بقلم: آدم جمال أحمد – سيدنى - أستراليا
إنتظمت المفاوضات المتعلقة بالشؤون الإنسانية والوضع المتردى فى المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) بين وفدى الحكومة والحركة الشعبية – قطاع الشمال  فى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا ، ولا سيما الساحة السياسية السودانية هذه الأيام تنتظمها تماوجات هنا وهناك بدولة أثيوبيا ، هدفها المنشود هو البحث عن السلام ، كخيار هام وعاجل للمرحلة ، لكى يتجاوز عبرها الفرقاء ويلات الحرب والصراع ، التى أرهقت كاهل أهل السودان أجمعين في شتى مناحي الحياة العامة .. الأقتصادية والسياسية والاجتماعية .. الأمر الذي جعل السودانيين يهرولون خلفاً وراء السلام ، بالرغم إن طريق السلام فى السودان محفوف بالمخاطر وليس بالسهل ، فالتاريخ قد أوضح لنا أن السعى من أجل السلام فى بلادنا أمر شاق وعسير .. وملئ بالعقبات التى تحتاج الى الكثير من المثابرة والتفهم التام ، والإستعداد لإبداء التنازلات فى سبيل تحقيق السلام العادل لمنطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق فى إطار الحل السياسى الشامل لكل مشاكل السودان ، ومن المتوقع أن يصل الطرفان لإتفاق حول الأمر ، إذا صدقت النوايا وتوفرت الإرادة السياسية ، لتلافى الماسأة الإنسانية ، ووقف نزيف الحرب المدمرة التى حصدت أرواح الأبرياء وقتلت وشردت الألاف وأصبح الكثير من أبناء النوبة نازحين ، فلذلك لا أحد يرفض السلام ووقف الإقتتال بين الطرفين ، إلا الذين ليست لديهم رغبة ومصلحة فى إستقرار الولاية وأهلها ، وإستمرارية سعير الحرب وحصد أرواح أبناء النوبة والغافلين عن الأجندة الحقيقية للحرب ، التى لم تجلب غير الخراب والدمار والموت بالمجان.
إلا أن هناك بعض المحاذير والكثير من التساؤلات التى تحيط كنف هذه المفاوضات من بينها تشكيل وفد الحركة الشعبية – قطاع الشمال برئاسة أمينها العام ياسر عرمان ، كبيراً لمفاوضى القطاع بالعاصمة الأثيوبية ، وكيف أوكلت له مهمة التفاوض مع الحكومة تحت رعاية الوسيط الأفريقى ، وعضوية وليد حامد ، ومحاولة تجاوز أبناء النوبة والنيل الأزرق بالحركة الشعبية ، وتهميش دورهم فى المشاركة الحقيقية فى وفد التفاوض ، وخاصة أبناء النوبة بالخارج المعارضون للحكومة ، وهم الذين حركوا الآلة الإعلامية وقاموا بتعرية النظام وبث الصور وتحرير المقالات ونشر كتابات ساهمت فى تحريك الضمير العالمى حول ما يجرى فى جبال النوبة ، وبل قاموا بتنظيم كل المسيرات فى كثير من دول العالم ، وخاصة منير جبال النوبة الديمقراطى ، الذى دخل فى غرفة عمليات منذ أن إندلعت الحرب فى يونيو ، لا وجود لهم فى وفد التفاوض ، وأصلاً التفاوض حول قضيتى منطقة جبال النوبة والنيل المتعلق بشأن الوضع الإنسانى فيهما ، ولا نجد فى الوفد إلا أثنان من النوبة هما الدكتور أحمد سعيد وفيليب نيرون ، وواحداً فقط من النيل الأزرق هو هاشم أورطا ، فما علاقة بعض كوادر الحركة الشعبية والحزب الشيوعى من غير المنتسبين لهاتين الولايتين بها ، وما صلة ياسر عرمان على رأس الوفد ووليد حامد بهاتين القضيتين ، وياسر عرمان ووليد حامد معروفان بمواقفهما السلبية والعدائية تجاه النوبة وقضيتهم .. فياسر عرمان كان مسئوولاً عن ملف جبال النوبة بالحركة الشعبية لمدة عشر سنوات ، فى الوقت الذى نجد فيه أن كثيراً من أبناء النوبة داخل الحركة الشعبية كانوا مؤهلين لحمل هذا الملف .. وعندما يسأل عن سبب ذلك .. ينسب الى عدم وجود قيادة نوبية قادرة على حمل هذا الملف .. ولكن السبب أن الحركة لم تثق كل الثقة فى أبناء جبال النوبة ، وعرمان هو أول من وقف ضد حق تقرير المصير لأبناء جبال النوبة فى مؤتمر مصوع 1992 م ، وكذلك هو من ساهم فى إقصاء وتهميش الكثير من أبناء النوبة فى قيادة قطاع الشمال ، وعندما ترك ياسر عرمان الملف أوصى بتعيين (وليد حامد) لحمله حتى لا يخرج الملف عن دائرة الشيوعيين بالحركة .. ووليد حامد تشهد له مواقفه العدائية تجاه ابناء النوبة حينما رفض حضور أبناء النوبة لمؤتمر كمبالا ، ومواقفه فى قطاع الشمال تشهد له بذلك ، فهل تعين وفد الحركة الشعبية بهذه الشاكلة يدل بأن هناك أيدى خفية هى من ترسم وتخطط لهذا الدور ، أم أن قادة الحركة الشعبية ما زال لا يثقون فى قدرات أبناء النوبة ، أم أن أبناء الوسط النيلى والحزب الشيوعى بالحركة الشعبية هم من يسيطرون على مفاصل الحركة ومراكز القرار ، فمنذ متى كانا عرمان ووليد حامد قلبهما على جبال النوبة أو أهلها ، فلذلك لا خير فى عرمان ومتاجرته بملف أبناء النوبة ، وشخصية مثل ياسر عرمان وسعيه بقضية النوبة ، هذا لا يمكن أن نفهمه من أجل عمل وطنى ، لأن عرمان يبقى واحدًا من جنرالات الحرب فلا يمثل الشخص المناسب لقيادة الوفد ، ولا قيمة لعرمان عند مثقفى أبناء النوبة إلا كونه يصلح أن يكون واحدًا من االذين يمثلون الوسط النيلى بالجانب الآخر لخدمة مخططات الحزب الشيوعى ، بإعتباره ينسق وينظر بشأن جبال النوبة (جنوب كردفان) ، وكأنما هذه الولاية أرض بلا شعب أو شعب بلا (كبار) ، ولا يهمه ما يجرى أو يدور فى جبال النوبة ، إذا لم توافق مصالحه الذاتية ، لأنه يعمل ضد رغبات أبناء النوبة .. وعرمان نفسه يضحك على الحركة الشعبية – قطاع الشمال والجبهة الثورية فهو يفهم جيداً ماذا يعنى هو نفسه لها؟! متى تكون الحاجة إليه ومتى يكون الإستغناء عنه؟! وعرمان لا يملك مشروعاً سياسياً وطنياً متميزاً ، فكل ما يتحدّث عنه كذلك غيره من القوى الأخرى يلوكه .. وهذا ما جعله يتوه من تمرد إلى تمرد ، ويتطفّل فى ملفات قضايا لا تعنيه .. فمثلاً يتحدث عن قضية جبال النوبة والسؤال لماذا لا يتحدث عنها سابقاً ؟! هل هو من جبال النوبة؟! أم هو فقط فى (سوق الحرب)؟!
وتدخل أزمة المنطقتين من أول وهلة حول عرقلة الوصول الى تفاهم أو حتى الجلوس فى طاولة للتفاوض فى المسارين الأمنى والعسكرى فى إطار خارطة طريق الإتحاد الأفريقى وقرار مجلس الأمن الدولى 2046 ، وبموجب الدعوة التى جاءت من رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوى ثامبو أمبيكى ، والذى نعتقد أن أى إختراق لهذا المسار من قبل الوفدين ، وإلتزام الطرفين بوقف كافة أشكال العدائيات يضمن فتح مسارات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية للمتضررين ، ثم محاولة الإتفاق على ما تبقى من قضايا سياسية كتقسيم السلطة والثروة لحسمها فى جولة مفاوضات أخرى لوقف نزيف الحرب ، وبأن لا عودة عن عملية السلام الى الإقتتال من جديد ضمن قوام القضايا والعقد التى تشغل الرأى العام العالمى والاقليمى والمحلى ، بوصفها إحدى الأزمات التى قادت السودان الى حرب أهلية مدمرة ، إنتهت الى خسائر بشرية وتشريد ونزوح  فى منطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق ، وأخرى فى الثروة القومية والقدرات والطاقات والتى كانت يمكن تسخيرها لعملية البناء والتنمية الوطنية ، لأن الأوضاع الإنسانية فى جبال النوبة والنيل الأزرق لا تحتمل الإنتظار ولا يمكن ربطها بالمسار السياسى كواحدة من نقاط الخلاف الرئيسية ، التي تعتبر أصعب عقبة وقاصمة الظهر للأطراف في طريق الإتفاق ، والتى تحتاج من وفد الحركة الشعبية إبداء المرونة والجدية وحسن النية لأطمئنان الطرف الأخروتبديد شكوكه فى التوصل الى سلام حقيقى ، ويبرهن بأن لديه الرغبة فى فك إرتباطه السياسى والعسكرى بدولة الجنوب ، ولكن يبدو أن تعنت ياسر عرمان وتصريحاته وما يدلى بها لأجهزة الإعلام وتماديه فى إستعمال ألفاظ تحريف المعلومات بشأن المواقف التفاوضية من أول يوم وصوله العاصمة الأثيوبية أديس أبابا كانت إستفزازية ومحاولة لتضليل الرأى العام ، فلذلك نطالب بالتعديلات التالية:
1- أن يختصر تشكيل الوفد فقط لأبناء النوبة والنيل الأزرق ، لأنهما أدرى بمشاكل ومصالح أهلهما ومناطقهما ، والمثل يقول (ما حك جلدك مثل ظفرك).
2-    أن يكون هناك منبر للتفاوض خاص بقضية جبال النوبة فى شكل وعاء يتثنى للجميع المشاركة فيه لبلورة رؤية موحدة يتفقوا عليها جميعاً ، رغم وجود التباينات الفكرية والعقائدية والعرقية وليكون هذا لمصلحة جميع مواطنى المنطقة من نوبة وعرب وغيرهم ، نسبة لخصوصية القضية والمنطقة تحت رعاية إحدى الدول وبإشراف من الاتحاد الأفريقى والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوربى.
3-    أن تتاح فرصة كافية لأبناء النوبة بالخارج للمشاركة فى وفد التفاوض نسبة لتأثيرهم على مجريات الأحداث.
4- أن يكون هناك مؤتمر حوار جامع لأهل المصلحة من جنوب كردفان خارج السودان يشارك فيه كل قطاعات الولاية من أحزاب وتنطيمات سياسية ومنظمات مجتمع مدنى وقطاع الشباب والطلاب والمرأة ورجال الإدرارات الأهلية وقادة العمل والنقابات ووفد من الحركة الشعبية والحكومة ، وذلك من خلال البحث عن مخرج لإنتشال الولاية من مأزق الحرب والترسانة العسكرية ، التى تسببت فى الماسأة الإنسانية التى يعيشها إنسان جبال النوبة ، يشارك فية كل أبناء المنطقة دون تمييز ، لأن الحرب ظاهرة إستثنائية وليست أمراً طبيعياً فى حل الخصومات وتحقيق الأهداف.
5-    يتعين على أبناء جبال النوبة فى الحركة الشعبية وأبناء النوبة المعارضين بالخارج وضع رؤية سياسية خاصة بإقليم جبال النوبة ، منطلقين من رؤيتهم الواضحة لقضايا إقليمهم يضعون المبادئ والأهداف الإستراتيجية كمنطلقات مبدئية وسياسة تؤكد رغبتهم فى الوصول لتسوية للنزاع فى جبال النوبة (جنوب كردفان) بأسلوب عادل ومستدام عن طريق إزالة الأسباب الجذرية لقضية جبال النوبة ، وعن طريق وضع إطار للحكم يتم من خلاله ضمان حكم وإقتسام للسلطة والثروة بصورة عادلة ، لأن قضية منطقة جبال النوبة تختلف كماً ونوعاً عن القضايا الأخرى ، وقد شهدت ظلماً إقتصادياً وتاريخياً ، يتعين على الطرفين العمل سوياً ، والسعى معاً من أجل تحقيقها والإتفاق على المبادئ والعمل على حل قضية جبال النوبة (جنوب كردفان) فى إطار وحدة السودان والتأكيد على خصوصية قضية جنوب كردفان فى المحاور التالية:
1-الإعتراف من الحكومة بوجود قضية فى جبال النوبة وخصوصيتها ولفترة طويلة وهذه القضية هى التى أدت الى دخول النزاع المسلح بالمنطقة ، مع مراعاة الحفاظ على حدود إقليم جنوب كردفان الحالى دون أى تقسيمات أخرى.
2- تشكيل لجان تحقيق فى جرائم الحرب وإنتهاكات حقوق الإنسان التى تمت بالإقليم.
3 - التعويضات عن أضرار الحرب سواء كانت جماعية أو فردية.
4- معالجة الوضع الإنسانى المتردى والأمنى بالإقليم ، والعمل على تحسين الوضع الإنسانى عبر فتح ممرات أمنة وضمان توصيل المساعدات الإنسانية والسماح للمنظمات بتوصيل الإغاثات لإدراك الكارثة.
5- إقرار مبدأ التمييز الإيجابى لجبال النوبة فى ما فاته فى كافة المجالات من تنمية ومشاركتها فى جهاز الدولة.
6- إعمار المناطق التى دمرتها الحرب وتوفير الأمن فيها وتنفيذ مشروعات خدمات وتنمية تُعِين اللاجئين والنازحين على العودة الطوعية لمناطقهم التى هجروها.
7- ضمان حكم إقليمى ذاتى ذات صلاحيات واسعة لجبال النوبة تحت إدارة حكومة السودان  تخضع للمحاسبة والرقابة لفترة زمنية يتفق عليها.
8-  التأكيد على توزيع السلطات والموارد بعدالة ما بين الإقليم والمركز وعلى أن يقوم الأطراف بوضع التفاصيل وإجراء الترتيبات الأمنية الخاصة بجبال النوبة بملف منفصل ووقف إطلاق النار والدمج والإستيعاب وأن يقوم الأطراف بوضع تفاصيل ذلك.
9- أزالة كافة أنواع المظالم والغبن الإجتماعى والإقتصادى والثقافى ويشمل ذلك أى أراضى زراعية أو غيرها تم بشأنها تخصيص غير عادل وعلى رأس ذلك العمل على إعادة توزيع المشاريع الزراعية والأراضى بما يراعى حرمة القرى وحقوق السكان المحليين ، وإتاحة فرصة أكبر وأولوية لأبناء المنطقة فى إستثمار أراضيهم.
ونواصل  .......

آدم جمال أحمد – سدنى – استراليا
29 يوليو 2012 م
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]