بقلم / آدم جمال أحمد – سيدنى - استراليا
ما يعكسه المشهد السياسى فى جنوب كردفان / جبال النوبة اليوم ، وما يمكن أن تنبأ به إرهاصات الأحداث الجارية وتداعياتها على صعيد الواقع ، من تكهنات وإحتمالات غير محمودة ، كله يدور من حيث نتائجه السياسية المتوقعة ، فى دائرة شبه مغلقة ، من التعنت السياسى والعسكرى ، وردود الفعل المتعاكسه ، فى قوتها وإتجاهاتها ، ومن تصاعد فى اللهجة التى وجَّها رئيس الجمهورية عمر البشير الذى كان يرتدى البزة العسكرية مخاطباً حشداً عفوياً بالقيادة العامة فى أعقاب تحرير مدينة أبو كرشولا ، والتى أعلن فيها وقف أى تفاوض مع قطاع الشمال ، وقال: (أنه لا تفاوض مع عميل أو خائن أو مع مرتزقة وإرهابيين ، أو مع ما تسمى الجبهة الثورية) ، وقال أيضاً: (لن نعترف بما يسمى قطاع الشمال أو العدل والمساواة أو تحرير السودان) ، وهذا الحديث يعكس مدى النغمة التى سوف تلقى بظلالها على شعب جبال النوبة وسكان الولاية ، نسبة للغة السلاح والإتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع ، الأمر الذى يهدد بمخاطر جسيمة لا تحمد عقباها على مجريات التفاوض والسلام والإستقرار ومستقبل شعب ولاية جنوب كردفان والوطن..!

وبعيداً عن الوقوف أمام جذور الأحداث الجارية فى الولاية وأسبابها ، والبحث عن الحلول الواقعية التى تطفئ نارها ؛ فمن جانبها الحكومة وجدت من الهجمات التى شنتها قوات الجبهة الثورية والحركة الشعبية قطاع الشمال على مدن ومناطق بشمال كردفان وإحتلالها لمدينة أبوكرشولا ، قبل إستردادها وتحريرها بواسطة القوات السودانية ذريعة ، والتى بموجبها إتسعت دائرة الحرب فى عدد من الأماكن وبالخصوص فى ولاية جنوب كردفان ومناطق شمال كردفان ، وما رافقها من إعاقة وإنتهاكات لحرمة المواطن وتهديداً خطيراً على الأمن وهيبة الدولة ، مما دفع بإتجاه رفع وتيرة الإتهامات من جانب الحكومة للحركات الحاملة للسلاح والجهات التى تقف ورائهم ، ومطالبة حكومة دولة الجنوب بإنهاء تقديم الدعم والمساعدات لمتمردى الجبهة الثورية والحركات المسلحة ، للدرجة التى دفعت بالحكومة وعلى لسان الرئيس البشير بتوجيه إنذاراً إليها ، فى حال تم تقديم أى دعم من قبلهم للحركة الشعبية قطاع شمال ، أو للمتمردين فى دارفور، فسيقفل أنبوب النفط نهائياً ، وهذا الأمر بات يبعث قلق فى الأوساط السياسية فى الداخل ولخارج على حد سواء ، بأنها سوف تؤثر مباشرة وتؤدى الى وقف التفاوض لأهل منطقتى جنوب كردفان والنيل الأزرق الذين يقاسون الأمرين .. ويلات الحرب والمأساة الإنسانية من جراء الصراع المفروض عليهم ، بعد أن بدأت أشواقهم وأحلامهم تتعلق بمفاوضات أديس أبابا ، رغم إن النوبة أبرياء مما تقوم به الجبهة الثورية ، وحلفائهم قادة قطاع الشمال ، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
مع كل هذا الإحتدام فى معركة التصريحات والإتهامات المتبادلة ، يعجز مواطنى المنطقة والمراقب للأحداث من تلمس الأسباب الحقيقية التى تقف وراء ستر الأزمة ومحركاتها ، فالمتخندقون من أبناء النوبة وراء قيادات الجبهة الثورية قطاع الشمال وتصريحاتهم وإتهاماتهم المتبادلة ، لن يكفوا عن القول بأنهم أكثر إلتزاماً بإحلال السلام فى المنطقتين ، وليس لديهم أى رغبة للمساهمة فى حل إشكالية الخلافات القائمة بين طرفى النزاع الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال المتصارعة ، مما يتعذر جلوسهما الى طاولة الحوار والتفاوض ، فى وقت يتمسك فيه كل طرف بحججه وإتهاماته ضد الآخر ، لدرجة باتت فيه تلك الإتهامات تنال من هيبة الدولة ومراكز السلطات التى ينبغى أن تكون فى مقدمة الأوليات التى يقع على عاتق أى مواطن سودانى وطنى غيور على عدم المساس بالأمن القومى وسلامة الوطن وإستقرار مواطنيه ، والسعى للبحث عن السبل المناسبة للخروج من الأزمة.
لقد بات من الصعب الآن التمسك فقط بأدوات الصراع نفسه ، دون البحث عن مسبباته وجذوره الأساسية ، فالأستمرار فى محاولة الوقوف فى هذه الدائرة المغلقة من مراحل الصراع ، والتى فى حقيقتها باتت تعكس مستوى من تطور الأزمة نفسها ، أصبح ينذر بتفجر العملية السياسية من داخلها ، بما يهدد بفقدان بوصلة الحركات المسلحة ؛ وهذا ليس من باب المغالاة فى القول ؛ لأن طريقة معالجة مسار الأحداث التى تتابعت بوتيرة متصاعدة بعد إجراءات الحكومة فى وقف التفاوض مع قطاع الشمال ، لا تخرج فى إطارها العام عن ما جرت الإشارة اليه فيما تقدم ، وذلك من حيث التصعيد فى الخطاب الحكومى ، وتوجيه الإنذارات المتكررة من قبلها ، ومن سيل الإتهامات المتبادلة جراء ما قامت به قوات الجبهة الثورية ضد المواطنين وترويعهم ، مما منح الفرصة أمام تصاعد الخطاب الطائفى من قبل المتصيدين فى المياه العكرة كستار للتحرك من خلفه ، بالإضافة الى إستغلال الحركات المسلحة جماهير النوبة فى الزج بهم فى حروب لا تعود بالنفع والمصلحة لهم ، أو تحقق مطالبهم التى إعترفت بها الحكومة نفسها بأنهم ابرياء ولهم حقوق ومطالب عادلة ، ولكن بعد تصريحات رئيس الجمهورية فى القيادة العامة بدأت تنحرف عن أهدافها المعلنة والمشروعة ؛ هذا ومن جانب آخر، تحرك بعض القوى الإقليمية التى تجد مصلحتها تتحقق فى تفاقم الأوضاع فى جبال النوبة الى المستوى الذى من خلاله يمكنها تحقيق مصالحها الخاصة والتى لا تخرج بعيداً عن مضامين وأهداف إستراتيجية إسقاط النظام ومشروع (السودان الجديد) بما تحتويه من أهداف تصب فى خدمة الجهات التى تقف من وراء رسمها ووضعها رهن التطبيق الواقعى فى المنطقة ، المشروع الذى أصبح بمثابة كلمة السر فى الأحداث المأساوية التى تجتاح جنوب كردفان والسودان عموما ، والتى تفسر حقيقة الصراع والبعد الإقليمى والدولى فيها..!

ولنا عودة ..........
آدم جمال أحمد    –   سيدنى  - أستراليا
29 مايو 2013 م
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////