بقلم: آدم جمال احمد - سيدنى – أستراليا
فى ظل سياق الإجراءات الاقتصادية التى إتخذتها الحكومة وقرارها برفع الدعم عن المحروقات - على وجه الخصوص - كانت له نتائج سياسية وكارثية ، وفى مقدمة هذه النتائج غضب الشارع السودانى وإرتفاع وتيرة الإحتجاجات الجماهيرية ، وخاصة فى ظل صعوبة التقليل أو الإستهانة بالأزمة الإقتصادية الحالية التى يمرّ بها السودان ، مما إستدعت الحكومة لإتخاذ حزمة من التدابير الإقتصادية والإدارية والإجراءات التقشفية الصعبة وغير المسبوقة ، فلذا من الطبيعى أن ترتفع وتيرة الغضب الشعبى هنا وهناك ، وأن تقع الإحتجاجات والتظاهرات وتنطلق ثورة الجياع بصرف النظر عن سلمية بعضها ، وغلواء البعض الآخر ، مما حدى بالشرطة لإستخدام القوة لتفريق المتظاهرين وكبح جماح الذين يمارسون التخريب وإتلاف الممتلكات العامة ، رغم أن كل المراقبين والخبراء والمهتمين بالشأن السودانى كانوا يتوقعون أن يحدث ذلك ، لأن الحكومة لا يمكنها أن تتوقع أن تمر مثل هذه التدابير الصعبة مروراً سلساً من جهة ، كما أنه لا يمكنها أن تعتقد بأن الشعب قابل لتقبل أىّ إجراءات تمس معاشه بإستكانة ورضاء وعن طيب خاطر ، فالأمر فى مجمله يقع ضمن سياق معادلة منطقية ، فالحكومة تتحمّل الأزمة وتداعياتها ومعالجتها ووضع الشعب فى الصورة ، و الشعب بدوره سوف يواجه صعوبة فى تمرير التدابير كنتيجة طبيعية لعنصر الصدمة الذى أربك حساباته اليومية ، فلذلك حتماً ستعانى الحكومة حتى تعبر الجسر ، وسيعانى قطاعات وأفراد الشعب حتى تمر العاصفة ، فلذلك الإحتجاجات الشعبية والتظاهرات التى حدثت فى مدن العاصمة المثلثة ومدن السودان الأخرى ، لم تكن بصورة منظمة ، أو تقف من خلفها جهات بعينها ، فلذلك يجب علينا أن ننظر لمجريات وتداعيات الأزمة برؤى ثاقبة وحيادية وبصورة منطقية بعيدة عن العواطف ، نجدها أمر طبيعى لا يدعو الى القلق بالنظر الى شدة الإجراءات التقشفية ، التى إنتهج فيها المؤتمر الوطنى نهجاً صريحاً وأمراً واقعياً حين قررت الحكومة رفع الدعم عن المحروقات بتوصية من البنك الدولى ، وهو إجراء يقرّ الكثير من الخبراء أنه ضرورى لإصلاح الاقتصاد السودانى عموماً ، ليس فقط لمواجهة هذه الازمة ، بل إنه إجراء عالى الكلفة سياسياً ، مهما كانت طبيعة التقديرات السياسية والتدابير المتخذة ، لأنه يثير سخطاً شعبياً جراء إرتفاع تكاليف المعيشة ، ولكن حزب المؤتمر الوطنى رغم إختلافنا معه ، إلا أنه بقدر كبير من الثقة لقد واجه عضويته فى المكتب القيادى وهيئة الشورى بالتقشف ، وفضَّل مواجهة مواطنيه بهذا الإجراء الصعب أملاً فى إصلاح إستراتيجى يرفع العبء عنه وعن أىِّ حكومة تحكم فى المستقبل حتى لا تضطر لإدارة إقتصاد فيه إختلال بالإمكان معالجته ، وأن من المتوقع أن يتحسن أداء الاقتصاد السودانى فى مدى ثلاثة أشهر ويتأقلم المواطنون معه ، كما يعتقد الخبراء الإقتصاديون والإتحاد الأوربى ، ومن ثم يتيح ذلك للحكومة وضع المعالجات الإستراتيجية على المدى البعيد ، فالمعادلة بكاملها لا غبار عليها لو تحدّدت حدود الطرفين وتمسك كل طرف بالواقعية بعيداً عن الغضب الأعمى ، أو الحسابات غير المنقطية ، غير أن هنالك ما يستوجب النظر والتدقيق بعيداً عن خضم هذه الأزمة ، فقوى المعارضة حالياً تحرِّض سراً وعلانية على التظاهر وإيصال الأمور الى منتهاها غير عابئة بفائدة التدابير المتخذة ، ولا مدركة لمآلات الأمور اذا ما مضت بإتجاه المواجهة ، ولا سيما أن حزمة الإصلاح التى تنفذها الحكومة حالياً هى فى جوهرها وبكاملها مطلب رئيسى من مطالب قوى المعارضة ، خاصة فيما يتعلق بإعادة هيكلة الدولة وتقليص الجهاز الحكومى وضغط الإنفاق العام.
ولكن يبدو أن قوى المعارضة السودانية هى الأخرى ، إتجهت تقديراتها وحساباتها نحو ذات الإتجاه وأخذتها العزة بالحدث وإعتبرت الأمر بمثابة (ثمرة ناضجة) آيلة للسقوط فى أىّ لحظة ، وترسخت لديها هذه القناعة الى حد فرغت فيه من إعداد تصوراتها لما بعد السلطة الحاكمة وحددت الفترة الإنتقالية والإطار الدستورى الذى يحكمها ، ولكى تقنع نفسها أن الأمر يجرى فى إطار الواقع وليس فى عالم الأحلام فقد تشجعت بإصدار البيانات والتصريحات التى تعج بها المواقع الإلكترونية وصحف المعارضة اليومية ، ولكن الأمر هنا يثير سؤالين هناك صعوبة فى الإجابة عليهما .. السؤال الاول هو هل بالفعل قرارات رفع الدعم هذه وإثارة الشارع السودانى والتظاهرات التى كسرت حاجز الصمت وتحدت الحكومة وخرجت الى الشوارع هل من شأنها تهديد بقاء السلطة القائمة وإسقاط الحكومة؟ أما السؤال الثانى هل غضب الشارع السودانى بالضرورة أن يدفع قوى المعارضة بإتجاه الجلوس على مقاعد الحكم بديلاً للحكومة الحالية ،  وفى ذات السياق هل تستطيع قوي المعارضة أن تتقدم صفوف الشارع لتكون قائدة له ، ومن ثم بديلاً جاهزاً؟
بالنسبة لإجابة السؤال الأول .. هنالك خلط لدى العديد من المراقبين ما بين إحتمال الغضب وحدود الغضب الجماهيرى ، ومآلات ونتائج كل ذلك ، نجد أن البعض يعتقد بأن خروج المواطنين الى الشارع وإحتجاجهم هو بمثابة اسقاط للسلطة الحاكمة ، أو هكذا يدور التصور الشائع فى الأذهان ، غير أن الأمر ليس بهذه البساطة ولا نقول السطحية ، ففى إطار المناخ الديمقراطي الذى لا يمنع التظاهر ، لا شىء يحول دون تعبير المواطنين عن إحتجاجهم على سياسات الدولة ، فهذا الأمر ليس جديداً ، وقد نسى البعض إن الإحتجاجات – مهما كان طابعها سياسياً أو حزبياً أو مطلبياً – جرت مئات المرات فى السنوات المنصرمة فى أنحاء وأماكن عديدة فى السودان وعلى وجه الخصوص فى العاصمة الخرطوم ، تظاهرات بسبب إمدادات المياه وأخرى بسبب الكهرباء ، وأخرى بسبب المواصلات ، بل هنالك إحتجاجات بسبب الطرق ، فلذلك أن ما حدث فى شوارع العاصمة الخرطوم وبعض المدن عبارة عن إحتجاجات إقتصادية دخلت إليها أصابع بعض القوى السياسية لتعديلها جينياً لتحقق مصالحها فى إسقاط النظام من مقعده والجلوس فى مكانه..!
وكان يمكن لهذه الإحتجاجات أن تتطور وتتسع قاعدياً ، بقوة دفع ذاتى ، لتمارس أعلى درجات الضغط على الحكومة لتتراجع عن قرار رفع الدعم عن المحروقات مثل ما حدث في عهد حكومة جعفر نميرى في زيادة السكرعام 1982 ، وما حدث فى عهد حكومة الصادق المهدى أبان الديمقراطية الثالثة عام 1988....!
ولكن ما حدث يوم الجمعة الماضية (جمعة لحس الجوع ) وما سبقها من تصريحات لباقان أموم فى حالة إسقاط النظام سوف يتقاسم البترول مع الشمال برميل برميل وفتح الحدود والتجارة وحرية التنقل والجنسية ، وإختلاف قوى المعارضة فى توقيع الوثيقة ورفض الترابى بأن يكون الصادق المهدى رئيس الوزراء فى الفترة الإنتقالية ، بالإضافة الى البيانات الصادرة من قيادات الجبهة الثورية والحركات المسلحة بأنها تضع السلاج جانباً وتوقف الحرب فى حالة لإسقاط النظام ، وظهور مالك عقار من على شاشة العربية وحديثه عن مشاركتهم في الإحتجاجات ، مما يدلل بأنهم لا يحاربون من أجل قضية شعب .. بل من أجل كراسى السلطة والحكم ، فلهذا كل ذلك أقام حاجزاً معنوياً سميكاً بين الجماهير ذات الأجندة الاقتصادية المباشرة والقوى المعارضة التى تريد حرق النظام ببتروله!! مما أيقظ الذاكرة الشعبية القريبة لجماهير الشعب السودانى لتستدعى ذكريات فوضى دامية وقعت إبان أحداث سابقة وإحتمال أن تحمل الرياح شرر الإحتجاجات إلى أماكن كل شىء فيها قابل للإشتعال!! .. والكل يدرك بأن الإحتجاجات الشعبية والتظاهرات السلمية حيال أمر حيوى ما ، ليست محظورة فى حد ذاتها وليست مرفوضة أو مستهجنة كما يروِّج البعض ، بل حق مشروع يكفله الدستور ، ولكن الفارق الوحيد هو فى ما إذا كانت تتوسل بالتخريب أو إرتكاب الجرائم التى يستحيل أن تدعها أجهزة الشرطة تتمادى ، فلذلك المواطنين السودانيين أدركوا منذ عقود أن البدائل الحزبية المطروحة فى الساحة لقوى المعارضة فى ظل تربص قوى مسلحة مرتبطة بأجندة خارجية هى الأكثر سوءاً وخطورة عليها من السلطة الحاكمة ولهذا تدير شأنها فى إطار محدد وبسقف واضح.
وأما فيما يخص السؤل الثانى .. فإن من المستحيل تماماً أن ينفتح الطريق لقوى المعارضة السودانية بكل ما علِق بثيابها من أوحال لكى تتسيّد الساحة وهى ليست بحال بديلاً مفضلاً لدى قطاع كبير من جموع الشعب السودانى ، فقد جرت تجربتها من قبل مراراً حين كانت ظروفها أفضل ، فما بالك وقد غرقت فيما غرقت فيه الآن؟ فلذلك من الصعوبة بمكان فى ظل هذه التداعيات وعدم التعامل بموضوعية أن تؤدى هذه الإحتجاجات والتظاهرات الى سقوط السلطة القائمة ، ما دام ظهرت على سطح الأحداث نفس الوجوه لمعارضة تختلف فى التوقيع على وثيقة من أول وهلة ، مما يعنى لا مساحة لها فى أرض الواقع إن كنا نسلِّم بأن السياسة هى فن الواقع.
وختاماً فى تقديرى أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التى يعيشها الوطن هذه الأيام هى امتداد طبيعى لأزماتنا السياسية ، لذا فإن الحل فى إجتياز هذه المحنة يتطلب ما هو أكبر من الجراحات الاقتصادية القاسية التى شرعت الحكومة فى تنفيذها.. فالأمر يتطلب معالجة سياسية شاملة من المفترض أن تتوافق عليها الحكومة والمعارضة وكافة القوى السياسية فى البلاد ، لأن الأوضاع المحتقنة الحالية تجعل الكل يفزع من المآلات والتداعيات التى يمكن أن ينتهى إليها الوطن ، وهى مآلات تهدد بتفكك السودان وتمزق النسيج الوطنى ، ومن ثم تعلو الجهوية والقبلية ليصبح هذا الوطن العزيز صومالاً جديداً فى المنطقة المضطربة التي نعيش فيها ، وهذا مصير مفزع لا أعتقد أن أهل الحكم أو أهل المعارضة يرغبون فيه ، لأنهم ببساطة لن يجدوا في هذه الحالة وطناً يتنازعون على حكمه ، وهذا الواقع يجب أن يقود القوى السياسية حاكمة ومعارضة بإتجاه إطفاء هذه الحروب التي تلتهم موارد البلاد وتحيل حياة المواطن إلى عذاب ومعاناة شاقة ، وإن هذا التوافق الوطنى الذى ندعو له ينبغى أن يسبقه تمهيد فى المسرح السياسى يسعى إلى خلق مناخ تصالحى ، وفى تقديرى أن هذا التمهيد يقع بشكل أساسى على عاتق السلطة التنفيذية والحزب الحاكم بتشكيل حكومة إنتقالية قومية ، تشارك فيه كل ألوان الطيف السياسى بما فيها المعارضة والقوى الحاملة للسلاح لإنقاذ البلاد ، إذا كانت المعارضة متحررة من أى قيود خارجية وحريصة للمساهمة فى بناء هذا الوطن ، وعلى الحكومة أن تقدم الكثير من التنازلات إذا كان يصب فى مصلحة الوطن والمواطن ، ولعل هذا ما ذهب إليه النائب الأول لرئيس الجمهورية عندما أكد وهو يخاطب البرلمان ، ضرورة مراجعة كافة السياسات السابقة وتقويم الأخطاء التى صاحبتها ، فمثل هذه المراجعة باتت اليوم ضرورة قصوى وإحتياجاً لا يمكن تجاهله ، لأنه ببساطة لا يمكن تقديم وصفة طبية للعلاج دون تشخيص الداء ، لأن من أكبر أخطاء حكومات الإنقاذ المتعاقبة خلال السنوات الماضية على الصعيد الاقتصادى ، أنها إعتمدت سياسات التجريب فى هذا المجال الحيوى الذى لا يحتمل التجريب أو المغامرة ، فالسياسات الاقتصادية طوال هذه السنوات ظلت محكومة بالمزاج السياسى والاقتصادى للوزير المختص ، وليت الإنقاذ ثبتت على نهجها الأول خلال سنواتها الأولى بدعوة المختصين وأهل الكفاءة والخبرة دون النظر الى ميولهم وأهوائهم السياسية من خلال مؤتمرات الحوار الوطنى ، ومن بينها مؤتمر الحوار الاقتصادى ، وكما يجب ألا تسعد المعارضة كثيراً ولا تطمئن لهذا المظاهرات ، وألا تراهن كثيراً عليها بأنها البديل ، فصدور بعض البيانات وتصاعد بعض التصريحات المستفزة قد يمضى بالأحداث إلى نقطة صفرية من الأحلام والأمانى ، تتساوى فيها الخيارات وتتماثل فيها البدائل!!..
ولنا عودة .......
آدم جمال أحمد   –   سيدنى – أستراليا   -  2 يوليو 2012 م
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////////