الصراع بين تيار القومية النوبية والشيوعية وطموحات عبدالعزيز الشخصية داخل الحركة الشعبية

( 3 – 3 )
بقلم / آدم جمال أحمد  - سيدنى – استراليا
تحدثنا فى الحلقتين السابقتين عن مآلات المشهد السياسى والعسكرى فى جبال النوبة وتخبط الحركة الشعبية وما تعيشه من حيرة وإرتباك وما يجرى داخل دهاليز الحركة الشعبية ، من صراعات خفية والنوايا الحقيقية التى أوصلت جبال النوبة الى الهاوية ، وبأن هنالك جسور من الأحلام آيلة للسقوط  ومستقبل جبال النوبة المظلم والغامض بعد أن أصبح القائمون على أمر الحركة الشعبية فى جبال النوبة ، والمتمسكون بزمام أمرها .. هم (سواقط الشيوعيين) واليسار وبقايا العلمانيين ، الذين ساهموا فى إستخدام النوبة وقوداً للحرب والزج بهم فى صراعات تحقيقاً لطموحاتهم ونزواتهم الشخصية بإسم مصطلح التحرير (التحريف) ووهم السودان الجديد فأدخلوا النوبة فى متاهة يصعب خروجهم منها ، والتاريخ لا يحتمل التغبيش والمؤاراة ، بل يحتاج لشفافية لإزالة هذا الوباء وطقوسه على أبناء النوبة بسبب تخبط سياسات الحركة الشعبية ، وطموحات عبد العزيز الشخصية ، ولقد سردنا بعد الحقائق ومراحل الصراع من خلال الحلقتين السابقتين لأحداث مهمة وتطورات ، وفى هذة الحلقة الثالثة والأخيرة من المقال سوف نسرد بقية الحقائق لتكتمل الرؤية حتى يقف الجميع على أبعادها وتأثيراتها على مجمل الأوضاع فى جبال النوبة ومآلات الصراع السياسى والعسكرى داخل الحركة الشعبية فى جبال النوبة بين تيارين متباينين فى الرؤى والأفكار والمنطلقات ، أى بين تيار الشيوعيين ذوو الميول اليسارية مقابل إبعاد وتهميش لتيار الذاتية أو القومية النوبية الآخذ فى الضمور والإنزواء ، بعيداً عن مسرح الأحداث ، وكيف أعلن بعض قيادات النوبة فى الحركة الشعبية ، عن موقفهم السياسى من حرب جنوب كردفان الأخيرة وتبرئهم من قطاع الشمال ، ومواجهتهم لعبد العزيز الحلو وياسر عرمان .. وما تشهده الحركة الشعبية بجبال النوبة من عاصفة تمايزات جديدة فى المواقف ما بين أبناء النوبة من جهة ، والحلو وتحالفاته السياسية والعسكرية من جهة ثانية؟؟!!. حتى يفيق أبناء النوبة من غفلتهم وسباتهم وإدراك الحقيقة المجردة.

بعد تصفية المجموعة القيادية من أبناء النوبة بواسطة إستخبارات الجيش الشعبى آنذاك والقائد  حالياً عبدالعزيز ، لم يبقى أمام الحلو للسيطرة الكاملة على قيادة أبناء النوبة إلا شخص واحد هو تلفون كوكو ، الذى كان حينها قائداً لقيادة الريف الجنوبى عام 1993 م ، حيث تصاعدت المعارك وعمليات الجيش الحكومى وتم حصار الجيش الشعبى ، وإنهزم هزيمة نكراء فى ريفى البرام ، وإنسحب تلفون كوكو ، فإستغل الحلو ذلك الإنسحاب ونقل لقيادة الحركة الشعبية أن تلفون كوكو عقد إجتماعاً وإتفق مع قائد المنطقة العسكرية للجيش السودانى وقرر الإنسحاب ليهزم يوسف كوة ، فأرسل قرنق رسالة الى يوسف كوة يأمره فيها بالقبض على تلفون وإرساله الى الجنوب ، والرسالة أرسلت الى يوسف كوة بواسطة الحلو ، لأنه كان محاصراً والإتصالات مقطوعة ، وعندما تسلم يوسف الرسالة ، فرد الى قرنق عبر عبدالعزيز الحلو بأن توقع أقصى عقوبة على تلفون ، ولكن الحلو عدل فى رسالة يوسف كوة وقال: يجب إعدام تلفون والضباط المشاركين معه ، وتم إعتقال تلفون وإرساله الى جوبا بعد إعدام كل رفاقه ، ولكن سلفاكير قائد إستخبارات الجيش الشعبى آنذاك تباطأ فى إعدامه ، لمعرفته معلومات أكثر منه ، إلا أن عدم إعدام تلفون خلق خلافاً كبيراً بين الحلو وسلفاكير ، وبعد وفاة يوسف كوة وتسلم الحلو للقيادة فى جبال النوبة كان يلح على قرنق بإستمرار على إعدام تلفون كوكو ، وعندها علم قرنق بنواياه وقال له ( تلفون سيكون بالجنوب ولن يأتى الى الجبال ).

وبعد توقيع إتفاقية السلام وتعيين الجنرال إسماعيل خميس جلاب فى منصب الوالى فى جنوب كردفان ، زادت الشروخات بين تيار القوميين النوبة واليساريين من لدن الحلو ورمضان نمر ، ولعب ياسر سعيد عرمان دوراً بارزاً فى إقصاء تلك المجموعة النوبية غير المرتبطة بمشروع السودان الجديد ، وزج الحلو بتلفون كوكو فى غياهب السجون بعد أن دبرت له مكيدة ماكرة وآثر أبناء النوبة بالحركة الشعبية وقيادات النوبة بجهل أو عدم دراية منهم بخيوط المؤامرة الصمت والتواطؤ مع القاتل على حساب جثة المقتول ، وحينما أعلن عن فتح باب الترشيح للإنتخابات الأخيرة أبدت مجموعة دانيال كودى وخميس جلاب حماساً لخوض الإنتخابات ضد عبد العزيز الحلو وإقصائه ، لأنه لم يبدى أى إهتماماً حقيقياً بقضايا جبال النوبة وإنصرف لقضايا الحركة الشعبية ، وبات واضحاً لمجموعة دانيال كودى أن الجنوب فى طريقة للإنفصال عن الشمال ، إلا أن غلبة المال وإنحياز الجنوب وقطاع الشمال والتيار الشيوعى وسواقط الشيوعيين للحلو ، قد أجهض أحلام جلاب ودانيال كودى فى خوض الإنتخابات ، وهذه المجموعة لو قدر لها خوض الإنتخابات لأزاحت مرشح المؤتمر الوطنى أحمد هارون من منصب الوالى .. إلا أن الحلو بتخطيط ماكر نجح فى إقصاء حتى دانيال كودى من منصب مستشار رئيس حكومة الجنوب لشؤون جبال النوبة ، وجرده من المال والقدرات .. ورفض دانيال كودى وخميس جلاب المشاركة فى الحملة الإنتخابية لعبد العزيز الحلو الذى إستعان فيها بالحزب الشيوعى ووضع نصب عينيه الفوز بمنصب الوالى أو العودة لميدان الحرب وإحتلال مدينة كادوقلى والتفاوض مع الخرطوم بشروط المنتصر .. إلا أن دانيال كودى الذى تعرض لمضايقات فى جوبا ، ووضعه فيما يشبه الإقامة الجبرية هناك .. عاد للخرطوم وبدأ في مواجهة طموحات الحلو الشخصية وإستغلاله لأبناء جبال النوبة فى معركة ستحسم لغير صالحهم وإن طال الحسم لشهور أو سنوات.. وأشهر دانيال كودى معارضة صريحة لإعلان الحرب ومناهضتها كفعل غير مبرر فى ظل حسم صناديق الإقتراع للتنافس على منصب الوالى لصالح أحمد هارون مرشح المؤتمر الوطنى بشهادة معهد كارتر والمجتمع الدولى بأن الإنتخابات كانت نزيهة وغير مزورة عكس ما يدعى منسوبى الحركة ، بالإضافة الى تقاسم مقاعد المجلس التشريعى بما يؤهل لشراكة جديدة تمتد حتى الإنتخابات القادمة .. ولما كان عبد العزيز الحلو مكان ثقة الجنوبيين ، فقد أوعز إليهم بالإستمرار فى حبس تلفون كوكو وتهديد اللواء خميس جلاب حتى يتقدم بإستقالته من الحكومة الإتحادية ، وبذلك يقود كل تيارات الحركة الشعبية لخوض المعركة الجديدة.
بعد تسلم عبدالعزيز الحلو للقيادة فى جبال النوبة بدأ فى تصنيف قيادات النوبة ، التى يمكن أن تشكل خطراً عليه أو تعكر إنفراده بالقرار ، فأبعد القيادات التى إنضمت للحركة الشعبية من السابقين فى الجيش السودانى أو الشرطة من مراكز القيادة ، وقرب إليه غير المتعلمين لأنهم ينفذون أوامره بدون تردد ، فتولى منصب نائب الوالى فى جنوب كردفان ، وإمتد نفوذه داخل الحركة الشعبية وجبال النوبة وأصبح صاحب قرار وسطوة ، وشرع فى تصفية وجود ونفوذ المناوئين له ، فبدأ بسلسلة لجان تحقيق وبلجان مخالفة لدستور الحركة ، حيث كانت اللجان تفصل الأعضاء قبل التحقيق معهم ، وفصل (37) قيادياً وأبعد آخرين لصالح إعادة شعبيته وشرع فى فتح بنك جبال النوبة لإعطاء الأمل للمواطنين.
وفى إجتماع بتاريخ 10 مايو 2010 م بمنزل عبدالعزيز الحلو حضره المقربون منه ن قرر تقديم مذكرة لسلفاكير ميارديت يشير فيها الى أن الأحوال فى جبال النوبة لم تمضى لمصلحة الحركةالشعبية إلا بتحقيق أربعة شروط :
أولاً: إقالة تابيتا بطرس من وزارة الصحة وتعيين عبدالله تية مكانها.
ثانياً: الإبقاء على تلفون كوكو قيد الإعتقال لحين الإنتهاء من إجراء المشورة الشعبية.
ثالثاً: إبعاد دانيال كودى وخميس جلاب عن الولاية.
وجميع المطالب نفذت حرفياً من قبل سلفاكير .. وحتى قصة توليه منصب نائب الوالى لم تخلو من المكايد ، حيث إستخدم أحد أعوانه الذين عملوا مع خميس جلاب فى إعداد ملف متكامل عن جلاب يظهر مساوئه ، ولقد قام بتقديم التقرير لباقان أموم وقيادة الحركة الشعبية ، والذين بدورهم رفضوا إعادة تعيين خميس جلاب نائباً للوالى.
رفض دانيال كودى وكثير من قيادات النوبة وجنوب كردفان إستخدام ورقة أبناء جبال النوبة فى حرب قطاع الشمال ، الذى يبحث عن إعتراف به على حساب دماء أبناء النوبة ، وأعلنوا قبل فترة تمهيداً لخطوات لإنقاذ منطقة جبال النوبة من ويلات الحرب ، حيث أدان دانيال كودى الحرب وطالب المؤتمر الوطنى بوقف الملاحقات الأمنية لبعض منسوبى الحركة الشعبية ، وإطلاق سراح المعتقلين وتوفير غطاء سياسى لنشاط الحركة الشعبية فى جبال النوبة ووقف الحرب والتفاوض مع أبناء جبال النوبة فى الجيش الشعبى.
عبدالعزيز الحلو كان قائد الحملة العسكرية ليحيى بولاد فى عام 1992 م ، وأكثر السلاح الموجود بجبال النوبة دخل على يديه من الأراضى الأثيوبية وغيرها ، وفى فترة توليه المنصب التنفيذى الثانى والأرفع بحكومة جنوب كردفان ، لم يتخلى عبدالعزيز عن نزعته العسكرية ففتح معسكرات التدريب العسكرى لفرق الكومولو ، وتمكن من تجنيد ما يقارب ال (18) ألف فرد ، وقام بإستجلاب سلاح للجيش الشعبى بكميات ضخمة من الجنوب وعمل على إعادة ترتيب القيادة داخل الجيش الشعبى ، وعين عناصر فى الوزارات من الكوادر السرية وعلى أساس إثنى حتى يضمن تأييد قبائل النوبة له ، ومنذ عودته للحركة الشعبية من أمريكا عمل على فتح معسكرات لتدريب قيادات حركات التمرد بدارفور ، ونجد هذه الخلفية العسكرية مرتبطة تماماً بالأهداف الإستراتيجية التى يعمل لها الحلو بجبال النوبة وهى مطابقة لأهداف الإدارة الأمريكية تماماً ، وحتى تكتمل الصورة يجب أن نعود الى الخلاف الذى نشب بين عبدالعزيز وقيادة الحركة الشعبية الأم التى جعلته  يهرب للولايات المتحدة الأمريكية ويعتزل العمل السياسى وقرر ألا يعود ، لولا زيارة سلفاكير لواشطن وزيارته له فى مقر إقامته ، حيث طلب منه أن يعود ويعمل فى صفوف الحركة الشعبية من جديد بترتيب من بعض الدوائر الأمريكية ، فعاد الحلو حسب قرار صادر من سلفاكير فى أغسطس 2008 م ، عينه سلفاكير مسؤولاً عن ملف دارفور لتوحيد حركات التمرد الحاملة للسلاح وإعداد رؤية لسلام دارفور ، ومساعدة الحركات المتمردة فى بناء قدراتها التفاوضية ، ووضع خطة شاملة للإعداد بعد فوزه بمنصب الوالى فى إنتخابات جنوب كردفان ، سوف يصبح الراعى الرسمى لحركات دارفور ، حيث يوفر لها المأوى والسلاح والدعم والمعسكرات ، وتكون هذه الحركات شمال حدود 1956 م ، وبذلك سوف يرفع الحرج عن دولة الجنوب وإتهامها بإيواء متمردى دارفور ، وتصبح هذه الحركات هى كرت الضغط الدولى على الخرطوم ، وبهذا يتشكل واقع جديد فى السودان الشمالى ، إلا أن الإنتخابات أفضت الى واقع مختلف بفوز مرشح المؤتمر الوطنى أحمد هارون بمنصب الوالى فى الولاية ، فلم يبقى للنجمة إلا الهجمة ، وهو السيناريو البديل فى حالة فشل فوز مرشح الحركة الشعبية بمنصب الوالى ، والذى كانت تتوقعه الحركة الشعبية نفسها وحلفاؤها الجنوبيين والأمريكان ، مما جعلهم يستعجلون نشوب الحرب من جديد بدعوى تزوير فى الإنتخابات ونزع سلاح الحركة ، وهى دعاوى باطلة لا تسندها أى حجج أو براهين وأدلة (خلوها مستورة) ، وكانوا يتوقعون أن يطرح المجتمع الدولى بعد نشوب الحرب عدة حلول تحد من سيادة البلاد على حكم جنوب كردفان لصالح مخططات الحركة الشعبية ، بدعوى الإنفلات الأمنى فى المنطقة أو ربما التأكد من إكمال بنود إتفاقية السلام الشامل بقيام ذلك المسخ ما تسمى المشورة الشعبية التى لا تغنى ولا تسمن مطالب النوبة وثمن تضحياتهم.
وغداة إعلان دانيال كودى لموقفه ضد عبدالعزيز وحربه غير المبررة ، بدأت الحرب عليه من قبل عبدالعزيز الحلو وابواقه الإعلامية فى الداخل والخارج ، من صحافيين وصحفيات شكلوا خلية إعلامية للتمرد الجديد .. يتم عبرهم تسريب الأخبار العسكرية وبث الدعاية السوداء عن إنتصارات وهمية لقوات الجيش الشعبى وخوض حرب معنوية فى مواجهة دانيال كودى ووصمه ببائع قضية جبال النوبة ، ولكن دانيال كودى بدأ يكسب لصفه قيادات بارزة من جبال النوبة ممن يعارضون الحرب ويناهضون العنف ، فالتف حوله من قيادات الحركة الشعبية يشدون من أزره ، ولا سيما هناك تيار كبير من قطاع الشباب والقيادات العليا والوسيطة الذين يمتلكون ناصية الوعى والإدراك والفهم وتفكير عقلانى مختلف بدأ صوتهم يعلو ، لهم رؤية وخطاب سياسى مختلف يستصحب جموع سكان جبال النوبة من أبناء النوبة وغير النوبة ، فى تنامى داخل مواعين الحركة الشعبية وخارجها ، فهم يملكون المقومات والقدرات التى تجعلهم يزيحون الحلـو عـن الواجهة .. بعد أن أدركوا بإن صناعة التاريخ وتغيير الأوضاع فى جبال النوبة ، وبناء المواقف الوطنية بجانب قضايا أهلهم النوبة وقضية المنطقة لا يأتى بالولولة والعويل والنواح ولطم الخدود وشق الجيوب والإرتماء فى أحضان دولة الجنوب والتمسح بحذاء الخيانة والعمالة والمؤامرات .. وإنما بالبرمجة والتخطيط والصدق مع الأهداف والتجرد والإبتعاد عن صراعات المغانم والمكاسب .. وعلى أبناء جبال النوبة وجنوب كردفان أن يكُفُّوا عن نشر التثقيف السالب وثقافة الخلافات والتخوين والصفوية والتعالى على البعض ومواقف الحسد والحقد .. وعلى الذين إرتضوا أن يكونوا دائماً مجرد أتباع وأذيال وظلال لآخرين يهرولون من (سيد شمالى) إلى (سيد جنوبى) ثم الى (سيد .....) أن يحاولوا زرع الثقة والإعتداد والإعتزاز بأنفسهم والوقوف مع قضاياهم الحقيقية والمصيرية التى لن تأتى إلا بأن تكون السلطة والقرار بأيديهم ، وليس بأن يكونوا مجرد كومبارس وجنود مقاتلين وحصان طروادة ومطية فى مسميات مثل الجبهة الثورية وقطاع الشمال ، والتى تعتبر عبارة عن هياكل فارغة المحتوى والمضمون وبداية النهاية للقضية النوبية.

والى لقاءٍ فى مقال آخر ......

آدم جمال أحمد –     16 مايو 2012 م     -      سيدنى – استراليا
Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]