بقلم/ آدم جمال أحمد - سيدنى – استراليا
موقف الحكومة الرسمى وحزب المؤتمر الوطنى تجاه الحركة الشعبية قطاع الشمال لازال تحفه الضبابية ، وخاصة فى رفضه المتكرر الجلوس للتفاوض مع الحركة حسبما جاء فى تصريحات لقادة كبار بالحزب ، ومن خلال الخطاب الذى ألقاه الرئيس البشير أمام مجلس شورى المؤتمر الوطنى بصفته رئيسا للحزب الحاكم ، لا يبتعد كثيراً عن الرأى الغالب داخل الحزب الحاكم ، والذى يشترط فيه فك إرتباط قطاع الشمال سياسياً وعسكرياً بالحركة الأم فى جوبا وإعادة ترتيبه كحزب سياسى غير مسلح ، ورغم النفور والتباعد إلا أن رئيس الآلية الأفريقية الرفيعة ثابو أمبيكى لم تفتر له همة لقد ظل يجدد ويقدم الدعوة لكل من الحكومة والحركة الشعبية (قطاع الشمال) للجلوس والتفاوض فى أديس أبابا دون شروط مسبقة ، وفقا للقرار الأممى (2046) الذى يدعو الطرفين لحل الأزمة سلمياً ، رغم أن الحركة الشعبية ترى أن المؤتمر الوطنى يضع شروطا صعبة للتفاوض معها ، ولكن الحركة أيضاً تفعل ذات الشيئ ، وتضع شروطاً صعبة حين تصر على عدم مناقشة قضيتى المنطقتين (جبال النوبة والنيل الأزرق) لوحدهما كمشكلة حقيقية يعانى منها سكان المنطقتين ، وإصرار أمينها العام ياسر عرمان على القومية ، وفى أن أى حل سياسى يجب أن يكون حلاً شاملاً يستهدف فى المقام الأول وضع أجنده وطنية بمشاركة كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى للوصول الى إجابة حول (كيف يحكم السودان قبل من يحكم السودان) ، وتشكيل وفده للتفاوض من (10) شخصيات قيادية فى الحركة ، معظمهم لا علاقة ولا صلة لهم بالمنطقتين ، ومحاولته إبعاد أبناء المنطقتين للجلوس والتفاوض بشأن منطقتيهما ، ، ومطالبته المؤتمر الوطنى أن يقبل الحلول التى تؤدى الى الإجماع الوطنى والتوجه بالسودان نحو مسارات جديدة من خلال (وثيقة الفجر الجديد) ، رغم أن قرار مجلس الأمن الدولى واضح كوضوح الشمس فى كبد السماء يتعلق بمنطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق أى يعنى التفاوض بين الحكومة وأبناء المنطقتين المعنيين بالأمر وليس كل أهل السودان ، والتى تحتاج لمشروع حل إستراتيجى ورؤية سياسية لحل مشكلتى النزاع المسلح بجبال النوبة والنيل الأزرق ، يتطلب فيها جلوس الحكومة الى طاولة الحوار مع (المعارضة المسلحة) لأبناء جبال النوبة والنيل الأزرق وليس (قطاع الشمال) ، والعمل على مناقشة قضايا التنمية ونصيب أبناء المنطقتين فى السلطة والثروة ووقف إطلاق النار من أجل إيصال المساعدات الإنسانية الى المحتاجين وإستئناف مشاريع التنمية وحرية حركة المواطنين العزل ، وإطلاق سراح الأسرى والأطفال والنساء المختطفين ، وعدم إستهداف المؤسسات المدنية والخدمية والعمل على حماية المدنيين والتمييز الإيجابى على كل المستويات ، هل هذا يتحقق لأبناء المنطقتين من خلال ما يدعو ويسعى له ياسر عرمان ، ما لكم كيف تحكمون ؟!!... وفى خضم هذا الصراع ومحاولة ياسر عرمان من خلال سياسة (التكويش) فى إبعاد أبناء النوبة المتعلمين والمثقفين وقياداتهم المستنيرة ، التى ترفض حل قضية منطقتهم من خلال القومية ، لأنها تعنى تذويب وتميع للقضية وتفريغها من محتواها ، والتى من أجلها حمل أبناء النوبة السلاح وقدموا فيها التضحيات من أرواح ودماء ودفعوا الثمن غالياً وما زالوا الى اليوم ، دون سائر بقية أهل السودان ، وهو ما يسعى له ياسر عرمان لتقويضه بمشاركة أطراف من خارج المنطقة ، والعزف على وتر القومية.
ومن خلال تباعد المواقف بين الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال ، تحتاج الحركة الى حالة من التوازن الذى يحركها وفق الواقع السياسى السودانى ، فإنه بمقدورها أن تصل إلى حالة التوازن هذه من خضم الصراع وذلك بالتركيز على عدة نقاط تتعلق بطبيعة تكوينها بعد إنفصال الجنوب تتمثل فى التالى:
١- أن قضية المنطقتين (جبال النوبة والنيل الأزرق) لا يمكن حلها إلا عبر(الحوار والتفاوض) مع حاملى السلاح من أبناء المنطقتين وليس (قطاع الشمال) ، فلذا يجب أن يكون وفد التفاوض من أبناء هاتين المنطقتين ورئيس الوفد منهما ، لإعطائهم فرصة لتحقيق مطالبهم وفق رؤيتهم ، فما آن الآوان أن يستريح أبناء النوبة والأنقسنا من ويلات الحرب وينعموا بالأمن والإستقرار ، ويشاركوا فى السلطة وأن تكون اسماء مثل كوكو وكرتكيلا وكافى وتية وجقدول وكاكا وككى وكوشيه لامعة فى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووزارة المالية والبترول والداخلية والسلك الدبلوماسى ، فمن قال لكم بأن النوبة لا يريدون أن يحكموا هذا السودان ، لقد آن الاوان أن نتحدث عن قضايانا ومطالبنا بأنفسنا لا نريد ان يتحدث الأخرون نيابة عنا ، حتى تتغير نظرة الآخرين للنوبة بأنهم ليسوا أتباع أو شاغلى وظائف وضعية أو عساكر (بندقجية) أو حصان طروادة يسهل إنقيادهم ، ولا يتحقق ذلك إلا برفض ما يدعوا له ياسر عرمان وقطاع الشمال والجبهة الثورية ووثيقة الفجر الجديد عبر توحيد الخطاب السياسى والإعلامى والكلمة اوالصف لأبناء النوبة وتجاوز الخلافات.
٢- الشرط الأساسى لوصول قطاع الشمال إلى حالة من التوازن فى المفاوضات القادمة يوم 5 مارس 2013 م ، هو التركيز على التعامل من البؤرة الرئيسية وفق القرار الأممى (2046) فى نطاق وجوده فى جنوب كردفان والنيل الأزرق ، وليس التعامل من منطلق صراع المركز والهامش الذى يتسع ليشمل أقاليم أخرى تضيع بين مشاكلها قضية هذا الحيز المكانى لجبال النوبة النيل الأزرق.
٣- مستقبل ولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق يكمن فى تمثيل ومشاركة أبناء المنطقتين فى المفاوضات لتنفيذ مطالبهم وفق رؤيتهم ، وليست رؤية قطاع الشمال الموجود ضمن تكوين الجبهة الثورية السودانية ووثيقة الفجر الجديد ، ورفض الحكومة لها ، وفى حالة موافقة الحكومة على إستئناف الحوار ، يجد القطاع نفسه مواجهاً بقرار مجلس الأمن القاضى بضرورة التفاوض مع الحكومة السودانية بشكل منفرد مما تعتبره بقية الحركات المسلحة فى الجبهة الثورية عاملاً يفتّ من عضد تحالفها.
أما فيما يتعلق بموقف وتباعد الحكومة من الحركة الشعبية قطاع الشمال يتمثل فى التالى:
١- الحكومة ترى بان الحركة الشعبية قطاع الشمال ما هى إلا إمتداداً لإستراتيجية الحركة الشعبية والجيش الشعبى لدولة الجنوب ، وأن دولة الجنوب لن تفك إرتباطها بأبناء المنطقتين عسكرياً وسوف تظل تماطل لتضعف الحكومة بمزيد من الضغوط العسكرية لإسقاطها ، أما فك إرتباطها سياسياً فالحركة الشعبية تدعو خلال مؤتمرها المتوقع إنعقاده فى 16 مايو المقبل بجوبا إلى (تقوية الحركة الشعبية) وتمكينها لتحكم قبضتها على الجنوب ، وأن تحكم السودان شمالاً عبر تحالفات مرحلية مع حلفائها ، حتى يتحقق لها ما تريد لحكم السودان كله جنوباً وشمالاً ، وحينها سوف تدعو لوحدة السودان من جديد وفق هذه الإستراتيجية تسعى الحركة الشعبية الأم.
٢- إن المؤتمر الوطنى لا زال يرى فى الحركة الشعبية أنها (مهدد لمستقبله) ، فلن ينسى بأنها نافسته بضراوة فى جنوب كردفان وكادت أن تتغلب عليه لولا دخول المرشح تلفون كوكو المعتقل بجوبا حلبة الإنتخابات  ، ولا سيما أن المؤتمر الوطنى صرف الملايين وجمع ما بين الفريق عرديب (الهيئة القيادية) والفريق دانيال كودى (جناح السلام) فى حزب واحد للقضاء على الحركة الشعبية ، ولتذويب عضوية الحركة الشعبية التى أصبحت واقعاً لا ينكره إلا مكابر إمتلأت بهم شوارع الخرطوم ومدن جنوب كردفان وبقية مدن ولايات السودان المختلفة ، وأن يتم تذويبها فى حزب موال للحزب الحاكم بدلاً أن تتخطفها أحزاب اليسار التى وجدت عضوية الحركة أرضا صالحة وخصبة لتوفير الحماية والنمو ، وكانت الحكومة تعول على دانيال كودى كثيراً ، وجعلته الشريك الثانى لها فى حكومة جنوب كردفان وعضواً فى وفد التفاوض بشأن المنطقتين ، ليستقطب العسكريين الذين يحملون السلاح فى جبال النوبة ، إلا أنه فشل فى ذلك.
٣- الحكومة لن تستطيع أن تنسى تاريخ قطاع الشمال الذى كان جزءاً من الحركة الشعبية في جنوب السودان ، الأمر الذى يدعو إلى قلقها وتبريراتها الكثيرة حول العلاقة بينهما وتبعاتها من الدعم اللوجستي والعسكرى من مرتبات ومؤن وزخيرة وسلاح وترقيات وعلاوات تاتى من جوبا ، مما يجعل الحكومة تصر على فك هذا الإرتباط أمنياً وسياسياً ، ولا سيما أن قرار مجلس الأمن رقم 2046 يمنع دولة الجنوب من دعم أى مجموعات متمردة وعدم مدها بالسلاح.
٤- والنقطة الأخيرة أن الحكومة إستشعرت المخاطر الحقيقية من التفاوض مع الحركات مجتمعة من خلال منبر واحد كما يدعو له قادة الجبهة الثورية ، وقد فعلتها من قبل مع الحركات المسلحة فى دارفور، حين إنقسمت أيضاً على نفسها وفاوضتها الحكومة بطريقة البيع بالقطعة ، وإن رفضت الحكومة من قبل تجمع الحركات ومفاوضتها معاً ، إلا أنّ قطاع الشمال هل سيظل متمسكاً بما جاء في بيان الجبهة الثورية والفجر الجديد بضرورة إزالة النظام الحاكم بكل السبل ، ولا أن ذهاب الحركة وحدها للتفاوض مع الحكومة فى أديس أبابا قد يثير حفيظة حلفائها من حركات دارفور وبقية القوى السياسية الموقعة معها مما قد يؤدى إلى زيادة البلبلة حول مدى التزام القطاع بالمبادىء الثورية ، وهل مشاركة القوى السياسية فى الجبهة الثورية والفجر الجديد يمكن أن يتفق مع ما تنادى به الحكومة والقرار الأممى بأن يكون التفاوض حول المنطقتين.
ولنا عودة .....
آدم جمال أحمد     -  سيدنى – استراليا
20 فبراير 2013 م
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////