كثر فى الآونة الأخير الحديث عن التغيير وإسقاط النظام ، وعلى ضوئها برزت أحزاب المعارضة على السطح ، وأسماء لحركات وأجسام عديدة وبمسميات مختلفة ، كل منها ينشد التغيير ، ولكن التغيير يحتاج منا إلى بداية فى أفكارنا بالذات ، بمرجعياتها ومسبقاتها وأحكامها .. والرهان هو أن نتغيّر على ضوء المتغيّرات الإقليمية التى حولنا فكراً وعملاً ، رؤية ومنهجاً وسياسة وإستراتيجية ، لإحداث تحويل مثلث الوجه ، بحيث نتغيّر به عما نحن عليه من إختلافات وإنقسامات فى صفوف المعارضة سواء كانت سلمية أو مسلحة .. داخلية أو خارجية على هدف ورؤية ، وذلك يتوقف على قدرتنا على تشغيل عقولنا المصادَرة وصرف طاقاتنا المشلولة ، وأن نتمكن فى إخلاص نيتنا فى إنقاذ الشعب السودانى من تسلط النظام وإزاحته بالطرق السلمية ، والعمل الجماهيرى من أجل مصلحة الشعب والمصلحة العليا للبلاد ، وليس أن يكون همنا ينحصر حول البحث عن المصالح الذاتية والشخصية والركض وراء المجد والشهرة وكراسى السلطة والمال ، كما يفعل الكثيرون منا فى المعارضة ، مما أقعدت بالمعارضة وكان السبب المباشر فى فشلها لإسقاط النظام ، فهل آن الآوان لقوى المعارضة أن تقبل بالتغيير وسطها لكى نتمكن من إستغلال مواردنا بصورة غنية ومثمرة  وفعّالة وراهنة ، بما نخلقه من الوقائع أو نحققه من الإنجازات أو نحدثه من التحولات فى غير مجال من مجالات الحياة ، حتى لا نصبح كالقبور من الخارج جميلة وداخلها ملئ بالشر والضغائن والمؤامرات والإختلافات والإنقسامات.
إنّ مستجدات ما بعد ربيع الثورات التى حدثت فى بعض الدول العربية تفرض علينا أن نتوقف مع أنفسنا للإستفادة من تلك التجارب وأخذ العبر والدروس ، ولا سيما السودان معلم الشعوب فى الثورات ، حتى نمارس التفكير بصورة نقدية وحرية مرنة ومفتوحة ومركبة تداولية مبتكرة وخصبة ومثمرة وفعالة ، من غير مصادرات أو مسبقات ، أو دونما تضخيم لذاتنا وتهويل وتهويم لمواقفنا ، وخاصة أن صحف المعارضة ومواقعها الإلكترونية والإسفيرية والكثير من أقلام كتاب وصحفى المعارضة أعتادوا فى لئ عنق الحقائق وعدم ذكر الحقائق ونشر الأكاذيب وتضليل الرأى العام والقارئ ، مما جعلنا نعيش وهماً ونركض وراء السراب ، حينما نتصور بأننا شارفنا على دخول الخرطوم .. والنظام يحتضر وفى أنفاسه الأخيرة ، كما كان يحدث من قبل التجمع الوطنى الديمقراطى فى تغبيش العقول ، حتى مات البعض بحسرته ، فلذا المطلوب منا أن نصدق القول ونكون واقعين ونعترف بقوة عدونا حتى نعرف كيف نتعامل معه من خلال إستراتيجية ممنهجة ومدروسة ، وبمعرفة مواقع القوة والضعف ، وليس من خلال الخطب الرنانة والمواقف البطولية المزيفة ، لوضع خطة ، وإختيار أدوات التغيير ، بحيث نكون قادرين على تغيير أنماط تعاملنا مع الذات ومع الغير ، من خلال المؤسسات والسياسات ثم مناخ الثقة الذى تصنعه العلاقة بين المؤسسة والسياسة فى إطار حكم ديمقراطى يعبر عن إرادة الشعوب.
إنّ الأمر الملحوظ فى السودان وخاصة فى ظل حكم حكومة المؤتمر الوطنى أنّ الفرد أقوى من المؤسسة بينما المطلوب هو العكس تماماً ، لأنّ المؤسسة باقية والفرد متغيّر .. فيجب أن نستشعر بالوطنية وأن نعمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن والمحافظة عليه وعدم المساس بأمنه وأراضيه ومنشآته وممتلكاته وموارد معايشه ومؤسساته ، لأننا كما ذكرنا بأن الوطن باقى وملك يسع الجميع ولكن الحكومات زائلة مهما طال أمدها وبقائها ، ولكن للأسف أنّ تجربة حكم الإسلاميين فى السودان المعاصر طبعت فى الأذهان مفهوم التركيز على الفرد وتضخيم دوره والإقلال من قيمة المؤسسة وجعلها مطية للفرد وأداة لتحقيق طموحاته وأطماعه ، بغض النظر عن المصلحة الوطنية العليا .. وطالما أنّ التغيير القادم الذى نشده فى السودان ليس بأن يكون تركيز المعارضة وجل همها هو إجتثاث المؤتمر الوطنى وكل عضويته أو من من ينتمى له ، أو أى حزب أو شخص نختلف معه والمساس بأمن الوطن والمواطن ، هذا هو الخطأ بعينه  بل يجب بأن لا تحركنا ضغائننا ومرارتنا ومواقفنا من النظام وأن نثأر لأنفسنا كما نشاهده ونلاحظه فى جميع أطياف قوى المعارضة بمختلف مسمياتها ، بل يجب أن نرتفع ونسمو فوق ذلك ، وأن نتجاوز قبل وبعد التغيير كل مرارات الماضى ، وأن نسعى لفتح صفحة جديدة لمستقبل مشرق لسودان حاملاً شعارات الحرية والكرامة للمواطن ، ولنا سوة حسنة بالرسول محمد (ص) فى فتح مكة حينما قال (أذهبوا فأنتم الطلقاء) ، فإنّ دولة الثورة يجب أن تقوم على التسامح وتقبل بعضن البعض وتجاوز الماضى ومراراته ، كما فعل المرحوم نيلسون مانديلا مع البيض فى جنوب أفريقيا ، وأيضاً على المؤسسات لا على بضعة أفراد ، لأنّ نجاح السياسات مرتبط بكفاءة المؤسسات التى تعمل تحت مظلة السلطات الرئيسية الثلاث: حيث يلعب البرلمان المنتخب دوره الرقابى والتشريعى ، وتمارس السلطة القضائية دورها المستقل ، بينما تدير السلطة التنفيذية عجلة الحياة اليومية ودولاب النشاط المستمر ، أما مناخ الثقة الذى يوفق بين التقاليد المستقرة للمؤسسات والمرونة المطلوبة فى السياسات ، فإنه لا يتحقق بغير الحريات الواسعة والمشاركة السياسية لكل أطياف الطيف السياسى ومختلف الأحزاب والتنظيمات ، والطرح المستمر للأفكار والمبادرات ، التى تحيل الدولة السودانية إلى قوة فاعلة ولا تجعلها عالة على العصر أو مجرد رد فعل ، وهذا يتطلب عمليات إصلاح جذرى وشامل لأوضاعنا الداخلية فى كل حركاتنا وأحزابنا فى قوى المعارضة بالحرية والتنمية والكرامة ،
وكي لا يبقى هدف الثورة السودانية غائباً وضعيفاً ، فلا بد أن تتوافر فيه الشروط التالية:
أولاً: تجاوز الماضى ومرارته وإجراء مصالحة بين جميع مكونان وأطياف الشعب السودانى والعفو عند المغدرة والتأسيس لحياة ديمقراطية دستورية تتجاوز حكم التسلط.
ثانياً: بناء دولة ديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة وحكم القانون ومعيار الكفاءة والناس سواسية ، والعمل على تطوير وتطهير الجهاز الحكومى وسائر الإدارات بما يتلاءم ومنطق دولة القانون والمؤسسات ، فالديمقراطية وسيلة غايتها الحكومة الرشيدة ، وما أكثر الديمقراطيات التى إنهارت على أيدى حكومات فاسدة.
ثالثاً: أن يكون فى مقدمة واجبات الحكومات الرشيدة السعى لتحقيق العدالة الإجتماعية بين المواطنين ، بما يتجاوز معسكرى الغنى الفاحش والفقر المدقع ويتفادى تفجير الصراعات الأهلية والنزاعات المسلحة والمتطرفة ، وإنقسام الوطن بين من يملكون ومن لا يملكون.
رابعاً: التشريع لمؤسسات مجتمع مدنى حرة فى ضميرها ورأيها قادرة على الخروج من بوتقة العصبيات التقليدية غير المعقلنة من تكوينات قبلية وطائفية وعصبية فى إطار من الفكر المنفتح والحوار المسؤول والتربية المتوازنة.
ويقيننا بإنّ الشعب السودانى لديه اليوم من الحكمة ومن حصيلة التجربة ما يجعله بمنأى عن إعادة المغامرات الثورية الدموية ، ولا سيما نحن نريد إنجاز الإنتقال من الإستبداد إلى الديمقراطية بأقل الخسائر ، ومن الطبيعى أنّ أى مرحلة إنتقالية لأى حكومة تتشكل ، بعد عقود من الجمود ، تحتاج منا لصبر ، لأنها لا تملك عصا موسى السحرية وحلولاً عاجلة لكل شىء ، وإنما هى البداية الصحيحة ، والخطوة التاريخية السليمة ، لفتح الأبواب وتمهيد الطريق لنجاح الإنتقال إلى دولة الحق والقانون ، والمهم أن يبدأ التوجه الصحيح والمخلص نحو هذا الهدف ، من دون تأخير وتسويف ، وبعدها فهى مسؤولية كل مواطن ووطنى غيور ، وبل الوطن كله بمختلف أطيافه الفكرية والسياسية فى نقل المشروع الثورى إلى آفاقه المتوافق عليها.

ولنا عودة  .......
آدم جمال أحمد   – سيدنى  –   استراليا
9 ديسمبر 2013 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.