تشن حكومة المؤتمر الوطنى على شعب جبال النوبة اليوم أبشع حرب ضد الإنسانية فى القرن الحادى وعشرون ، ألا وهو سلاح التجويع ، إنتقاماً منهم بإعتبارهم فى نظرها متمردون وعقاباً لهم فى حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، بدلاً أن تواجه الحركة الشعبية التى فشلت فى منازلتها ، وذلك تطبيقاً للمثل (أضرب القراف خلى الجمل يخاف) ، لتتورط أكثر بذلك فى جرائمها ضد الإنسانية بفعل تجويع أكثر من مليونين ونصف المليون نوباوى جلهم من الأطفال والنساء والعجزة ، وإذا كان الرئيس عمر البشير وواليه أحمد هارون مطالبان دولياً وسيقدمان لمحكمة الجنيات الدولية بتهمة إرتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق شعبيهما فى دارفور ، فمن الأجدى أن يقدم مسئولون سودانيون فى الحكومة ومسئولون فى جنوب كردفان وحزب المؤتمر الوطنى لهذه المحكمة بسبب مسؤوليتهم عن إستمرار الحرب وإستخدام سلاح الجوع ومنع الغذاء لحصار النوبة فى شُعب الجبال إما لخنقهم وموتهم بالبطئ أو لإستسلامهم وسوقهم بالكرباج والعصى طائعين ، وإبقاء اقتصادهم الهش تابعاً ، ومرهوناً لقرارات طائشة تُصنع فى الخرطوم ودهاليز قيادة المؤتمر الوطنى ، لتجوّع بشراً كل همهم أن يعيشوا بحرية كما يعيشوها الآخرون.
ففى الوقت الذى هرولت فيه الحكومة للإعتراف بدولة جنوب السودان ووعدت بتحقيق السلام والإيفاء بتطبيق ما تبقى من بروتوكول إتفاقية نيفاشا فى منطقتى جنوب كردفان والنيل الأزرق ، إذ يقرر الرئيس ومجلسه القيادى والتنفيذى والتشريعى بغرف عملياته رفض سلام أديس أبابا ومواصلة القتال ودق طبول الحرب ، وشن حرب جديدة على أمعاء ملايين النوبة من أجل أمل مفقود للجم صوتهم الذى خرج من قمقمه بعد أعوام من الصمت والوهم بدور إيجابى ، ليطالب هذا الصوت الحكومة والقوى السياسية والمجتمع الدولى ودول العالم بأن تواجه الحقيقة غير القابلة للتصرف أو التضييع ، بأن اقليم جبال النوبة يجب أن يكون حقيقة بإعتباره الإسم التاريخى وواقعاً على تراب الوطن ، وأن يكون هناك سلام حقيقى وتنمية وتمييز إيجابى وحل كل الخلافات بالإتفاق والتفاهم ، وليس بالبندقية وإستخدام القوة ، لأن شعب جبال النوبة من الشعوب الأصيلة وهم أعرق شعوب الأرض حضارة فى السودان وأكثرهم عمقاً فى التاريخ وأعظمهم عطاءاً للبشرية ثقافة وحضارة وعلماً وقيماً وتسامحاً ومحبة وحماية للوطن ، فيجب أن تفرد لهم مساحة لهويتهم وثقافاتهم وأن يكونوا جزءاً من كيان الدولة السودانية ونسيجه الإجتماعى ، يتمتعوا بكل حقوقهم ومطالبهم العادلة ، فهم من بشرت بهم الكتب السماوية ( لقمان الحكيم وهاجر أم إسماعيل وزوجة سيدنا موسى ) ، وهم يتميزون بالتسامح والمحبة ، وتاريخهم ووجودهم فى السودان قبل عشرة ألاف عام من وجود من قرر اليوم أن يجوعهم.
إن التجويع هو سلاح المفلسين ، فالحكومة وقيادة حزب المؤتمر الوطنى إعتقدت بأن الحرب فى جبال النوبة سوف تكون نزهة وإستراحة محارب بعد ذهاب الجنوب وإنفصاله ، وبأنها ستكون حرب خاطفة وسريعة لتأديب النوبة بترسانتها الحربية ، ولكنها إكتشفت مؤخرا وأخيرا أنها فى ورطة وأضعف من سطوتها على شعبنا ، فالنوبة معروفين بشجاعتهم وبسالتهم وإدراكهم لفنون القتال ومواجهة المعتدين والغاصبين لا يعرفون الفرار كما يحدث وسط قوات الحكومة ، لقد قهروا عشرات الشعوب والدول على كوكب الأرض ، فدونكم الأتراك والإنجليز والمهدية والحكومات المتعاقبة فى السودان ، كما قهرت أمريكا وروسيا الفضاء وغزت الكواكب والنجوم ، فلذا الحكومة بكل قوتها وجبروتها وسطوتها وإعتدائها أفلست عندما إصطدمت بإرادة أصغر طفل نوباوى يصرخ فى زقاق الجبال أو القرية او المدي نة أو بين دفاتره أو فى حضن أمه الجوع ولا الركوع ، فالحكومة السودانية وقوتها العسكرية رغم تجاربهم المريرة ضد شعبنا فى جبال النوبة فى الحرب الجهادية (المقدسة) الأولى بإسم المشروع الحضارى ووسط التعتيم الإعلامى وقفل المنطقة عن المجتمع الدولى ومنع منظمات العون الإنسانى لفترة تزيد عن العشر سنوات ، لا يعلم العالم ماذا كان يجرى ويدور فى جبال النوبة لم تستفيد من أخطائها بعد أو تتعلم الدرس ، ولكن هذه المرة فى حربهم الأخيرة بإسم الجمهورية الثانية فى ظل عدم تسليط الألة الإعلامية على ما يحدث من قتل ودمار وحصار ونزوح وتشريد ، حتى لا تنكشف جرائمهم ، فلم تسعفهم قوتهم تلك ولا كل أجهزة الرصد والمتابعة لديهم ، أن يكتشفوا سر بقاء وصمود شعب النوبة وتماسكهم وترابطهم فى ظل الأزمات والمحن رغم إختلاف أعراقهم وإتجاهاتهم ، فقد جربوا فينا كل وسائل الإفناء والموت ففشلوا ، قصفونا بالطائرات ولم نمت ، هدموا بيوتنا بالقنابل والدانات فوق أطفالنا ونسائنا وحتى بهائمنا وأحرقوا مزارعنا ولم نمت ، هجرونا وشردونا فصرنا لاجئين ونازحين من منطقة إلى منطقة ومنعوا عننا منظمات العون الإنسانى وإقامة معسكرات النزوح واللجوء ولم نمت ، عذبونا وإعتقلونا بقوانين تعسفية وإشتباهية وسياسات ظالمة ولم نمت ، إندسوا بوسطنا ليحدثوا بيننا الإنقسام والجفوة ولم نمت ، سجنوا وإعتقلوا منا الألاف ولم نمت ، شردوا منا الملايين فى أصقاع الأرض ولم نمت ، لاحقونا فى الهواء والماء والسلع التموينية ولم نمت ، شنوا علينا حروب أخر ما أنتجه العقل ألإفنائى فى داخل الوطن وخارجه ولم نمت ، قتلوا زعماؤنا وقاداتنا وخيرة شبابنا ولم نمت ، قسموا جغرافيتنا إلى كانتونات جنوب وغرب ولم نمت ، وأخيراً حاصرونا بسلاح الجوع ومنع الغذاء كما حاصر كفار قريش الرسول (ص) والمسلمون من نساء وأطفال ورجال وعجزة فى شُعب أبى طالب بمكة ، وحصار اليهود والصهائنة للفلسطينين فى غزة ، فالتاريخ الآن يعيد نفسه فى حصار الحكومة للنوبة فى شُعب الجبال ولكن نقول لهم أيضاً لن نمت ، فنحن النوبة كالعنقاء يسهل وصفها ولكن يعسر الوصول إلى ماهيتها.
إن سلاح التجويع جربته دول كثيرة فى حروبها الطاحنة ضد دول أخرى ، فألمانيا النازية خططت لتجويع شعب روسيا نجحت أحياناً ، وكذلك فُرض الجوع على فرنسا واليونان فى الحرب العالمية الثانية ووقع ما وقع من موت وعذاب ، ومات مليون ونصف المليون عراقى بفعل حصار الجوع ، ونحن نعرف أننا بعد اليوم سنربط الحجارة على أمعائنا لنسكت صرخاتها ، وقد نمشى حفاة فوق صخور الجبال وشوك الغابات ، وقد نضطر أن نعيش نصف حياة أو أقل ، ومع ذلك لن نموت لماذا؟ لأن لنا نحن النوبة سر بقاء !! ، فقد ينفخ فى الصور إيذاناً بيوم القيامة ولن تكتشف الحكومة وزبائنها سر بقائنا هذا ، والجوع بالنسبة لنا هو أهون أنواع الألم فمن عاش ألم الموت ولم يمت فلن تقهره صرخة جوع ، وما على المجوّعين إلا أن يبحثوا عن سر وجودنا بدل تجويعنا وأجزم أنهم لن يستطيعوا.

ورغم ان الشعب النوبى يواجه الجوع والحصار بمخزونه المحلى بالصبر وقوة التحمل وقد يكون مجبراً ، لان الحكومة تفرض قوانينها دون ممانعة من أحد فى الداخل والخارج سوى النغمات الببغاوية التى أعتاد عليها الشعب النوبى وملها ، لأنها فارغة من أى مضمون وطنى أو سياسى ، نغمة تتسم بالعفوية واللامبالاة للواقع المرير الذى يحيط بالشعب النوبى ، هذا الشعب الذى تكالبت عليه قوى نظام المؤتمر الوطنى بسياساته المختلفة ، وليصبح فريسة لقوى وأيدلوجيات اتسمت بالنرجسية والدموية وفقدان البوصلة ، وخير دليل على هذا الكلام سيل التصريحات التى تؤكد رفض الحكومة التفاوض مع الحركة الشعبية ، رغم الصلف والتعنت الحكومى الذى وصل إلى حد الإذلال والتعامل بدونية مع شعب النوبة الذى يتعامل بليونة مع جميع الأطراف دون أى تطرف ، ولكن ما لقونه لقوات الحكومة فى مسارح العمليات أذهلهم وأدهش العالم فهى غضبة الحليم ، فالشعب النوبى المحاصر والمجوع وقع فريسة العفوية السياسية والإستزلام الوطنى والمزايدات الفارغة التى دفعت به إلى اليأس والإحباط ، ولكن رفض الإستسلام للواقع المرير ، هذا الواقع الذى يدور في حركة مفرغة من الإشتراطات والمواقف والممارسات التى تؤكد أن الصراع بين النوبة وحكومة المؤتمر الوطنى لا زال في بداياته ، وأن شعب جبال النوبة إستطاعوا أن يصمدوا وعرفوا المشكلة ، ولكن الحكومة عاجزة عن إيجاد المخارج والحلول الكفيلة بإخراجها من المستنقع والنفق المظلم الذى تعيش فيه ، وبمعنى آخر فإن الحكومة تلعب على التناقض الداخلى وتحاول أن تمسك بخيوط اللعبة لنصبح فى جبال النوبة شئنا أم أبينا مجرد دمى نتحرك بإرادتها ، لتتحكم بكل مناحى الحياة الاقتصادية والسياسية ، لتبرهن لنا هى التى تشبع وتجوع وهى التى تقرر الحرب والسلام ، وأنها تتحكم بالمياه والهواء والحدود .....إلخ .. أى بمعنى آخر تمسك بالحبل على رقابنا.
الصورة قاتمة فى جبال النوبة والمستقبل ضبابى ، والإنقسام شبه حتمى بإثارة النعرات وسياسة التخوين وتصنيف النوبة ، وهذا بدوره سوف يضعف بتماسكتنا وقوتنا التى فى وحدتنا ، ولا بد من تقبل بعض وتجاوز العصبية والجهوية وتخوين بعض ، وأن نضع أيادينا فوق بعض وأن نوجه سلاحنا لصدر عدونا وليس على صدر أى نوباوى مهما كانت مواقفه أو إتجاهاته ، فالبيت النوبى يسعنا جمعياً بمختلف ألوان طيفنا السياسى وبمختلف ثقافاتنا وأدياننا لنشارك مع بعض بفعالية لإنقاذ شعب جبال النوبة من الموت والدمار الذى يحدث يومياً ، وأن نساهم ونتبرع بما تجود به أنفسنا ، وذلك لدعم المتضررين من الأحداث الأخيرة التى وقعت في جنوب كردفان من أطفال ونساء وأيتام وأرامل ، يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة ، بعد أن منعت الحكومة منظمات العون الإنسانى والمواد التموينية عنهم وعن قراهم ومدنهم على إثر الحرب الدائرة هناك ، وفرضت عليهم سلاح التجويع ، فأهلنا وشعبنا يموتون يومياً ، فهل هناك موقف أصعب من ذلك يجعلنا نبخل أو نقف متفرجين ، فالى متى نظل جامدين ومتوجسين لا نتحرك والموقف لا يطول الإنتظار.
فالثوابت النوبية التى قدم الشعب النوبى فى سبيلها ألاف الشهداء والجرحى والأسرى مهددة بالضياع ، ونحن نغرق فى جدل بيزنطى ونقاش عقيم حول من الذى أخطأ ، وهل هذا حركة شعبية أم هذا مؤتمر وطنى وهل هذا نوباوى ولا غير نوباوى ، والبعض من منسوبى الحركة الشعبية يهدد بعض أبناء النوبة بالقتل لإختلاف فى المواقف وهم يعتبرون خصماً لرصيد الحركة وليست إضافة فيجب بترهم ، فمن الذى أعطاهم الحق فى رفض الطرف الأخر ، لأن كل ذلك يفرق من وحدتننا ويبعثر شملتنا ويقلل من قوتننا ، ويجب أن نساهم جمعياً مهما كانت مواقفنا أو مبرراتنا فالوقت ليس للحساب ، وأهلنا يعيشون ظروف قاهرة جراء ما أصابهم من كوارث ودمار الحرب المفروضة عليهم .."وما أعظمنا" ننام على أبواب الحرب نستجدى حقوقنا المشروعة ونقبل ونتفاوض مع الطرف الآخر ، وندير ظهرنا لبعض ونخون بنى جلدتنا ، وقوات الحكومة تسطوا على حرماتنا وهويتنا باسم الوطن .. نختطف ونقتل ونقمع باسم الوطن .. يريدوننا أن نفرط فى جبال النوبة باسم الوطن ، أليس ما نعايشة الآن هو التفريط بحد ذاته ولا فرق بين طرف وآخر إلا بالقدرة على تمرير الخطايا وإستخدام ما يسمى بالأوراق التى يتحكم بها كل طرف ، نحن لا نمارس السياسة ولو بحدها الأدنى ، أيعقل أن نذهب إلى التسوية إذا حدث مفاوضات أو مواجهة المؤتمر الوطنى فى الحرب بأساطيله ونحن ضعاف وممزقين ومتخاصمين.

ولنا عودة فى لقاء أخر ...

آدم جمال أحمد

سيدنى – استراليا        -    الموافق 16 فبراير 2012 م



Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]