الحلقة ( 2 – 2 )

بقلم / آدم جمال أحمد – سدنى – استراليا

ذكرنا فى الحلقة السابقة بأن هناك هجمة شرسة لقد كثرت فى الأونة الأخيرة ، وتعتبر نوع من الحملات المنظمة ضد شخص القائد دانيال كودى ، بصورة غير حضارية ، لا يتقبلها أى صاحب عقل راجح حريص على القضية النوبية من التشرزم والإقصائية .. من قبل بعض الإخوة الكتاب .. وخاصة منسوبى الحركة الشعبية بجنوب كردفان ، تمثل إستخفاف وإساءة واضحة ليس لشخص دانيال فقط ، بل تعتبر إساءة لكل رموز وقيادات جبال النوبة ، حينما يتجرأ ويتعمد البعض وصفه بالخيانة وبعض النعوت غير اللائقة والكريمة يعف اللسان عن قولها لشخص يعتبر رمزاً من رموز جبال النوبة والسودان .. له إسهاماته وإشراقاته فى القضية النوبية وأحد القيادات التاريخية التى أسست لوجود الحركة الشعبية فى المنطقة وسياسى مرموق له مواقفه مهما إختلفنا أو إتفقنا معه ..
وما يُلاحَظ أن عدوى هذا النوع من الخلاف قد أصابت جانباً مهماً ومنطقياً من حياتنا السياسية هو "الإختلاف السياسى".. فصار الكثيرون يتعاملون معه -على طول الخط- بإعتباره خطراً يهدد وحدة الصف الوطنى النوبى ، وتطرّف البعض لحد إعتباره جزءاً من الثورة المضادة .. وإنتكاسة وخزلان لوحدة صفّنا فى مواجهة نظام المؤتمر الوطنى والعمل على إسقاطه منذ بدء الحرب فى جنوب كردفان ، والحقيقة هى لا تعارض بالمرة بين وجود الإختلاف السياسى كظاهرة صحية منطقية ، وبين وجود إستعداد لوحدة الصف النوبى فى مواجهة الأخطار المشتركة ، مهما بلغ الإختلاف حداً يبدو قريباً للتصادم والتقارع العنيف .. ويمكن للقارئ مراجعة كثير من النماذج فى أحزاب سبقتنا فى تجربة الديمقراطية والتعددية .. يصل التقارع بينها لحد تبادل الإتهامات المشينة والصادمة .. لكنها تقف عن الحد الآمن من هذه الممارسة للإختلاف لم تسئ الى قياداتها ورموزها التاريخية ، لأنها تحترم قاماتها وعلماؤها و( كبيرها ) .. لأن ( الما عندو كبير يبحث له عن كبير) .. فلذلك نجحت فى إدارة الخلافات والأزمات بينها ، أما نحن فى جبال النوبة لا نحترم قاداتنا ولا علماؤنا ولا رموزنا ، فلذلك سرت وسطنا ظاهرة غريبة على مجتمعنا وغير صحية هى كيل التهم والتخوين والإساءة والتجريح للقادة والعلماء والرموز التاريخية ، لا لشئ إلا لإختلافهم معنا فى الرأى والمواقف !!.. .. فأنظروا الى الآخرين ونقبوا كل المواقع والصحف هل تجدون من يسئ الى رموزهم وقاداتهم وعلماؤهم غير شعب جبال النوبة ، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على الأمية الفكرية والخواء والجهل بمعطيات وأبجديات العمل السياسى والتعاطى معها فى الشأن النوبى وتناول القضية النوبية التى يعتبرها البعض حكراً لهم ، ونحن للأسف كنوبة ما عندنا كبير .. ونعتبر كل من إختلف معنا خائن وعميل وأنه مؤتمر وطنى ، فلذلك نتسأل من الذى أعطى الحق لهؤلاء فى تصنيف الآخرين وتفصيل ثياب التخوين وكيل التهم لهم؟.. وكيف بنا أن ننادى ونطالب بشعارات التغيير والديمقراطية وإقامة دولة المواطنة وإداراة التنوع والتعدد وإحترام الرأى الآخر وقبول الطرف الآخر !! ، ونحن فشلنا فى إدراة الإختلاف فى الرأى والمواقف بيننا ، فلم نرضى بقبول بعضنا البعض ، لكى نتمكن من إذابة كل تلك الفوارق والتناقضات التى بيننا ، وأصبحنا جمعياً تحركنا الأحكام الإنطباعية وتدفعنا الأحقاد وتسوقنا المرارات دون التحكم فى عقولنا !! .. فلذلك نأمل من قيادة الحركة الشعبية وعلى رأسهم عبدالعزيز الحلو بأن يحاولوا الجلوس مع القائد دانيال كودى والحوار معه ومحاولة ترضيته للرجوع الى لم الشمل والصف ، لتوحيد الخطاب السياسى والإعلامى مهما بلغ حجم الإختلاف بينهما ، وأن يكون هناك توجيه لعضويتهم لكف حملات الإساءة والتخوين لهذا الرجل ، وبل فتح باب الحوار مع كل أبناء النوبة الآخرين وخاصة القيادات منهم والأحزاب والتنظيمات فى جنوب كردفان ، وهم ربما أصبحوا فى خانة أقرب للمؤتمر الوطنى عن الحركة الشعبية فى إدارة الأزمة وملف الحرب بجنوب كردفان ، وأن دانيال يعتبر رمزاً لا يستهان به ، ولا سيما هناك المسيحيين ومجموعات هيبان والتنظيمات والأحزاب والقبائل العربية والقيادات والشباب والطلاب فى جنوب كردفان ومنظمات المجتمع المدنى وكل الرافضين للحرب يقفون فى صفه ومؤيدين له ، أجل .. وأكيد أن الحركة الشعبية فى موقف لا تحتاج فيه الى مزيد من الخلاف ، فليس كل من لم يكن حركة شعبية أو إختلف معها هو ضدها ، بل يجب عليها أن تلعب دوراً فى كسب هؤلاء لصفها .. أو وضعهم فى حالة تأييد لها .. أو التعاطف معها كأضعف الإيمان ، كما حدث الآن فى هذه الحرب ( فالمصائب تجمع ) .. أو على الأقل تعمل على تحييد مواقفهم .. 
وهنا نود أن نتحدث عن الإختلاف السياسى بكل صوره ، بما فيها من تجريح و"تخبيط" ومشادات وصدامات حادة .. كل هذا يدخل - في رأيى الشخصى- تحت بند الإختلاف الصحى ، والذى يبقى آمناً ما لم يصل لحد واحد من ثلاثة أمور: "الاتهام الصريح المتبادل بالخيانة" ، "حمل السلاح ضد بعض" ، "التحالف مع قوى معادية داخلية أو خارجية"..!! .. فمن طبيعة البشر الإختلاف ، وهو من الظواهر العادية بين الناس ؛ نظرًا لإختلاف القدرات الفكرية والجسمية والعقلية والبيئية واللغوية بين البشر ، فما يراه إنسان مصلحةً قد يراه إنسان آخر مفسدةً ، وما يحبه شخص قد يبغضه شخص آخر ؛ ولهذا كله أنزل الله تعالى للناس تشريعاً فى كل الأديان السماوية يحقق لهم الخير فى كل زمان ومكان ، ويجنِّبهم شرَّ تضارب الآراء وإختلاف النزاعات ، ومن العبث- كل العبث- أن يراد صبُّ الناس كلهم فى قالب واحد فى كل شىء ، وجعلُهم نسخًا مكررةً ومحوُّ كل إختلاف بينهم ، فهذا غير ممكن ؛ لأنه مخالف للفطرة التى فطر الله الناس عليها "ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إلا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" (سورة يونس) ، ثم إن الإختلاف فى الرأى - بعيدًا عن الثوابت والأصول- إنما هو إختلافُ تنوع لا إختلاف تضادّ ، فلذلك لا يفسد للود قضية ، والتنوع دائمًا مصدر إثراء وخصوبة فمن الناس من يميل إلى التشديد ، ومنهم من يميل إلى التيسير ، ومنهم من يأخذ بظاهر النص ، ومنهم من يأخذ بفحواه وروحه ، ومنهم من يسأل عن الخير ، ومنهم من يسأل عن الشر مخافةَ أن يدركَه ، ومنهم ذو الطبيعة المرحة المنبسطة ، ومنهم ذو الطبيعة الانطوائية المنكمشة ، وهذا الإختلاف فى صفات البشر وإتجاهاتهم النفسية يترتب عليه- لا محالة- إختلافُهم في الحكم على الأشياء والمواقف والأعمال .. يظهر ذلك فى مجال الفقه والسياسة ، وفي مجالات السلوك اليومى للناس فى الحياة.
وحتى تنجلى الرؤية للآخرين وتتضح نوايا الفريق دانيال للسادة القراء وجماهير جبال النوبة ، بأن هذا الرجل كان صادقاً فى رؤيته لحل القضية ووقف الحرب بعيداً عن أجندة المؤتمر الوطنى والتى ما زال الى الآن رافضاً لها ، ولكن المشكلة الأساسية التى يعانى منها أكثر النوبة وبعض المنتسبين إلى الحركة الشعبية هي الإنتقائية والإنفجار فى الخصومة ، والتعويل على ثقافة الأحكام الإنطباعية الجاهزة (المعلّبة) دون التدقيق ، أو فرد مساحة من الصبر والمرونة فى التعامل وإعمال الفكر ، وهذا  بدوره يترك أثراً سلبياً على الفرد ومن ثم على المجتمع أيضاً ، فكثيراً ما نطلق الأحكام على عواهنها متسلحين بمقدمات فاسدة لا تمت إلى المعرفة بصلة وتاليها يبطل مقدمها ، وإنتشار هذا النوع من الثقافة والأفكار فى محاكمة الغاب لغيرنا ، يؤدى إلى إغفال دور العقل وتعطيل قدرته مما يؤدى إلى ظهور جيل لا يعتمد الدليل العلمى فى حكمه على القضايا ومناقشة الرأى الآخر ، ومقارنة الحجة بالحجة والدليل بالدليل .. وما تراه من بساطة فى المستوى الفكرى والتفكيرى إنما هو نتيجة طبيعية لنشوء هذا النوع من الثقافة ، والنتيجة الطبيعية لذلك هو غياب الإنتاج الفكرى والرؤية الإستراتيجية والتخطيط السليم .. لنقف مع ذاتنا وأنفسنا لتقييم التجارب والمواقف ، ولأخذ العبر والدروس لتصحيح المسار وتجويد العمل من خلال رؤية سياسية واضحة وشاملة تستوعب الآخر ، وليس نفيه أو العمل ضده أو تجاوزه أو إقصائه ، وهذا أخطر ما تسببه الثقافة المعلّبة والتعويل على الجاهز مما يجعلنا أمة مستهلكة ومختلفة ومتنازعة ، بدلاً أن تكون متفقة .. متحدة .. متعاضدة .. متسامحة .. منتجة ، وبهذا تقف مسيرة الحركة الفكرية عند حدود الموروث الثقافى والإكتفاء به ورفض الفكر وتفعيل دور العقل هذه الطاقة المودعة عندنا وعدم حسن الظن بالآخرين.
وفى الختام نود أن نؤكد للجميع وخاصة قيادات الحركة الشعبية ، بأن السياسة مصالح فليس هناك صداقة أو عداوة دائمة ، ومن مصلحة الحركة وخاصة تحالف كاودا الجلوس والتحاور مع دانيال كودى وقيادات كبيرة أخرى داخل الحركة من أبناء الولاية ومن قبائل النوبة رافضة لهذه الحرب ، وخاصة المجموعات العربية والأفرقية بالمنطقة ، وجلهم تضامنوا مع قيادات سياسية من أحزاب أخرى فى الحكم والمعارضة ، وصارت هذه الكتل من الرافضين للحرب فى جنوب كردفان تتسع ، ونخشى أن تصبح بمرور الوقت ومع تزايد الإحتقان السياسى ذات تأثير بالغ على الأوضاع على الأرض ، لأنه بحسابات عسكرية وسياسية أى حرب مهما كانت أسبابها إذا فقدت مبرِّراتها السياسية ، ولم تجد الدعم الكافى من سند شعبى وقوة جماهيرية مؤيِّدة لها ، تُصبح مغامرة ومخاطرة ومقامرة بأثمانٍ باهظة سوف يدفعُها شعب جبال النوبة وشعب جنوب كردفان ، وفى مقدمتهم القائد عبدالعزيز الحلو وقطاع الشمال في الحركة وسوف يضعف بموقفهما ، فلذا يجب بأن لا ننسى إن مبادرة (تيار السلام) التى يقودها دانيال كودى القيادى البارز فى الحركة الشعبية ونائب الوالى السابق فى جنوب كردفان ، يجب بأن لا يستهان بها .. فالرجل له تيار كبير من المؤيدين والمتعاطفين ، وخاصة نوبة الداخل وقبائل جنوب كردفان من النوبة وغير النوبة وتيار المسيحيين ومجموعات قبائل هيبان ، قد تصيب الحركة الشعبية بجنوب كردفان فى مقتل ، ولا سيما أن نجاح هذه المبادرة تمثلت فى إنحياز المجتمع المدنى في الولاية وبل قيادات كثيرة من أعمدة الحركة الشعبية وضباط بالجيش الشعبى إلى خيار السلام ونبذ الحرب ورفضها ، فلذلك سوف نظل نقول ونكرر ونؤكد بأن الجلوس والتحاور مع القائد المنشق دانيال وغيره من القيادات فى التنظيمات الأخرى أمثال مكى على بلايل وقيادات النوبة التى إختلفت مع الحلو وما زال بعضهم  بالخارج والداخل ، فلا يستثنى منهم أحد حتى قيادات النوبة داخل حزب المؤتمر الوطنى .. مهم فى هذا الظرف التاريخى الحرج للوصول معهم لوفاق وإتفاق وتفاهم والرجوع الى خانة البيت النوبى والإلتفاف حول القضية وملف جنوب كردفان ، ومحاولة وضعهم فى رأس قائمة تحالف كاودا مهم للغاية ، كما فعل القائد سلفاكير مع كل القيادات الجنوبية المنشقة والمناوئة للحركة الشعبية وخاصة الإسلاميين منهم ، إستطاع الوصول معهم الى وفاق وإتفاق من خلال ( الحوار الجنوبى – الجنوبى ) ، مما جنبه الكثير من المعوقات ، وسهل له من مهمته فى تحقيق رغبة الجنوبيين دون إستثناء فى عملية الإنفصال وبناء دولة جنوب السودان ، وبناءاً على ذلك إذا لم تفطن الحركة الشعبية وقياداتها فى جنوب كردفان الى كل ذلك التناقض ، سوف تخسر الكثير ، وتصبح بذلك فى موقف لا تحسد عليه.

ولنا عودة فى لقاء أخر ...


آدم جمال أحمد

سدنى – استراليا        -    الموافق 17 سبتمبر 2011 م

Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\\