بقلم: آدم جمال أحمد – سيدنى – استراليا

تلعب الحروب دوراً كبيراً في حياة الأفراد وقد تؤدى إلى أمراض جسمية ونفسية كثيرة ويقع الضرر النفسى بصورة أكبر خصوصاً عند الأطفال ، فهم الأكثر عرضة للإنفعالات النفسية والإضطرابات العاطفية الناتجة عن الحروب مثل القصف ، والهدم ، وصوت الإنفجارات والقتل ومشاهدة الدماء ، إن كل ذلك يولد عند الفرد إحساس بأنه مستهدف وأنه قد يقتل فى أى لحظة وقد يدفعه ذلك إلى الإرتباك والخوف من المجهول والتفكير الدائم بمصيره ومصير أسرته ، وهذا ما يحدث الآن فى منطقة جبال النوبة ، والتى تستوجب وقفة صادقة مع النفس ونكران ذات وهذا يتطلب منا جميعاً أبناء الإقليم على إختلاف ألوان طيفنا السياسى والعرقى والدينى نبذ الفرقة والشتات والتناحر والتعصب والتشدد  والتطرف ، وليكن طرحنا للقضية جاد وموضوعى خلال منبر حقيقى فى شكل وعاء يتثنى للجميع المشاركة فيه لبلورة رؤية موحدة نتفق عليها جميعاً ، رغم وجود التباينات الفكرية والعقائدية والعرقية وليكون هذا لمصلحة جميع مواطنى المنطقة من نوبة وعرب وغيرهم ، وذلك من خلال البحث عن مخرج لإنتشال الولاية من مأزق الحرب والترسانة العسكرية ، والتى تسببت فى الماسأة الإنسانية التى يعيشها إنسان جبال النوبة ، يشارك فية كل أبناء المنطقة دون تمييز ، لأن الحرب ظاهرة إستثنائية وليست أمراً طبيعياً فى حل الخصومات وتحقيق الأهداف ، أما إذا كانت الأهداف والغايات غير مشروعة أساساً ، فإن الحرب حينئذٍ ستفقد مشروعيتها بهذا العنوان أيضاً ، فلا يوجد رادع عندئذ عن إستخدام أى نوع من الأسلحة حتى غير التقليدية ، وهذا يعنى تعميم الفوضى وحالة الدمار على وجه أرض جبال النوبة ، التى أصبحت مأوى لكل الحركات المسلحة ومنطقة العمليات الأولى لتحالف الجبهة الثورية ، وحصان طروادة  للوصول الى المركز ، وشعب جبال النوبة هم المطية.
والملاحظ على الحرب السائدة فى جبال النوبة الآن كثرت فيها التجاوزات ، وإعتمدت على ممارسة جميع الأساليب المحرمة شرعاً وقانوناً ، ولا غرو إن المستفيد الأول من هذه الحرب هم جنرالات وتجار الحرب من الطرفين ، وشركات ومصانع السلاح بالدرجة الأولى وهى كلها شركات ومصانع غربية على وجه الخصوص ، والتى تسببت فى حرب ضروس إجتثت الزرع والضرع ، وحصدت آلاف القتلى ، وآلاف الجرحى والمشوهين وهناك فاقد تربوى كبير وموت للنوبة بالمجان .. فقط لتصل إلى كراسى السلطة والحكم ، والثمن يدفعه فقط النوبة المستهلكون ، فيا للمفارقة !!! فلذلك نظل دوماً  نقول ونكرر ولا نمل بإن الحرب لها نتائج سلبية وخيمة على الأفراد والمجتمعات وتخلق جواً من عدم الإستقرار المادى والمعنوى والنفسى وتكون أضرارها على الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة بشكل أكبر فيقع العبء الأكبر على كاهل رب الأسرة حيث أنه المسئول الأول والمباشر على سلامة أفراد أسرته من حيث تامين الأموال وشراء الطعام ، ومستلزمات الحياة اليومية ، وإن إنقطاع الخدمات العامة أثناء الحرب ، مثل تدمير مصادر المياه وإنقطاع الماء ، والكهرباء ، وإغلاق المدارس والجامعات والأسواق تخلق جواً من التوترات العصبية ، وأيضا النفسية أضف إلى ذلك إستنزاف الموارد المادية والبشرية ، فلذلك إن عدم توافر الحاجات الأساسية أثناء الحرب وظروف العمل ، والصراع ، والإحباط ، سبباً كافياً للأمراض الجسمية والأمراض النفسية مثل ، إضطراب العاطفة والقلق والإكتئاب والهياج والذعر والخوف والغضب ، والعدوانية قد تؤدى بالفرد إلى الجهل والتخلف والإنحراف والنمو غير السليم ، فيكون غير فاعلاً فى مجتمعه وغير مفيداً للآخرين ، من هنا ومن هذا المنطلق ندعوا أولئك اللذين لا هم لهم سوى إشعال الحروب من أجل منافعهم الشخصية ومكاسبهم المادية أن يعودوا إلى ضمائرهم ورشدهم وصوابهم ، وأن يفكروا جيداً قبل إفتعال الحروب ، والإصرار على مواصلة القتال ورفض التفاوض والحوار تعتبر جريمة على شعب جبال النوبة  ، والذى سوف يبقى أقلية فى جبال النوبة بمرور الوقت ، لأنها لا تعود عليه إلا بمزيداً من الموت والدمار والخراب والماسأة ، لأن الضحايا هم أبناء النوبة من الجانبين (الحكومة والحركة) وهجليج خير مثال.
من الواضح أن حرب الحركة الشعبية بالوكالة التى يقودها عبد العزيز آدم الحلو فى ولاية جنوب كردفان ، والتى وقودها أبناء النوبة بإسم التحرير (التحريف) ووهم السودان الجديد وإسقاط نظام الخرطوم ، ليست من مطالب وأجندة أبناء النوبة ، لأنها لا تستهدف تحقيق مكاسب سياسية وتنموية لمناطق جبال النوبة التى تجرى فيها هذه الحرب ، ولا لإزالة الضيم والظلم والتخلُّف الخدمى الذى حاق بإنسان الولاية وهذه المناطق ،  لكنها تستهدف فى الأساس إستخدام أبناء النوبة والزجّ بهم فى حرب خاسرة من أجل أجندة الحركة الشعبية الأم ، التى عجزت عن تحقيقها وإختارت عقب إخفاقها أولاً الحوار والتفاوض والوصول الى سلام مع الحكومة الحالية التى نحاربها اليوم ، ثم ثانياً الحصول على حق تقرير المصير والإنفصال ، وتركت المهمة لعملائها فى السودان وفى مقدمتهم الحلو وعقار وتابعهما عرمان وبقية شذّاذ الآفاق من كوادر الحركة والحزب الشيوعى لعدم فك الإرتباط بينهما الى الآن ، فلماذا لا يفكر أبناء النوبة وما الذى يمنعهم من إختراق حواجز الحرب والجلوس مع الحكومة للتفاوض والحوار لوقف الموت وتحقيق مطالبهم العادلة فى ظل السلام.
والمتتبع لمراحل هذه الحرب ودعايتها السياسية وتفاصيل ما يجرى على الأرض ، يلحظ أن الحلو الذى يقود الحركة لا مصلحة له فى إستقرار جبال النوبة وأهلها ، يشعل الحريق ويجعل الحرب تحصد أرواح أبناء النوبة المضللين منهم والغافلين عن الأجندة الحقيقية للحرب ، لأنهم ليس لديهم ما يخسرونه ، لأن أسرته من زوجته وأولاده هاجروا من كينيا الى أمريكا وأبنائه يتلقون تعليمهم هناك فى أرقى المدارس وبقية أفراد عائلته وأسرة زوجته يعيشون فى كينيا ، أما إستثماراته وشركاته يديرها بالنيابة عنه (يونان موسى) فى جوبا وكينيا ويوغندا أ ، أما عن تنقيب الحلو وإستخدامه وتوظيفه لأفراد الجيش الشعبى عن الذهب فى جبال النوبة حدث ولا حرج.
فلذلك أن الحرب مهما كانت مبرراتها وأسبابها لها تأثيراتها السلبية على الجوانب الجسدية والجنسية والنفسية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية ووقوع حوادث الإغتصاب ضد النساء وقت الحروب كجزء من جرائم إبادة الشعوب وبالتالى إعتبار الأمر كجريمة حرب ، وفقاً لمحكمة العدل الدولية ، فلذلك نتسأل ما السبب الذى جعل هذا الميدان محرماً على الباحثين والسياسيين ودعاة السلام ، حتى يساهموا فى وقف نزيف الحرب والدمار وإحلال السلام فى جبال النوبة. 
لقد خسرت منطقة جبال النوبة عقوداً وسنوات من التناحر والحروب والنزاعات ، ولم تجنى إلا الخراب والدمار فى الأرواح والممتلكات ، لذا فالغالبية العظمى اليوم من النوبة تنشد السلام وتريد أن تعيش في هناء وطمأنينة ، تعايشاً يسمح بوصول الأفضل إلى القيادة ، تعايشاً يسمح بتنوع الثقافات والأفكار، تعايشاً يسمح بتدفق رؤوس الأموال من التجارة والإقتصاد وتبادل المصالح والخبرات ، وتقاسم مصادر الثروة وعائداتها ، لأن توفر السلم من شأنه أن ينشر ثقافة الحوار وتبادل الآراء والمعلومات وبالتالى تدفق الأفكار وتنوع الثقافات عكس تماماً عندما تنتشر الحروب والنزاعات فليس هناك مجال حينها للحوار وتبادل الأفكار ، فما أعظمه من مجتمع يترك ميدان الصراع العضلى والعصبية والنزاع ويذهب إلى حلبة الصراع الفكرى والثقافى ، ويعتبر السلام من أهم شروط التعايش بين البشر فهو نقيض العنف والكراهية والتخاصم تلك الصفات التى تخلق المشاكل والحروب بين بنى البشر ، فإذا غاب مفهوم السلم عن أذهان الأفراد والهيئات لم يبقى مجال لممارسة السياسة بطرق سلمية بل سيتعدى الأمر إلى النزاعات المسلحة والتناحر التى تخلف الدمار فى الأفراد والممتلكات وربما تأخر هذا الشعب عن ركب الحضارة ، لذلك ولضمان إستقرار جبال النوبة يجب أن يتحول الصراع من الميدان العسكرى إلى الميدان السياسى وهذا لن يتحقق إلا إذا سادت ثقافة الحوار وروح التعايش السلمى وقبول أراء وأفكار الآخرين.
فجبال النوبة (جنوب كردفان) كولاية تضم قبائل النوبة وغيرهم ، مصلحتها الحقيقية فى السلام والأمن والإطمئنان ، فلا سبيل لتحقيق التنمية المنشودة ولا النهوض بالمشروعات التى تنتظر من سنوات ، ولا ترقية لقطاع الخدمات الذى شهد فى الفترة الماضية والحالية إنحساراً كبيراً ، إلا إذا تحقق السلام وشعر الجميع أن التنمية مقرونة بالسلام والأمان ، وتجربة السنوات الست الماضية كانت دليلاً على أن السلام النسبى الذى توفر ، تحققت فيه إنجازات معقولة وكافية لتعطى مبرراً لإستدامة السلام وأهميته فى فعل شئ ملموس على الأرض وتلبية تطلعات ورغبات المواطنين فى تنفيذ مشروعات كبيرة مثل الطرق والجسور والخدمات التعليمية والصحية وخدمات المياه والكهرباء وغيرها ، التى ما زالت حلم يراود المواطنين تقف على حبل من الدخان.

ولنا عودة ........................

أستراليا – سيدنى              26 أبريل 2012 م
\\\\\\\\\\\\