من هم النوبة وما هو دورهم ومساهماتهم وتضحياتهم:
تقع جبال النوبة فى المركز الجغرافى للسودان سابقاً ، والآن تمثل الجنوب الجغرافى الجديد للسودان ، تغطى مساحة ما تعادل 30000 ميل مربع ، وتمثل الفاصل الحدودى بين الشمال والجنوب ، وهى المنطقة التى تمثل جنوب كردفان .. وتشمل ولاية جنوب كردفان زائداً محافظة لقاوة التابعة لولاية غرب كردفان ، وتضم ست محافظات هى تلودى ، أبوجبيهة ، رشاد ، كادقلى ، الدلنج ولقاوة ، هذا الإمتداد الجغرافى المتسع يمكن إعتباره نموذجاً جيداً للتعدد الثقافى والعرقى والإجتماعى فى السودان .. مما جعلها تعيش أعظم فترة سلام أمنى وإجتماعى ولحقب طويلة ، فهى تضم مجموعة كبيرة من السلاسل الجبلية ، أما أسم النوبة فمرده للقبائل النوبية التى سكنت تلك المنطقة وإستطاعت أن تروض هذه الجبال الوعرة وتجعلها مكاناً للسكن والمرعى ، وخلقت المعابر والطرق .. وجبال النوبة منطقة للتعايش الدينى بين الإسلام والمسيحية والوثنية ، ويمثل شعب جبال النوبة بقايا السكان الأصليين الذين عاشوا فى الماضى بشكل واسع على نطاق السودان ، وتضم فى ثناياها أكثر من ثمانين مجموعة إثنية (من النوبة) بلهجاتهم وتواريخ حياتهم المختلفة ، وحدتهم تجربة مشتركة من التفرقة والتمييز ، خضعوا فيها  لتجربة إذلال متشابهة جعلتهم في مقتبل الأيام فى خانة التهميش من مجمل الفعل القومى الثقافى ــ الحضارى ـ السياسى ـ والإقتصادى ، خاصة من الصفوة الحاكمة فى السودان ، كما هو بائن للعيان فى صيرورات حياتهم الإجتماعية فى المجتمع السودان ، ألم تكن هذه الحيثيات كفيلة بوضعهم فى خانة الخصوصية لقضيتهم ولتاريخهم ولحضارتهم ولإجتماعهم؟ ويعيش النوبة فى جنوب كردفان ، ومناطق لقاوة والسنوط وكيلك والحجيرات ، التى تم ضمها الى ولاية غرب كردفان بقرار سياسى ، بالإضافة الى النوبة فى جبل الداير وكاجا وكتول والدواليب ، الذين تم ضمهم الى شمال كردفان ، فلذلك إن عودة هذه المناطق لإقليم جبال النوبة ( ولاية جنوب كردفان) حق ومستحق لأهلها ، ما دام أنها تلبى أشواقهم وتطلعاتهم ، لأن محافظة لقاوة بحدودها القائمة حالياً وجبل الداير تعتبران جزءاً أصيل من جبال النوبة ، فالمتتبع للأزمة التى خلفها تذويب الولاية يجد أن هذه الأجزاء من مناطق وأراضى النوبة قد ظلت ملتهبة ولم تتذوق طعم العافية والهدوء ، إلا بعودة الإقليم بحدوده السابقة ، والنوبة يتعايشون جنباً الى جنب مع قبائل عرب البقارة من مسيرية وحوازمة وبعض رعاة الإبل مثل الحمر والشنابلة ، بالإضافة الى بعض القبائل الأفريقية مثل الداجو والفلاتة والبرقو وبعض قبائل عرب الشمال والوسط ، وتعرض النوبة على مر القرون على غارات بهدف الحصول على الرقيق لمدة ستمائة سنة بموجب إتفاقية البقط عام 652 م ، والتى كانت لزاماً على مملكة النوبة المسيحية أن تدفع جزية سنوية عبارة عن 360 راساً من العبيد الذين يجلبون من جبال النوبة وفازوغلى ، وكذلك لحملات الممالك القوية فى دولة الفونج ودارفور حيث واصلتا الإغارة للحصول على العبيد ، لقد عانت منطقة جبال النوبة كثيراً من غزوات تجار الرقيق ، مما أسهم في تهميشها وإستنزاف قدراتها الإقتصادية والبشرية ، وإضطر المواطنون إلى حماية أنفسهم بالدفاع عن كيانهم ووجودهم الإحتماء بقمم الجبال ، مما أدى إلى عزلة سكان تلك المنطقة وأسهم فى تخلفها ونشأت بذور التطور غير المتوازن ، ولقد نشأت فيها مملكة تقلى الإسلامية ، إلا أنها كانت تتعرض لغزوات سلاطين الفونج والفور والمسبعات ، بسبب الحصول على الرقيق ، فالإسلام لم يكن جبل الجودى أو عاصماً لهم من تلك الغزوات الجائرة ، لقد عجز الأتراك العثمانيون على هزيمة النوبة وإخضاعهم تماماً وكذلك الإمام المهدى وخليفته ، وكذلك الإنجليز لم يتمكنوا من دحر النوبة إلا بصعوبة ، أى بعد إن أخمدوا أكثر من عشرات الثورات فى جبال النوبة ، ويمتلك شعب جبال النوبة ثقافات وتقاليد متنوعة وغنية وثمينة بصورة غير عادية ، ولقد ظلت قضية جبال النوبة تشكل إحدى الأجندة الحاضرة دوماً فى ملف السياسة السودانية ، بإعتبارها تمثل مصدر قلق دائم فى كل العهود والأزمنة ، فهى تأخذ أشكالاً تنظيمية قبلية وإقليمية (تنظيم الكتلة السوداء ، إتحاد عام جبال النوبة ، تنظيم كومولو ، الحزب القومى السودانى) ، ومنطقة جبال النوبة تشكل رقماً مهماً فى رصيد المقدرة القومية للدولة لموقعها الجغرافى ، ولأبناء جبال النوبة دور ومساهمات كبيرة فى المسيرة الوطنية عبر مختلف الحقب فى تاريخ السودان ، بإعتبارها قوى منتجة فى كافة المجالات الإقتصادية والسياسية والفنية والرياضية وحتى العسكرية بإعتبارهم قوام قوة دفاع السودان والجندية ، والتى أثرت على الحياة الإجتماعية فى السودان، كما يتمتع النوبة بقدر كبير من التعايش السلمى والتسامح الدينى ، الأمر الذى يعكس إنتشار أبناء النوبة فى كافة مدن وأرياف السودان ، وممارسة حياتهم الطبيعية فى وئام وإنسجام مع بقية مكونات الشعب السودانى ، لذلك جبال النوبة لا تستحق ما تشهده الآن من نزاع مسلح ، بل إنسان جبال النوبة يستحق أن يعيش فى سلام وأمن ، وأن ينعم بالتنمية وبرفع الغبن التاريخى والتهميش المتطاول عليه ، ثم جاءت فترة الحكم التركى المصرى التى أسهمت فى تعميق التطور غير المتوازن أو التهميش حيث تعرضت تلك المنطقة إلى إستنزاف كبير لقدراتهم البشرية والإقتصادية من خلال غزوات تجار الرقيق وعساكر الترك ، مما جعلها فى حالة حروب دائمة ضد تلك الغزوات ، وإضطرار النوبة لمزيد من العزلة على قمم الجبال ، وبعد الغزو التركى – المصرى عام 1821م ، تم ضم كردفان إلى دولة الحكم التركى ، وبالتالى أصبحت مملكة تقلى تابعة لتلك الدولة ، وإن إحتفظت بإستقلالها النسبى ووضعها الهامشى فى الدولة التركية ، وأيضاً لقد ساهم النوبة فى حماية المهدية ولولا النوبة لما إنتصرت المهدية ، التى رفضها أهل الشمال والوسط وغيرهم ولم يعترفوا بها ، ولا حتى بالمهدى نفسه ، فهرب وإحتمى بالنوبة ، ، لقد إستندت إنتصارات الثورة المهدية إلى مملكة (تقلى) الإسلاميَّة التى إزدهرت لقرنين من الزّمان ، كما إستندت إلى تراث الإيواء والنّصرة التى ظللّت بها جبال النوبة الثورة الوطنية المهديّة ، والعطاء غير المحدود الذى قدّمه المك آدم أم دبالو ، فلولا جبال النوبة لما إنتصرت الثورة المهدية ، ولما حررت البلاد من الحكم الأجنبى ، وقد تحصَّنت جيوش الإمام المهدى بجبال النوبة فى جبل قدير ، وكتبت أكبر إنتصاراتها وأكبر إنطلاقاتها لحصار الأبيض المدينة التجارية الأولى فى السودان حينئذٍ ، من بعد الحصار تمّ تحرير الأبيض ، وأعقبه التحرك إلى الخرطوم ، حيث دخلها الإمام الثائر ليحرَّر السودان ، ويُعلن الخرطوم عاصمة للشريعة من واقع حقيقة أن جبال النوبة كانت القاعدة العسكرية التى تحصن فيها ثمّ إنطلق منها الإمام المهدى ، ومن تلك القاعدة النضالية الصلبة إنطلقت مقاومة جبال النوبة للحكم الأجنبى الغازى ، وفى عهد الخليفة عبد الله التعايشى إنتفضت بعض القبائل فى جبال النوبة ضد دولة المهدية والتى أرسل إليها الخليفة عبد الله حملة وتجريدات عسكرية بقيادة حمدان أبوعنجة أحد أبناء النوبة والنور عنقرة وعبدالباقى الوكيل وإبراهيم الخليل لتأديب النوبة وإخضاع سكان المنطقة ، فلقى الآلاف من النوبة حتفهم ، بينما أسترقت أعداد كبيرة منهم ، وتم الترحيل القسرى لبقية الألاف منهم الى مدينة أم درمان فى أواسط السودان ، وتأسست بهم أحياء الموردة والعباسية وود نوباوى وأبوعنجة وأبوروف وشمبات وكوبر وبيت المال والملازمين وحى الضباط وبانت وأم بدة وديوم بحرى والخرطوم وغيرها من أحياء العاصمة المثلثة ، ويبدو أن غزوات تجار الرقيق لتلك المنطقة كانت مستمرة أيام المهدية ، مما جعل تلك القبائل تستمر فى الدفاع عن كيانها ووجودها وبالتالى لم تخضع لدولة المهدية بشكل كامل. 
وخلال فترة الحكم الإنجليزى قاومت قبائل جبال النوبة الحكم الإستعمارى ورفضت بعض القبائل دفع ضريبة الدقنية المفروضة عليهم من قبل الحكومة وأرسلت ضدهم حملات عسكرية ، وإستمرت إنتفاضات قبائل جبال النوبة ضد الحكم الإنجليزى ، وإشتعلت منطقة جبال النوبة بالثورات المتتابعة والمتلاحقة ضد الإنجليز ، فسحقت الإدارة البريطانية ثورات النوبة سحقاً دامياً وإستشهد الآلاف ، ولم تتمكّن الإدارة البريطانية الأجنبية من السيطرة النهائية على جبال النوبة إلا فى عام 1929 ، حيث قمعت المعارضة الثائرة بشراسة ، وذلك بعد ثلاثة أعوام من سيطرتها على ثورة جنوب السودان عام 1926م ، ولقد عاقبت الإداره البريطانية جبال النوبة التى ثارت ضدّها لواحد وثلاثين عاماً متَّصلة ، بوضعها فى تهميش تام ومحكم وفقاً لقانون المناطق المقفولة ، الذى إستنته الإدارة البريطانية عقاباً للثائرين فى جبال النوبة ، كما كانت جبال النوبة مصدراً للقوى العاملة لمشاريع القطن المروى وترتب على ذلك أن عملت الإدارة البريطانية على تكريس الوضع الهامشى للإقليم بقانون المناطق المقفولة 1922م ، ولكن السياسة الإستعمارية فشلت فى عزل منطقة جبال النوبة عن مؤثرات الوعى والتطور ، كما أهمل الإستعمار البريطانى التعليم فلم تدخل المدارس الإبتدائية إلا عام 1940م ، كما عانت منطقة جبال النوبة من التخلف المريع والإهمال والظلم الإجتماعى لفترة طويلة ، ولم تتم مواجهة حقيقية لمسألة العبودية وتجارة الرقيق إلا فى عام 1945م ، عندما أصدر الحاكم العام البريطانى " مرسوم الحرية " والذى تم بموجبه تحرير كل الذين كانوا رقيقاً ، وعند فجر الإستقلال لقد خرجت منطقة جبال النوبة من نصيب كل الوظائف خلال فترة السودنة صفر اليدين ، ولكن للأسف لم تكن الدقنية فقط هى التى كانت مظهراً من مظاهر ممارسة الإستعباد فى جبال النوبة ، فقد كانت أعمال السخرة التى مارستها الحكومة آنذاك ضد النوبة ، والتى كانت تتمثل فى أن يقوم المواطنون ببناء المبانى الحكومية من دون أجر ، والقيام بنظافة وكنس الشوارع العامة مثل شارع الأبيض كادقلى أو الأبيض الدلنج ، وكان يسمى بالشارع الحربى ، حيث تقوم كل مشيخة بإزالة الأعشاب والحشائش ودفن وردم المجارى المائية والبرك التى أحدثتها مياه الأمطار فى فترة الخريف ، وبعد الإستقلال لم يحدث تغيير يذكر في حياة المواطنين وشهد إقليم جبال النوبة إنفتاحاً بعد إلغاء قانون المناطق المقفولة وتكون اتحاد مزارعى جبال النوبة للدفاع عن مصالح المزارعين من العرب والنوبة . كما قاوم سكان جبال النوبة ديكتاتورية الفريق عبود التى حاولت ممارسة الأسلمة والتعريب القسرى ، وكانت هناك حملات إحتجاج ضد الضرائب.
فى فجر إستقلال السودان عام 1956م وعلى خلفية بسط الحريات السياسية فطن النوبة لأهمية التكوينات التحزبية بغية الاتحاد والتعاضد والنظر الثاقب نحو المستقبل ، ولكن لعدم توفر المقومات السياسية ونظراً لأن المنطقة كانت ماتزال تعانى من أثار السياسة العنصرية التى فرضها الإستعمار الإنجليزى ضد النوبة ، والنوبة بطبعهم ثوريين ومقاومين بشراسة ضد الظلم والضيم أين ما وجد ، فلذلك كانت منطقة جبال النوبة مهيأة للتمرد والثورة والإنفجار العارم منذ وقت مبكر من تاريخ السودان الحديث بسبب المظالم الكثيرة المتتالية ، والتى بدأت بتجارة الرقيق وجلب الرجال الأشداء الأقوياء للجندية والذهب منذ العهد التركى المصرى ، ومروراً بالضرائب والأتاوات فى عهد الحكم الإنجليزى مما أدى الى ظهور بعض الثورات ضد الإستعمار ، والتى شهدتها المنطقة وأشهرها ثورة السلطان عجبنا فى عام 1917 م ، ومع إنتشار التعليم والوعى أدرك النوبة ضرورة تنظيم أنفسهم فى جسم يمثلهم وأنشأوا فى عام 1965 اتحاد عام جبال النوبة الذى طالب بالحكم الذاتى وبحقوق المواطنة المتكافئة وبإلغاء ضريبة الدقنية المذلة التى كان يدفعها النوبة ، وهى ضريبة على الإنسان وقد فرضها خديوى مصر ويبدو أنها إستمرت إلى ما بعد الإستقلال ، وعلى ضؤ ذلك قام بعض أبناء جبال النوبة بتكوين أول عمل تنظيمى فى تاريخ السودان الحديث بأسم اتحاد عام جبال النوبة ، والذى إهتم كثيراً بتحرير الإنسان النوباوى من براثن الجهل والتخلف والعمل على تخليصه من ما كان يسمى بالدقنية.
كما قاوم النوبة نظام النميرى وساهموا فى حركة المعارضة العامة والإنقلابات العسكرية ، وبعد توقيع إتفاقية أديس أبابا طالب أيضاً أبناء جبال النوبة بالحكم الذاتى ، وهو الأمر الذى لم يتحقق لهم ، وبعد قوانين سبتمبر 1983م وإندلاع حركة التمرد فى الجنوب 1983م مرة أخرى ، إنضم بعض أبناء جبال النوبة إلى الجيش الشعبى لتحرير السودان ، وبعد إنقلاب يونيو 1989م ، تعقد الصراع الذى أخذ طابعاً دينياً ، وإزدادت نيران الحرب إشتعالاً حتى توقفت نتيجة للضغوط المحلية والعالمية بعد إتفاقية جبال النوبة لوقف إطلاق النار ، والتى جاءت من بعدها إتفاق نيفاشا فى 26/5/2004 م ، والتى أكدت على ضرورة الإعتراف بالتعدد الثقافى والعرقى واللغوى والدينى وأن يكون ذلك مصدراً لإثراء الوحدة فى إطار التنوع كما أكد على ضرورة التنمية والإستقلال وتوفير إحتياجات المواطنين الأساسية ، فلذلك يعتبر شعب النوبة من أكثر العناصر التى ساهمت فى بناء السودان وأكثر المجموعات التى قدمت التضحيات والنضالات مروراً بالتركية والمهدية والإنجليز والحكومات الوطنية ، لقد إستشهد أكثر من أربعة مليون شهيد من أبناء النوبة فى معركة كررى ، وإندلعت أكثر من واحد وعشرون ثورة ومقاومة مسلحة ضد الحكم الإنجليزى ، وما زال شعب جبال النوبة يقدم التضحيات ، ولكن رغم كل ذلك لم يجد غير الإهمال والتهميش والتشريد ووصفهم بنعوت غير كريمة ، ولقد قال الشيخ حسن الترابى مقولة مشهورة (من أراد أن يحكم السودان ويحقق الإنتصارات العسكرية عليه بشعب جبال النوبة ، فالذى يستطيع السيطرة على هذا الشعب سوف يسود فى السودان ويتحكم عليه ، لأن شعب لا يعرف الخوف ويتميز بالشراسة وأكثر حرصاً على وحدة السودان بإعتبارهم أهل البلد الأصليون ، ولهم مزايا عديدة ولكن رغم كل ذلك ظل مهملاً ومظلوماً ) ، فلذلك إن النوبة فقط يريدون أن يحكموا إقليمهم بصورة تطمئنهم وتعبر عن خصوصيتهم فى إطار السودان الواحد المتحد.

وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة ....................
آدم جمال أحمد  -    استراليا – سيدنى  -    7 مارس 2013 م

Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]