة – كماً ونوعاً ، وتدهور التعليم ، وتوّج المشروع فأصبح بلا رؤية ولا إستراتيجية أو أفق أو مستقبل.

صراع قديم يتجدد هل يساهم فى تفكك أم تماسك الحركة الشعبية:
إن تصاعد الخلافات فى وسط قادة دولة الجنوب كانت مسألة وقت ، لأن تاريخ الحركة الشعبية ملىء بالإنقسامات منذ بروزها إلى الوجود فى العام ۱٩٨٣م ، فشهدت الكثير من الإنشقاقات والتصفيات الدموية بين القادة ، وحتى أن د. رياك مشار المطاح به سبق له أن قاد فى العام ۱٩٩۱ أكبر إنشقاق شهدته الحركة ، كما أن الرئيس سلفا كير نفسه كاد يقود إنشقاقاً فى نهاية العام ٢۰۰٤م ، قبل أسابيع قليلة من توقيع إتفاقية السلام الشامل ، رغم كثرة تلك الصراعات ، فقد عًرفت الحركة الشعبية بقدرتها على تجاوز الخلافات ونسيان المرارات فى فترات مفصلية من تاريخها ، أظهرت ذلك فى العام  ٢۰۰٢ م  ، وفى بداية المفاوضات الماراثونية التى أفضت إلى إتفاقية سلام نيفاشا حيث عاد المنشقون جميعاً إلى الحركة تحت قيادة قرنق ، وظهر تماسك الحركة أيضاً فى أعقاب الرحيل المفاجئ لجون قرنق ، ونجحت الحركة فى لملمة جراحها والإصطفاف وراء قيادة سلفا كير ، وأيضاً نجحت الحركة الشعبية بإمتياز فى الحفاظ على تماسكها طوال السنوات الثمانية التالية على الرغم من بروز خلافات متعددة ، إلا أنها لم تؤثر على وحدتها حتى إنقضت سنوات الفترة الإنتقالية الست ، وحصل الجنوب على إستقلاله ولم تحدث خلافات فى بادئ الأمر ، بسبب أن المؤسسات والمناصب الرئيسية فى الدولة الجديدة ظلت هى إمتداداً لتلك التى تشكلت إبان الفترة الإنتقالية فى ظل السودان الموحد فى أعقاب الإنتخابات العامة التى أجريت فى العام ٢۰۱۰ م ، فهل المحاولة الإنقلابية الأخيرة والصراع الدائر وحدة الخلافات بين قادة الحركة يفضى الى وحدة وتماسك الحركة الشعبية مرة أخرى أم الى تفككها وهو ما يخبيئه الآيام القادمة.
ونواصل فى الحلقة القادمة ..........

آدم جمال أحمد     -   سيدنى – استراليا - الموافق ٢۰ فبراير ٢۰۱٣ م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.