(3 – 3 )



كيف خدعت الحركة الشعبية ابناء جبال النوبة بوهم وحلم السودان الجديد:

الشعارات التى رفعتها الحركة الشعبية لتحرير السودان من أجل سودان جديد هى التى شجعت أبناء منطقة جبال النوبة للإنضمام اليها بهدف المساهمة فى حل مشاكل السودان المزمنة فى إطار الوحدة من نمولى الى حلفا ، وقد تبلورت رؤية الحركة الشعبية فى شعار مشروع السودان الجديد الذى ينادى بإزالة كل مؤسسات التخلف والتى تتمثل فى المؤسسة العسكرية والأحزاب الطائفية بإعتبارها تمثل دعامات أساسية للسودان القديم وفقدانها للحس الوطنى ، والتى أثبتت فشلها فى تحقيق أحلام الشعب السودانى فى العيش فى سلام وفقاً لمعايير الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية ، إلا أن دورها فقط أصبح محصوراً فى حماية الأقلية المستعربة والتى لا تمثل أهل السودان بهذا الشكل فى هرم السلطة .. فلذا لم يتشكك أحد فى مدى صحة ومنطقية هذا التحليل ولا حتى بأن الحركة الشعبية المنوط بها تنفيذ  وتطبيق هذه المهمة أن تكون مبرأة أو معافية من العلل والأمراض السياسية التى تمكنها من إحلال نفسها بديلاً لهذه المؤسسات والأحزاب بعد القضاء عليها ، أو تقوم بإنزال هذه الشعارات على أرض الواقع السودانى بعد تحرير كل السودان والزحف الى الخرطوم كما يصور ذلك منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان ، إلا أن الحركة الشعبية فشلت حتى فى تطبيق تلك الشعارات بواسطة كوادرها التى دربتها وأعدتها فى الأراضى المحررة التى تسيطر عليها ، وللأسف وجدت الحركة الشعبية نفسها وأن مهمتها المقدسة تنحصر فقط فى قمع وتأديب القبائل الجنوبية المناوئة لتركيبتها القبلية المأدلجة ، والتى تنظر الى جيش الحركة الشعبية بإعتباره جيش إحتلال مهموماً بتغيير الخارطة السياسية والإجتماعية لجنوب السودان لصالح قبيلة الدينكا ومصالح  قادته ذات التوجه القبلى فى مواجهة تمرد قادة المليشيات الجنوبية الأخرى.

فلذلك فشلت الحركة الشعبية سياسياً فى إنزال هذه الشعارات التى رفعتها ولو قليلاً وخاصة فى مجال إحترام الحقوق ومحاربة الفساد والمحافظة على رفاقها  من الأقاليم الأخرى الذين قاتلوا فى صفوفها برفع  الروح القتالية فيهم ، بل سعت فى إقصاء وتهميش البعض ، وعندما رفض بعض أبناء النوبة بقيادة عوض الكريم كوكو ويونس أبو صدر فكرة إستيعاب أبناء النوبة ليصبحوا مقاتلين فى صفوف الحركة الشعبية وأصروا فى مطالبتهم بأن يصبحوا حلفاء عبر إستراتيجية محددة .. فناقشوا القائد يوسف كوة فى ذلك وأعتبروا ذلك مخالفاً لفكرة التنظيم الذى دفع بهم للإنضمام والهدف الذي يطالبهم بالتدريب داخل صفوف الحركة الشعبية والحصول على السلاح ومحاربة جيش حكومة الإنقاذ فى منطقة جبال النوبة وليس أحراش الجنوب .. ووجهوا اليه أسئلة محددة لماذا يتدرب أبناء النوبة فى الأراضى الأثيوبية ولماذا يشرف على تخريجهم جون قرنق ويدفع بهم الى الإلتحاق بقوات الحركة فى الجنوب والمشاركة فى الحروب القبلية وقتال المليشيات الجنوبية المناوئة لقرنق ، ولماذا لا تقوم الحركة بفتح معسكرات بمنطقة جبال النوبة أو الدفع بأبناء جبال النوبة بعد تخريجهم للقتال فى منطقة جبال النوبة .. فلذلك طالبوه بالرجوع لإستشارة الجناح السياسى للتنظيم حتى لو حدثت هناك مستجدات وحاولوا إقناعه بالعدول عن رأيه ، إلا أن المرحوم يوسف كوة رفض فكرتهم ، فاتهموه بالتجاوزات التنظيمية والمصالح الذاتية ومن هناك بدأت رحلة المعاناة لأبناء جبال النوبة داخل الحركة الشعبية بالتصفية الجسدية والإقصاء لخيرة قيادات النوبة ، وكان بإمكان يوسف كوة أن يرفض ويقول لا لجون قرنق كما قالها القائد يعقوب اسماعيل والذى يعتبر هو واللواء معاش ابراهيم نايل إيدام من أميز الضباط الذين مروا على الكلية الحربية السودانية والذى جاء لوحده وقابل القائد جون قرنق الذى حاول أن يستوعبه فى الحركة الشعبية فرفض يعقوب فكرة الإستيعاب وطالبه بأن يصبح حليفاً مع الحركة الشعبية وحينما إعترض قرنق الفكرة رفض القائد يعقوب اسماعيل الإنضمام وعاد أدراجه الى أسمرا وهناك أصبح قائداً عاماً لقوات حزب الأمة فى الشرق ، وكذلك المناضل ابراهيم دريج رفض فكرة الإستيعاب داخل الحركة الشعبية.

لقد قامت الحركة بإنشاء حكومات لإدارة العمل فى مراكز اللاجئين بأثيوبيا بالإشراف عليهم وتوزيع المواد ، إلا أن تلك الكوادر الإدارية قامت بإستغلال مواد الإغاثة بإبتداع الحيل وإبتكار الطرق الملتوية وفرضها على اللاجئين بهدف خداع منظمات الإغاثة بغية إستمرار تدفق الإعانات التى كانت تفوق بكثير عدد اللاجئين فى تلك المراكز ، مما أدى الى تنامى نفوذ تلك الكوادر التى إتخذت أشكال متعددة من العصابات القبلية التى تستمد حمايتها من كبار ضباط الحركة الشعبية ، مما جعلها تتحكم فى سرقة وبيع المواد الغذائية وغير الغذائية فى الأسواق الأثيوبية لصالح جيوب هؤلاء القادة .. بالإضافة الى عدم توفير الخدمات الضرورية فى مجالات التعليم والصحة وإنعدام الخطط والبرامج لتدريب المواطنين أو الجنود فى الإعتماد على الذات لإنتاج الغذاء ، والسبب فى ذلك يعود الى أن معظم الأسر لكبار الضباط والقادة فى الحركة الشعبية كان يقيمون فى أمريكا وكندا واستراليا وعواصم بعض الدول الأوربية والأفريقية .. تخيل عزيزى القارئ هذا الخلل الإدارى والإختلاس كان نموذجاً للوضع السائد فى المناطق المحررة الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية فى السودان ، فمن البديهى أن يتواصل الفساد الذى أصبح سمة يلازم معظم قيادات الحركة الشعبية.

رغم تلك الممارسات لقد إفتقد اللاجئين الشعور بالأمان والحماية والعدالة والمساواة والوحدة فى معسكرات أثيوبيا نسبة لتواطؤ نظام منقستو مع قيادات الحركة الشعبية بالإضافة الى الإنتهاكات والتصفيات الجسدية نتيجة لزيادة حدة الخلاف والتوترات على أسس قبلية بين اللاجئين فى المعسكرات الأثيوبية وبين المواطنين فى المناطق المحررة بداخل السودان مما أدى الى خروج الكثيرين منهم ولجوئهم الى دولة كينيا حيث الشعور بالأمن والحماية التى إفتقدوها طوال مكوث فترتهم فى اثيوبيا ، هذا المناخ الجديد أدى الى خروج الكثيرين عن صمتهم والحديث علانيةً عن المرارات وتجارب الماضى الأليمة ، بالرغم أن الحركة الشعبية حاولت يائسة لإستعادة ما إفتقدته طوال سنين السيطرة والإستغلال.

أما عن الأوضاع فى جبال النوبة مقارنة بالجنوب وجنوب النيل الأزرق ومعسكرات اللاجئين بأثيوبيا تعتبر أفضل حالاً ، لقد ظل المواطنون وجنود الحركة يقومون بمهمة إنتاج الغذاء والإعتماد على الذات وتدريب بعض الكوادر فى المجالات الضرورية مثل الصحة والإدارة والقانون وإنشاء ما يعرف بالمجلس الإستشارى لجبال النوبة .. فى محاولة جادة من القيادة هناك فى إيجاد قناة لإشراك المواطنين وأخذ رأيهم فى القضايا الأساسية  ، فكانت بلا شك خطوة رائدة ولكن لظروف العزلة الطويلة التى تعرضت لها المنطقة وبالإضافة الى تمركز وتمحور إدارة ونشاط الحركة السياسى والرتب العليا فى شخص زعيمها جون قرنق وكبار الضباط والقادة من قبيلة الدينكا أدت الى قتل التجربة فى وأدها وعدم نقلها الى خارج حدود المنطقة وتطورها ، والتى كانت المحاولة الوحيدة والجادة تجاه بناء المؤسسات والديمقراطية داخل الحركة الشعبية التى كانت فى أمس الحاجة اليها ، إلا أن القادة الجنوبيين آنذاك لا يؤمنون بالديمقراطية ولا العمل المؤسسى ، فلذلك حدثت تلك  الخروقات والإنتهاكات من قتل وتشريد لمجموعات بعينها خاصة فى مناطق الأجانق ، بالإضافة الى التهميش والإقصاء المقصود لمعظم قاداتهم.

فى نهاية عام 1991 م قامت الحركة الشعبية بمحاولة لتصحيح تلك الأوضاع الخاطئة فأصدرت ما يسمى ب (مقررات توريت) والتى إشتملت على تفاصيل كثيرة تهدف الى نية الحركة فى الشروع لبناء المؤسسات وتقديم الخدمات الضرورية وإشراك الجماهير فى إتخاذ القرار ، إلا أن هذه القرارات لم ترى النور بسبب الهجمات  والحملات الواسعة التى شنتها الحكومة عبر صيف العبور مما أدى الى تشتيت وتدفق المواطنين وجيش الحركة الشعبية الى دول الجوار .. وفى عام 1994 م قامت الحركة الشعبية بالدعوة لعقد مؤتمر شقدوم فى محاولة منها لإمتصاص أثار فصيل الناصر ، ولقد أوكلت رئاسة ومهمة إعداد المؤتمر للقائد يوسف كوة ، إلا أن المؤتمر فشل فى تحقيق الغاية المرجوة منه للأسباب التالية:

1- فشل المؤتمر فى الفصل بين الجناح السياسى للحركة الشعبية والجناح العسكرى فى تمركز السلطات والصلاحيات ووقف الفساد والإنتهاكات.
2- قيام المؤتمر بتكوين حكومة صورية مع إدراكه التام فى عدم جدواها وفعاليتها كعدم جدوى وفعالية مجلس القيادة السياسية والعسكرية العليا السابق والذى كان سبباً أساسياً فى إنشقاق مجموعة الناصر حينما رفض جون قرنق العمل إنطلاقاً من ذلك المجلس.
3- قيادة الحركة الشعبية لم تلتزم لأبسط معايير العدالة ولا حتى شعاراتها فى عملية توزيع الحقائب والمناصب الوزارية لتلك الحكومة الصورية .. حيث ذهبت معظم الحقائب الى أشخاص من قبيلة الدينكا بما فيها رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع من نصيب القائد جون قرنق ، بينما وزارة السياحة الوحيدة كانت من نصيب منطقة جبال النوبة حيث تقلدها دانيال كودى.

كان مؤتمراً غريباً حيث أرسى مفهوم التهميش داخل التهميش .. حيث وزارة السياحة التى ظلت كالظل تلازم أبناء النوبة أين ما حلوا ، وهذا يذكرنا بموقف ساخر لزعيم الحركة الشعبية جون قرنق من رئيس الوزراء السابق الجزولى دفع الله لحكومة الإنتفاضة عام 1985 م مستفسراً عن سبب وجود ثمانية وزراء داخل حكومته الإنتقالية من إقليم واحد ( الجزيرة ) ، حيث كان رد الجزولى بأن الصدفة وحدها كانت وراء ذلك .. أما ما حدث فى شقدوم فلا ندرى إن كان المرحوم جون قرنق قد نسى ذلك الإستفسار حينما جاء معظم وزراء حكومته من قبيلة واحدة وليس إقليم واحد .. أهى أيضاً كانت الصدفة وراء ذلك!!.

ختأماً:

الحركة الشعبية حاولت خداع الكل .. وحتى الذين قاتلوا فى صفوفها وما زال يطبلون لها كالأبواق بعد أن أصبح السودان الجديد وهم وحلم تنظيرى يراودهم أكثر منه تطبيقاً على أرض الواقع ، فلذلك حاولت الحركة الشعبية إختزال شعار السودان الجديد فى إطار حق تقرير المصير والإنفصال ودولة الجنوب ، وتراجعت عن شعار السودان الجديد الذى يبدأ من نمولى الى حلفا .. وكانت أولى الخطوات حينما إنفردت الحركة الشعبية بأن تحاور وتفاوض الحكومة فى مفاوضات نيفاشا وحدها بعد عزلها للتجمع الوطنى الديمقراطى الذى كان ضمن منظومتها فى القضايا المصيرية بأسمرا ، ثم مروراً بإستغلال نفس الأحزاب الشمالية والجنوبية فى مؤتمر جوبا الذى أكسبها الزخم السياسى وخرجت بما يسمى الإجماع الوطنى لتحالف جوبا ، وللمرة الثالثة إستطاعت أن تستغل نفس الأحزاب فى الخروج فى مسيرة الأثنين السلمية وإعتقال بعض قيادتها لساعات وخروجهم أبطالاً فى نظر الجماهير ، والتى إستخدمتها الحركة الشعبية كوسيلة ضغط على الحكومة لتحقيق بعض مأربها ومصالحها على حساب نفس هذه الأحزاب التى لم تعى الدرس بعد .. وللمرة الأخيرة فى تمرير قانون الأمن الوطنى قامت بنكوص عهدها مع قوى إجماع جوبا بمقاطعة جلسات البرلمان ، إلا أن الحركة الشعبية لم تنسحب مع نواب كتلة الشرق وكتلة دارفور بل إستأثرت البقاء وعدم الإنسحاب أو التصويت الى أن تم إجازة قانون الأمن الوطنى وهى لا تدرى بأن ما فعلته يعتبر قمة الديمقراطية فى الممارسة السياسية ، والسبب لأن الحركة الشعبية ساومت المؤتمر الوطنى بأن تمرر الحركة قانون الأمن الوطنى والإنتخابات وأن يمرر المؤتمر الوطنى قانون إستفتاء الجنوب وأبيى وقانون المشورة الشعبية لجبال النوبة والنيل الأزرق .. وهذا ما كشفه مستشار الرئيس غازى صلاح الدين .. وما زالت الحركة تمارس مسلسل التلاعب وخداع الجميع حتى بعد أن إنفصل الجنوب وصار دولة من خلالها عملائها فى دولة شمال السودان ، الذين يفتقدون إراداتهم صاروا كالخاتم فى أصبعها من خلال قادة قطاع الشمال والجبهة الثورية.


والى لقاء فى مقال آخر ........

آدم جمال أحمد       – سيدنى  –   استراليا

30 مايو 2012 م

Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]