(1 – 3 )

بقلم: آدم جمال احمد – سيدنى

لقد أصبح شعار السودان الجديد والسودان القديم من المفردات والمفاهيم التى برزت بقوة الى المشهد الثقافى والسياسى فى الأونة الأخيرة ، وصار مفهوم السودان الجديد شعاراً سياسياً وعنواناً لبرامج الكثير من القوى السياسية السودانية ، فما هو هذا السودان الجديد ؟ .. دعنا نتلمس ونغوص فكرياً وثقافياً فى أروقة الحركة الشعبية لتحرير السودان ، وأن نتناول هذه القضية فى إشكالياتها المختلفة صعوداً وهبوطاً وتاريخاً ومستقبلاً ، وكيف تمت مقاربة هذا المفهوم من خلال المرجعيات الفكرية والسياسية والثقافية فى الواقع السودانى.
دعونا نحاول فى هذا المقال أن نسلط أضواء كاشفة على مفهوم وشعار السودان الجديد ، وسوف يكون من ثلاث حلقات متتالية ، بهدف رسم أبعاد واتجاه جديد فى تناول القضايا ، وهذا الإتجاه يعيد وضع المسائل والقضايا الخاصة بهذا الشعار والمطروحة من قبل قوى سياسية جديدة فى دائرة الضوء ومن خلال النقاط التى طرحتها الحركة الشعبية بأن السودان القديم يمثل دولة الوسط أى ما نسميه مثلث الخرطوم – كوستى – سنار .. وهذه الدولة تقودها النخبة العربية الإسلامية وهى نخبة أنشأت إستعماراً محلياً بعد خروج المستعمر عبر إستراتيجية سياسية قائمة على البنائية أى إحتكار الممارسة السياسية وإبعاد الآخر عنها ، وهذا الإستعمار الجديد عمل على إلحاق الأطراف والتى تعتبر أساس لتكوين السودان الجديد وهذه الأطراف هى: جنوب السودان وغربه وشرقه ويمكن أيضاً شماله ، لأن هذه الأطراف قد تم إلغائها كمجموعة ذات شخصية ثقافية مكتملة بسبب هيمنة الثقافة العربية الإسلامية .. مما أدى الى وعى جديد كنتاج لعملية الإستعمار الداخلى من الأطراف التى وعيت بدايتها الهشة بذاتها المهمشة ونشأت فى شكل حركات سياسية فى جنوب السودان ومنطقة جبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان وحركة كوش فى شمال السودان وأخيراً دارفور فى غرب السودان .. وهى عبارة عن تجلى ثقافى لمرجعية المضطهد وهى حركات كشفت ذاتها خارج إطار الدولة أو المؤسسات التى أفرزتها دولة الوسط إدارياً وسياسياً وثقافياً وبسببها نشأت أزمة الهوية وكل أشكال الأزمات التى نمر بها ونعيشها الآن فى السودان.

تعريف ونشأة مفهوم السودان الجديد:

مفهوم السودان الجديد هو مضمون سياسى ومحتوى اجتماعى وثقافى وفكرة للتحرر من الأفكار القديمة كانت موجودة لدى السودانيين قبل عام 1983 م وقبل الاستقلال وقبل ميلاد الحركة الشعبية وقبل إنفجار مشكلة الجنوب ، فمثلاً عندما تبنى مؤتمر جوبا عام 1947 م فكرة الاتحاد الفيدرالى فى السودان ، الذى حضره 17 من زعماء الجنوب ورجال التعليم وستة من أبناء الشمال  ، كان يضع تصوراً سياسياً وإدارياً لسودان جديد ، لأن السودان الذى كان يحكم مركزياً كان يخلق نوعاً من المظالم للأطراف ولهذا فإن إقتراح الفيدرالية كان شكلاً من أشكال التنبيه لمخاطر المركزية السائدة فى حكم السودان آنذاك منذ فترة طويلة وكان اقتراحاً جديداً لنمط الإدارة الوطنية للاختلافات الثقافية الموجودة فى المجتمع وللاختلافات الاجتماعية وعملية توزيع الثروات وإعادة هيكلة الدولة لتحقيق العدالة والاستمرار من خلال العناصر الإيجابية فى التراث السودانى والتى لا تعنى الانقطاع عن المعايير التاريخية لحركة المجتمع ولا تعنى إلغاء الأخر.

إن مفهوم السودان الجديد مفهوم يرتبط بجنوب السودان إرتباطاً عضوياً لأن وضع الجنوب كمجتمع ثقافى قائم بذاته ومستقل .. وبعلاقته بشمال السودان من ناحية سياسية وإدارية .. قاد الى تجلى هذا المفهوم على أكثر من مستوى ، سواء كان مستوى سياسى جغرافى أو أخر اجتماعى ثقافى ، وإذا لاحظنا فى أدبيات الأحزاب السياسية سنجد فى بعضها طرحاً لفكرة السودان الجديد بنفس الشكل أو من خلال نفس التقاسيم الخاصة بالمبادئ السياسية الواردة فى منفستو الحركة الشعبية للسودان الجديد والتى تتمثل فى عملية توزيع الثروة الحيوانية وعملية إعادة هيكلة الدولة وعملية المشاركة السياسية الفاعلة لكل أبناء الوطن.

أسس ومفاهيم السودان الجديد بين الحلم والواقع .. والوهم والخيال:

نلاحظ أن السودان الجديد لا يشير الى شئ مادى ملموس أى لا يوجد شئ أو دولة إسمها السودان الجديد حتى الآن ، ولقد فشل عملياً حتى على إطار دولة الجنوب بعد إنفصالها ، ولا سيما تمر بأزمات حقيقية ومستعصية ، ولكن هذا مجرد حلم فى أذهان الناس وهذا الحلم بدأ فى التضخم فأصبح وهماً وخيالاً مرسوماً فى مخيلة الكثيرين وترتب عليه أشياء كثيرة فى التفكير ، وبدأت عملية تفصيل لمقاسات سياسية وثقافية مفترضة .. بمعنى أن كل شئ واقع بالوهم أو الحلم ، بمعنى أن كل الأشياء التى يجرى الحديث عنها لم تتحقق بعد الى الآن ولا أظن فى المستقبل القريب ، وهذا يعتبر كنوع من فكرة الدولة الاستالينية فى أدبيات ( الحزب الشيوعى ) والذى يرى بأنها يجب أن تقوم عليها الأفكار الكفيلة فى إنقاذ البشرية .. أو قد يعتبر نوع من الفكر التنويرى المطروحة فى الأدبيات السياسية على أسس معينة مثل تحقيق العدالة والمساواة وإنشاء الحقوق على قاعدة المواطنة فى السودان ، فلذا قد يكون السودان الجديد جزءاً من الفكر التنويرى مثله مثل فكرة حركة الأنوار التى تطورت بتطور حركة المجتمع الإنسانى ، وأنشأت قيماً جديدة بعد حركة جان جاك روسو .. فالآن نجد فكر التنويريين الجدد القائم على نفس الأسس فى إعادة هيكلة الدولة وإعادة توزيع الثروة ولكنهم أضافوا اليها فكرة تدوال السلطة وفكرة حقوق الإنسان وفكرة حقوق المرأة والطفل وحقوق الأقليات وفكرة الحقوق المدنية.
فإذا كان السودان الجديد قائم على أسس فكر ومفاهيم التنوير فإنه لن ينشأ من فراغ ، وإنما من أصول فى المجتمع البشرى .. سيكون له اعتراف واضح بتطور المجتمع الإنسانى دون إغفال لحركة المجتمع أو إغفال لمطالب الناس أو إغفال لعملية التطور وقوانينه .. لأن السودان الجديد أصبح مطروح كملكوت جديد .. وهناك مجموعة من المبشرين يبشرون بهذا الملكوت للخلاص.

وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة .......

آدم جمال أحمد       – سيدنى  –   استراليا

28 مايو 2012 م
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]