كثر الحديث والجدل فى الأونة الأخيرة عن مغزى زيارة الوفد الثلاثى لأبناء النوبة من قيادات الحزب القومى القادم من أمريكا الى السودان ، بين مؤيد ومعارض لهذه الزيارة ، فلهم التحية والتجلة ، فلا نستطيع أن ننكر بأنهم ليسوا قيادات لجبال النوبة ، إلا إذا كان من باب المكابرة أو الجهل ، ولا سيما بعضهم من صناع حركة كومولو الرافد الرئيسى للحركة الشعبية ، ولهم مساهماتهم فى مجريات الأحداث وصياغتها وفى تشكيل الوعى والنضال لكثير من القيادات الى نراها تصول وتجول فى الساحة سواء كانوا من منسوبى الحركة الشعبية أو الحزب القومى بتقسيماته المخنلفة ، ولهم قواعدهم وأنصارهم وجمهورهم ، ولهم صولاتهم وجولاتهم من خلال الجمعية التأسيسية ، ومن خلال التجمع الوطنى الديمقراطى المعارض فى أسمرأ والقاهرة ، ولكن الكثير من أبناء النوبة الذين لا يعرفون تاريخ العمل السياسى بجبال النوبة يجهلون ذلك ، ولكن غيابهم عن الساحة وصمتهم طيلة هذه السنوات دون أن يسمع لهم صوتاً حيال ما يجرى من أحداث فى المنطقة خلال سنوات الحرب الأولى أو أثناء المفاوضات أو بعد تحقيق السلام أو الحرب الأخيرة والجارية الآن وما تعرضت له جبال النوبة وشعبها لحرب مدمرة وشعواء ولإطلاق نار فى ظل غياب تحكيم صوت العقل ، وتعامل السلطة الحاكمة بالقوة المفرطة ، ولجوء الحكومة الى الحلول الأمنية فى التعاطى مع شأن قضية جبال النوبة ، مما أدخلت الولاية فى تردى وإنفلاتات أمنية وأزمة سياسية عميقة بالغة التعقيد ، ولا سيما إذا إستمرت وتيرة الحرب بهذه الصورة قد تدفع إلى مزيد من الدمار والخراب ، بعد أن إتسعت دائرة القتال وعم كل جنوب كردفان ، وإستهدفت المواطنين الأبرياء من أبناء النوبة ، فطالتهم أيادى السلطة الحاكمة وأسلحتها بالقتل والتشريد وإعتقالات واسعة فى صفوفهم وتصفيات وحرق ونزوح وارهاب وترويع دون تمييز أو مراعاة لأى جوانب إنسانية أو أخلاقية أو دينية ، مما خلق وضعاً إنسانياً مأساوياً بالولاية ، وهم فى صمت رهيب بعد هجرتهم إلى أمريكا ، وكنا نتسأل أين قيادات النوبة الحقيقيين ؟ وأين قيادات الحزب القومى ؟ وأين صناع حركة كومولو؟! .. وأخيراً خرجوا من صمتهم  خلال زيارتهم للسودان فى ظل المشهد السياسى القاتم والأليم فى جبال النوبة ، والتى جاءت بتلبية من المؤتمر الوطنى ، وهم ليس من صنيعة المؤتمر الوطنى كما يدعى ويفترى البعض عليهم بجهل وعدم دراية للتاريخ السياسى لجبال النوبة ، فهم قيادات لها بصمات واضحة فى جبال النوبة فى لحظة من الأوقات ، فلذلك كانت جبال النوبة فى حوجة ماسة لمثل هذه الزيارة فى هذا التوقيت ، بعد أن تعشش الحزن على أرجائها ، فتحتاج لرمى حجر لتحريك تلك المياه الساكنة ، بعد أن فقد فيها الشعب أى بارقة أمل فى السلام وتحقيق الأمن والإستقرار.
لقد تحدث الوفد الثلاثى وقاموا بجولات عديدة حيث تواجد أبناء النوبة ، وبعض مناطق جنوب كردفان ، ولكن كل من تابع أو حضر تلك اللقاءات أصيب بخيبة أمل ، لقد صبوا جل حديثهم فى نقد الحركة الشعبية وحملوها كل ما يحدث بالمنطقة من تجاوزات ، دون أن يقوموا بنقد الحكومة وتحمليها ما حدث ، فأنظروا كيف أفسد المؤتمر الوطنى برنامج الوفد الزائر والقادم من أمريكا .. لقد كان شعب جنوب كردفان وأبناء جبال النوبة بالداخل والخارج وكل الشعب السودانى فى إنتظار أن يقدم لهم هؤلاء الثلاثة رؤيتهم الخاصة ومبادرتهم حول الوضع فى ولاية جنوب كردفان من منطلق مسؤوليتهم الشخصية كأحد القيادات التاريخية لجبال النوبة ، وشرح إستعدادهم للتأثير فى مسار الأحداث ، ليضعوا بذلك نهاية لحالة الحرب التى بدأت تأخذ تشكلها على ذات النسق الذى تشكلت به أزمة دارفور من قبل .. وأن يعبّروا عن ذلك من خلال ملخص لنقاط فى ورقة ، وأن يتمحور الحديث والنقاش حول الوضع الراهن وما يجرى من أحداث .. وأن يظلوا بعيدين عن الأضواء وأن ينهمكوا فى إتصالات ومشاورات مكثفة مع عدة أطراف على صلة بأزمة جنوب كردفان الحالية ، من أحزاب سياسية وقيادات مجتمعية ومدنية وقيادات تنفيذية ورفاق فى الحركة الشعبية والعديد من النشطاء والمهتمين بالأمر ، لينتهوا الى رؤية ، دون توجيه أى نقد لاذع للحركة الشعبية ومحاولة إكساب ود الحكومة ، مما أفقدهم المصداقية من خلال عرضهم الذى قدموه والظهور الإعلامى الواسع لهم ، بدل أن يتشدد الوفد فى لقاءاته وحديثه عن أولوية وقف العمليات العسكرية فى المنطقة وبأعجل ما يكون ، لأن الذى يتحمل الخسارة الأكبر من الحرب ليست هى الحركة الشعبية فى الجبال أو النيل الأزرق ، ولا الحكومة فى الخرطوم ، وإنما هم مواطنو جنوب كردفان عموماً ، وعلى وجه الخصوص مجتمع النوبة فى المناطق التى تدور فيها العمليات وتسقط عليها القذائف والمتفجرات وتُزرع فيها الألغام .. لأن شعب جبال النوبة يتعرضون للموت والحصار فى مناطق معزولة ، أو يضطرون الى الهرب من مناطقهم واللجوء الى أى مكان أقل أذى من الجحيم الذى فرض نفسه عليهم دون أن تكون لهم ناقة أو جمل ويتحمل بذلك أكثر من غيره نتائج الحرب وآثارها ، وكنا توقعنا بأن يوجهوا نقد لاذع لحكومة المؤتمر الوطنى ويحملوها خطورة حقيقية إستمرار الحرب فى المنطقة ، ومطالبتها بالسعى الجاد لوقفها بأعجل ما يكون.   
ولكن للأسف مجرد وصولهم الخرطوم ، لقد أحسنت الإنقاذ إستقبالهم ، وهيأت لهم مقابلة مسئوليها الكبار ونظمت لهم لقاءات مع تنظيمات المؤتمر الوطنى على مختلف المستويات ، فبادل الوفد الحكومة إحسانها بإحسان هو صمتهم عن قول أى كلمة تدين الإعتداءات التى يتعرض لها أهلهم فى جبال النوبة .. ولكن يبدو أن الوفد القادم لا يمتلك رؤية سياسية تتضمن بوضوح كامل حل للقضية ، على أن يقدموه بدافع لرفع الأذى عن أهلهم ومنطقتهم التى تحولت الى مسرح لحرب الوكالة ، ومن منطلق شخصى مستقل دون مؤثرات من جهة ودونما إنتماء لأى جهة ، ولكن لقد أطلق الوفد القادم من أمريكا هذه الأحكام وهو بالخرطوم قبل أن يقف على حقيقة ما يجرى فى أرض الواقع بالولاية ، ومثل هذه الأحكام لا تفيد ، وخاصة لمن كان يسعى بجدية لحل المشكلة ، وبشكل عام لا أحد عاقل يرفض السلام والإستقرار والأمن ، أو يعلن وقفوه مع الحرب وعدم إستعداده للعمل مع الآخرين من أجل وقفها .. إلا أن رسالتهم لم تصل بالوضوح الكافى بسبب حشر جماعة المؤتمر الوطنى أنوفهم فى برنامج الوفد بشكل سبب لهم الكثير من الحرج وأفسد عليهم جزءاً مهماً من الرسالة التى أرادوا توصيلها للرأى العام ، دون طرح بدائل من خلال رؤية سياسية متكاملة وترتيبات أمنية أو حلول واضحة للقضية ، دون توجيه النقد لأى جهة ، ونقول لهم نحن نمتلك هذه الرؤية السياسية المتكاملة لحل قضية جبال النوبة ، وتجاوزنا مرحلة الحديث بأن الشماليين ظلمونا وهم سبب تعاسة النوبة ، لأنه أصبح فى تقديرنا إستهلاك للحديث ومضيعة للوقت ، ولكن المهم ماذا نريد وماذا يجب أن نفعل لتحقيق أهدافنا والحصول على مطالبنا ، دون أن نبكى ونندب حظنا على الماضى ، فحديثهم عن الإطار الإتفاقى أو المشورة الشعبية أصبحت عبارة عن ذر من الرماد فى العيون ، لقد تجاوزها الزمن وأبناء النوبة ، لأنها لا ترتقى الى تحقيق مطالبهم وحقوقهم العادلة ، ما لم تعترف الحكومة بأن لجبال النوبة قضية وخصوصية ، ويجب أن يتعامل معها المركز بموضوعية ، ليكون هناك تمييز إيجابى وعدم تفتيت لهذا الإقليم المثقل بالجراح ،  والمحافظة على حدوده الجغرافية ، لأن خيارات أبناء الإقليم مع وحدة السودان ومطالبهم الأساسية تتمثل فى حكم إقليمهم من خلال حكم واسع فضفاض ذات صلاحيات واسعة ومشاركة فاعلة على كافة المستويات مركزياً مستندة على تمييز إيجابى بأثر تاريخى لمجموعات النوبة بجانب المجموعات الأثنية الأخرى ، وتحقيق تنمية متوازنة وخدمات كبيرة ليلحق بركب الولايات الأخرى ، بالإضافة الى تخصيص نسبة من عائدات البترول والموارد الأخرى لصالح الإقليم .. وتوفير فرص توظيف لأبناء الاقليم فى جميع مستويات ومؤسسات الدولة ، على أن تتضمن هذه الحقوق فى دستور دائم للسودان بشهادة المجتمع الدولى مبنياً على حجم الإقليم سكاناً ومساحة .. بإعتباره من الأقاليم الاكثر تهميشاً فى السودان.
وأخيراً نقول للوفد القادم من أمريكا إنكم ليس صنيعة المؤتمر الوطنى بل قيادات للنوبة ، لم تصنعكم الصدفة أو الغفلة ، بل صنعتكم الأحداث فى جبال النوبة .. ولكن الذى لا يملك القدرة علي نبش نفسه ، يستحيل عليه أن يعيد صياغة إنسانيته ، مهما تبدلت الأحوال وتغيرت الظروف ، فالقائد الحقيقى لا يدعى الإنفراد بمعرفة حقائق غير مبسوطة للعامة كما تتدعون ، ولكن كونوا موضوعين فى طرحكم للحقائق ، لقد فات عليكم الآوان ولن تعيدوا عجلة المتغيرات بجبال النوبة للوراء ، لقد إجتهد أبناء جبال النوبة بالخارج والداخل خير إجتهاد للخروج بجبال النوبة من دائرة التهميش والظلم الواقع عليهم من قبل المركز والجنوب بعد صمتكم الطويل ، وبالرغم أن موضوع التهميش كان غائباً تماماً عن الخطاب السياسى التقليدى فى الشمال ، والآن صار الموضوع الرئيسى على صفحات الجرائد المحلية والعالمية ، وإستطاعوا توصيل قضيتهم الى مراكز القرار والمنظمات الحقوقية فى العالم وللمجتمع الدولى ، لكشف ما حدث فى مناطقهم ولأهاليهم ، وذلك بغرض إعادة جزء من حقوق النوبة الأصلية فأصبح دور أبناء جبال النوبة دوراً رئيسياً فى هذا الوطن الذى قيد لنا أن نكون جزءاً منه ، وهم خارج وطنهم الأصيل جبال النوبة كلهم جمعياً فى حركة دوؤبة يساهمون بحركتهم وفكرهم وإسهاماتهم فى الشأن النوبى ، وذلك للوصول لسلام من خلال حوار جاد تعيد لجبال النوبة سيرتها الأولى.

ولنا عودة ...........
آدم جمال أحمد    –   سيدنى  - أستراليا        2  يونيو 2012 م
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////