إن الظرف التى تمر بها بلادنا اليوم تتطلب الإلتفاف حول أجندة الدولة الوطنية وليست الذاتية ، لحماية المكتسبات التى بنيت بجهد وعرق هذا الشعب السودانى ومحاولة تفويت الفرصة على الذين يــتربصون بالوطن وترابه ومصالح المواطنين فى الإستقرار والنماء والسلام ، ولا سيما الذين ظلوا بإستمرار يحـاولــون إستغلال الفرص بإثارة الفوضى وإختلاق الأحداث إنجرافاً نحو الإصطياد فى المياه العكرة ، والتشكيك فى كل شئ ومن خلال التشكيك يقومون بنشر الشائعات والقصص المفبركة ، دون تحكيم عقولهم أو ضمائرهم .. وعندما لم يجدوا إستجابة لأجندتهم الرخيصة ، آثروا الإنضمام الى صف العمالة والإرتزاق التى تتبناه دولة الجنوب ويقف من خلفه كل أعداء السلام فى الداخل والخارج ، الذى يرمى إلى زعزعة الإستقرار الأمنى والإقتصادى والسياسى فى بلاد ألفت التعايش السلمى والإجتماعى ، وصارت معارضتهم تتجاوز كل الأعراف الوطنية وذلك عبر تبنيهم لكل الأجندة الغربية فى سبيل إسقاط الحكومة بشتى الوسائل والطرق ، حتى لو تعارضت مع مبادئهم وقيم وأعراف الشعب السودانى ، لا لشئ إلا كرههم وبغضهم لهذا النظام الحاكم ، بغض النظر أن أوليات الوطن التى هى تسمو فوق جميع الخلافات ، ومحاولة بعضهم إستغلال المؤامرة التى تقودها حكومة جنوب السودان بإحتلالها لمنطقة هجليج السودانية غير المتنازع عليها ، لتنفيذ أجندة الدول الغربية الساعية لتغيير الأوضاع بالبلاد وجرها الى مربع الفتنة والفوضة الخلاقة.
للأسف أن المعارضة بشتى صنوفها ولا أقصد معارضة البورد والأنترنت الذين أتوا من المجهول والأبواب الخلفية وصاروا أبواق للمعارضة والحركات المسلحة يحسبون كل صيحة عليهم ، صاروا لا يستطيعون التمييز بين علاقاتهم الشخصية والإجتماعية وعلاقاتهم السياسية ، فإختلط عندهم نمط التفكير الجيوكلاسيكى غير الإندماجى والنزوع الشخصى بدلاً عن الموضوعى المثبط للهمم والبناء الفكري .. والتى لا تساعد على التلاقى ، فلجأ بعضهم الى التلاسن والإساءات الشخصية ، بدلاً من الرد والنقد الموضوعى وسياق المقال ، فصرت حقيقة أشفق لحالهم ، لأنهم ركبوا موجات العمل السياسى بمدارس محو الأمية فما زال ينتابهم الغباء السياسى والجهل بمجريات الأمور .. رغم الإختلاف الكبير بيننا فى المواقف والمنطلقات .. إلا أننى ظننت .. والظن قد يكون أكذب الحديث بإننا قد نتفق ونفرد مساحة لإدارة حوار كما دعوت له فى معظم كتاباتى حول مستقبل منطقة جنوب كردفان وما تبقى من السودان .. لم تجد الهوى والإستجابة عند البعض بل جعلتهم أن يضعوا أصابعهم فى أذانهم ويستغشوا ثيابهم وإستكبروا إستكبارا وأصروا إصراراً ، فلذلك لقد إتضح جلياً بأننا لن نتفق حتى على الحد الأدنى بيننا فى المقاصد والأهداف الجوهرية لصالح  شعب جبال النوبة على وجه الخصوص وشعب السودان عامة ، لأنه أصبح فى أجندتهم غير جائز بعد أن كنت أظنه جائز وسعينا له ...وإن اختلفت الوسائل لتحقيق ذلك لأن لكل منا طريقته ووسيلته ، ولكن كذب ظنى وحدسى عندما رأيت الخلط المريع بين الموضوعية والإبتذال .. وما يتبعه البعض منهم بأسمائهم المستعارة من محاولة غير ذكية ويائسة للخروج من جوهر الموضوع والمأزق التاريخى والموقف الحرج ، الذى وضعتهم فيه (قيادات) الحركة الشعبية بالجنوب والعقول المتآمرة والمجموعات الأخرى التى تساندهم وتؤيد إحتلال منطقة هجليج ، للفت إنتباه جمهور القراء وأهالى جنوب كردفان من جوهر القضية وتحويلهم إلى قضية إنصرافية تعتبر من سفاسف الأمور ، ومحاولة حشرهم لمفردات لم أذكرها فى مقالى البته .. ولكن ماذا نفعل ؟ إنه الغرض والمرض الذى يمشى به البعض من الإنتهازيين والنفعيين وأصحاب المصالح والهوى الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب .. فلذلك أصلاً هم منكرون للآخرين تحملهم رياح  سوء الظنون وتتلبسهم شياطين الدسائس والمؤامرات .. عندهم كل نصيحة مؤامرة وكل ما لا يوافقهم الرأى مندس وخائن ... أما نحن  فقد ألينا على أنفسنا إستنفار جماهير السودان نحو العزة والكبرياء بعيداً عن الذين خدعونا وإستخدمونا مطية فى تحقيق أهدافهم ، وما زال البعض من أبناء جبال النوبة ومناطق الهامش فى غيهم وضلالهم القديم ينساقون وراء أهواءهم وأوهامهم ، وتأيدهم لدولة الجنوب ، والتى نعم .. تربطنا بها صلات قرابة ومصاهرة وتاريخ مشترك ، لم نتكر عليها ، بالإضافة الى الجبهة الثورية التى لها أنشطة تدخل فى باب العمالة والإرتزاق ولا يهمهم تدمير البلاد سياسياً وإقتصادياً والمساس بأمنها القومى والذى يعتبر خط أحمر وضرب البنى التحتية للبلاد خاصة فى مجال المشروعات الإستراتيجية .. فلذا العمالة حينما يسع حضن الأجنبى الجميع لا ننظر الى صلات القرابة أو الدم أو التاريج والعلاقات المتنوعة ، فلو أن صلات القرابة فى هذه المواقف تفيد .. ما أصبح إبن سيدنا نوح من الغارقين حينما رفض ركوب السفينة مع أبيه ، فجاء الرد الإلهى واصفاً إياه حينما طقت عاطفة الأبوة (أنه ليس من أهلك .. إنه عمل غير صالح) ، وكذلك مخالفة سيدنا إبراهيم لأبيه أزر ، حينما هجره وقال له (سأستغفر لك ربى) ، ودعوة سيدنا محمد (ص) لقومه الذين آذووه ، حينما دعا لهم وقال (أللهم أهدى قومى إنهم لا يعلمون) .. وبنفس السياق أن الهجوم الغادر على منطقة هجليج الذى نفذته قيادة الجيش الشعبى بمساعدة قوات من الجبهة الثورية ، أدى الى تمييز الصفوف .. من هو وطنى ومن هو عميل لبلده مهما كانت المواقف والإتجاهات والمبررات ، ولا سيما نحن فى بلاد الغرب يجب أن نتعلم منها كيف نميز بين معارضتنا للنظام ومطالبة إسقاطه بالطرق المشروعة ، وبين الخطوط الحمراء لأمن الوطن وسلامة أراضيه ، والحفاظ على مصالح شعبه وسيادة الدولة وحماية المصالح الوطنية ، لأن الهجوم يؤكد إن  حكومة الجنوب لا ترغب فى أى نوع من العـلائـق الثنائية القائمة على الإحترام وتبادل المصالح المشتركة إنما ترمى الى  تنفيذ مخططها الفاشل الذى سيشعل حرباً شاملة ستكون هى الخاسر الأكبر.
فلذلك يتوجب على المعارضة الحقيقيّة أن تمارس الحراك الإجتماعى والسياسى والثقافى المستمر من أجل تحقيق المصلحة العامّة ، وصيانتها ، والدّفاع عن البلاد فى مواجهة المصالح الذّاتية الضيّقة بغض النظر من موقفها فى إسقاط النظام من أجل الوصول إلى السّلطة عن طريق كسب رضا المواطنين وثقتهم ، هو مؤدٍّ فى النّهاية إلى تحقيق المصلحة العامّة وضمان إستمراريّتها ، وهذه العمليّة كلّها تفترض وجود الحرص على تحقيق المصلحة العامّة خشية من فقدان رضا المواطنين عليها وقبولهم بها ، فإذا ما لم تحظ بذلك القبول الجماعى ، فإنّها قد تخسر الكثير ، وهذه المعارضة المتمثلة فى الجبهة الثورية التى تهيّئ نفسها لإستلام السّلطة ، تفتقر الى البرامجَ والمشاريع التى تكسب بها رضا المواطنين قبل الوطن ، وإن تورطها فى الوقوف لمساندة دولة الجنوب فى إحتلال أراضى الوطن ، تحتاج لوقفة لكشف مكامن الخلل فى عملهم ، ولماذا صار إثارة الرّأى العامّ ضدّهم ، وأصبحت مكبلة ومدثرة بثياب العمالة والخيانة لا تستطيع الخروج أو الإنفكاك عنه ، ولماذا لا تتحرك إلا بدوافع المرارات والغبن الشخصى وليس السياسى ، وخاصة فى الآونة الأخيرة ، إنّ هذه الظّاهرة جديرة بالإهتمام والفحص والمتابعة ، وذلك من أجل فهم المتغيّرات التى أدّت إلى هذا التحوّل ، وإكتشاف طبيعة هذه المعارضة ، وتوضيح مكامن الخلل والضّعف فيها ، وكيفيّة تعامل السّلطة السّياسية معها؟ وأخيرًا كيف يبدو مستقبل هذه المعارضة وما آفاقها؟
ولكن  يبدو أنَّ أعراض الولادة المتعثرة لجنوب السودان منذ إنفصاله فى يوليو 2011 من الدولة الأم والمرارات التاريخية التى تدفع معظم القيادات الجنوبية لم تبارح جسد الوليد ، ويبدو أن جوبا لم تفيق من صدمة إلاّ ولحقتها الأخرى .. بعيدة عن حسابات رجال دولة لم يتمرسوا على إمتهان إدارة الدولة بقدر ما خبروا وتعودوا على إضرام النيران فى دولة السودان ، لأنهم لم يفارقوا عقلية الطيش الطفولى وأصبحت قلوبهم وشخصياتهم أسيرة  ومعلقة بجلباب الوطن الأم التى حاولت مراراً وتكراراً إرضاعهم حليب الوطنية والإدارة الرشيدة لكنهم آثروا الفطام المبكر على الإصغاء لنصائح الأم وبعد ذلك أضحوا يتباكون على فقدانها تدفعهم مراراتهم وغلهم القديم.
ونواصل ...

آدم جمال أحمد – سدنى – استراليا

20 أبريل 2012 م

Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]