إشكالية الهوية الواحدة فى السودان فى ظل مكونات التنوع والتعدد والإندماج القومى

(2  -  2 )
بقلم: آدم جمال أحمد  -  سدنى - استراليا
تحدثنا فى الحلقة السابقة بأنه لقد كثر الحديث فى الأونة الأخيرة عن الهوية الواحدة فى السودان الشمالى ما بعد يوم التاسع من يوليو ، ولقد تناولت الصحافة بشتى ألوانها ومعظم الكتاب هذه الآيام التعليق على هذا الموضوع ، رغم أن مفهوم الهوية فى السودان أصبح مرتبط بنشوء صراع الأزمات وتفاقمها ، أى إنه بالون سنظل ننفخ فيه حتى ينفجر فى وجوهنا ، فالمتابع للخطاب الشائع فى السودان الشمالى الآن ، لابد أن يستنتج بأن مثقفى هذه المنطقة مصابون بالتهاب فى "الهوية " ، أو أن إحدى عظام الهوية قد إنحشرت فى حلوقنا ، فصرنا غير قادرين على البلع أو التنفس ، فلا يكاد يخلو خطاب زاعق لقومجى أو أصولى ، من عبارات "التشبث بالهوية الواحدة" و"الإشفاق على الهوية" و"محاولات محو الهوية" ، ويدفع هذا البعض لتكبد مشاق رحلة إلى الماضى السحيق "للبحث عن الهوية" ، أو لنفض الغبار عن هويته التى تم طمسها من قرون عديدة مضت ، كأننا شعب لا يعانى إلا مشكلة الهوية ، وكأن هويتنا الثمينة أصبحت محط أنظار العالم وحسده ، يحاولون سلبنا إياها ، حقداً علينا ورهبة من قوتنا فى ظلالها الوارفة.
وهذا ما يدلنا على عدم تنافي روابط الإنسان مع وطنه وشعبه مع روابط الدين والعقيدة أو ما يسمى بالهويَّة الدينيَّة ، لأن في الدين من التّعاليم ما يأمر الإنسان بالمحافظة على تلك الروابط التي تتشكل منها الهويَّة الوطنيَّة .. ويؤيد هذا الإنسجام بين الهويتين الوطنية والدينية، أن الشريعة قد أوجبت الجهاد الدفاعي عن الوطن والشعب واعتبرت من يقتل في سبيل الدفاع عنهما شهيداً .. فلذلك إذا نظرنا فى كلِّ تعريفات الوطن والشعب ، رأينا أن المعتقد والدين والسياسة ، هى من الأمور التى لا علاقة لها فى إكتساب الهوية الوطنية لشعب ووطن ، فالإنسان ينتسب الى شعبه ووطنه من خلال تلك الروابط الجامعة له مع غيره من بنى قومه والتى نشأت فى الغالب منذ ولادته ،  وتلك الروابط مع شعبه ووطنه ، هى فى الأصل سابقة على الدعوة الدينية التى جاءت إلى مجموعات بشرية لها شعوبها وأوطانها .. وقد يستفاد هذا المعنى من آيات عديدة كقوله تعالى: (كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ...) .. سورة البقرة .. وكذلك فى قوله تعالى: (وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذير ) .. سورة فاطر .. وأيضاً فى قوله تعالى: (وإنّه لذكر لك ولقومك ) .. سورة الزخرف .. فإن الروابط التى كانت موجودة بين أفراد تلك الجماعات ، هى التى جعلت منهم أمّة ، وهى التى جعلت منهم قوماً وشعباً فى المرحلة السابقة على دعوة الأنبياء والرسل. وقبل اكتسابهم لهويَّة دينيَّة معينة كانت توجد لديهم حتماً من خلال تلك الروابط هوية وطنية لا علاقة لها بالدين ، والدعوات الدينية كسائر الدعوات كان يؤمن بها بعض القوم ويرفضها البعض الآخر ، وفى أغلب الأحيان كان الذين يرفضون الرسالة أكثر عدداً من المؤمنين بها كما يشير الى ذلك قوله تعالى في عدة آيات منها: (وأوحي الى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) .. سورة هود .. وأيضاً فى سورة غافر .. قوله تعالى: (ولكنَّ أكثر الناس لا يؤمنون ) .. وكذلك فى سورة الزخرف .. قوله تعالى: (ولقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ).
ورغم هذا الإختلاف فى الهوية الدينية ، إلاَّ أنّ ذلك لم يحدث إنقساماً على مستوى الهوية الوطنية والإنتساب الى القوم والأرض، فلم يقل فريق المؤمنين لفريق الرافضين لستم من قومنا وأرضنا وكذلك العكس ، ولم يكن بإمكان فريق أن يسلخ الهوية الوطنية عن الفريق الآخر مع أنَّ الإختلاف كان يصل الى حد التضييق والمقاطعة وصولاً إلى الحرب المعلنة بينهما .. كما يحدث الآن فى قطر مثل السودان ، وهذا ما جرى للنبى عليه أفضل الصلاة والسلام عندما أمره الوحي أن يقول لقومه الرافضين لدعوته: (لكم دينكم ولي دين ) أو كذلك عندما قال لقومه فى الطائف: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .. فقد بقيت تلك الهوية التى تجمعه مع قومه رغم إختلاف العقيدة بينه وبينهم .. وهذا إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ على نحو المطابقة أو التضمين ، على أن الهوية الوطنية التى يكتسبها الإنسان من قومه ووطنه ، لا تلغيها هوية أخرى دينيَّة يكتسبها من الإيمان برسالة معينة ، كما لا ينقص من قدرها وواقعها عدم إكتساب الهوية الدينيَّة المتأخرة عنها في رتبة الوجود والولادة ، مع غضِّ النظر عن شرف مكانتها وعلو منزلتها في نفسها عند الله وعند المؤمنين بها.
ولذلك يقع التساؤل عن هذا الواقع الجديد الذى نشأ من خلال إيمان بعض القوم بالرسالة ورفض البعض الآخر لها ، وقد إكتسب بعضهم الهوية الدينية بإعتناقه للرسالة ، والآخرون الرافضون لها لم يكتسبوا الهويّة الدينية وقد حصل الإنقسام العقائدى والفكرى بين أبناء الأمة الواحدة والجماعة التى كانت متَّحدة ووقع الإختلاف كما أشار الله الى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) .. سورة يونس .. وكذلك قوله تعالى: (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ... ) .. سورة البقرة.
وكذلك نطرح تساؤلاً للسادة القراء والمتابعين .. ما هى الصِّيغة العمليَّة التى يمكن الإعتماد عليها فى الجمع بين هذه الأفراد والجماعات التى إختلفت فى الهوية الدينية والثقافية؟ .. فهل تتوقف دورة الحياة الإجتماعية على وفاق غير موجود ؟! .. أم يستمر الصراع بين الهوية الدينية وغيرها من الهويَّات والثقافات حتى تحصل الغلبة لواحدة على ما عداها من هويَّات وثقافات ؟! .. أم أنه بالإمكان إيجاد صيغة من العيش الواحد بين هذه الجماعات رغم إختلاف الهويَّات الدينية وتعدد الثقافات أو اشتراكها .. وبعبارة أدق من ذلك .. هل هناك قاسم مشترك يجتمعون اليه ويأوون الى كنفه ويحفظ لهم وحدتهم وجماعتهم ويعطيهم الحق في الإحتفاظ بخصوصيَّات التعددية الدينية والثقافية ؟ .. هذا هو التساؤل الذى حاول الكثيرون من علماء الإجتماع والسياسة والقادة المصلحين الإجابة عليه ، مستفيدين فى ذلك من تجارب الحكم وأشكاله المتعدِّدة التى مرَّت على المجتمعات البشرية التعددية حيث لا يكاد يخلو وطن من الأوطان ، ولا شعب من الشعوب ..  ولا أمَّة من الأمم من خصوصيَّة التعدُّد فى الثقافات والأديان والآراء والأفكار وغيرها من الأمور .. وقد يشير الى هذا الإختلاف بمعنى التغاير والتفاوت والتعدد قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمَّةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربُّك ولذلك خلقهم ...) .. سورة هود.
ولكن إذا تمعنا فيما سردنا نلاحظ أن الذى يبدو من ظاهر جملة من الآيات القرآنية .. ومن السنة النبوية الشريفة وسيرتها .. أنّ بناء المجتمعات والأوطان يعتمد على الأمور التى تشترك فيها جميع المكوّنات فى المجتمع والوطن ، وهى التى تكون منشأً لحقوق الأفراد والجماعات المتواجدة فيه وهذا ما ينسجم مع إعتماد الهوية الوطنية التى يحملها الفرد بصفته مواطناً يشترك معه فى هذه الصّفة كلُّ الأفراد والجماعات ، وهى التى تكون منشأً لثبوت الواجبات عليه وعليهم تجاه الوطن والمجتمع .. ولا نجد أو نرى فى الإسلام ما يتنافى مع إعتماد المواطنية قاعدة فى نظام الحكم والإدارة وتوزيع الحقوق والواجبات بعدالة ومساواة بين المواطنين مع إختلاف هويّاتهم الدينيّة والثقافية ، بل يعدُّ إعتماد هذا الأمر موافقاً لقاعدة العدل والإنصاف المستفادة من آيات عديدة منها قوله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) .. سورة النساء .. وكذلك فى قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) .. سورة المائدة .. ولا شك بأن العدالة المأمور بها فى الآيات القرآنية منبثقة عن المساواة ، التى ينظر إليها القرآن الكريم على أنها موجودة بين جميع بنى البشر الذين كرّمهم الله تعالى بقوله: (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا) .. سورة الإسراء .. وأيضاً عبّر عن المساواة فيما بينهم بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) .. سورة الحجر .. ولا سيما فى قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) .. سورة النساء .. ويبدو أيضاً أن هذه المساواة في منشأ الخلق كانت مصدراً للمساواة فى الحقوق الإنسانية التي إرتكزت عليها أحكام العدالة.
فعندما تقول (الآخر) .. أو (الغير) .. أو (غيرى) .. فهذا يعنى وجود المختلف عنك وهو ليس بالضرورة المختلف معك وإن إختلفت الآراء والأفكار والمعتقدات ، فأحدكما يساويه الآخر فى الإنسانية التى كانت مصدراً للمساواة فى الحقوق وقاعدة للعدالة كما تقدّم ذلك من الآيات السابقة الذكر .. وعندما تقول أعيش مع غيرى .. أو غيرى يعيش معى ، فهذا يعني وجود شريك لك فى العيش والوطن وفيما يستتبعه ذلك من حقوق وواجبات ، وعندئذٍ يخاطبك الحديث: (أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره لغيرك ما تكره لنفسك) .. ولذلك يمكن القول أن وثيقة المدينة المنورة التى سبق  ذكرها كانت عقداً إجتماعياً نظرت إلى الذين يعيشون معاً على أنهم متساوون فى  المواطنية ومستلزماتها بعيداً عن خصائص الدين والمعتقد ، ويؤيد هذا المعنى الذى تقدم من المساواة ما ورد في السنة النبوية الشريفة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الناس سواسية كأسنان المشط) ..  وقوله أيضاً: (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) .. وقوله: (لا فضل لأحمر على أصفر ولا لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) .. فإن المواطنين قد يختلفون فى أصول أعراقهم وأديانهم وإنتماءاتهم لكن المشترك بينهم فى الوطن الواحد هى المواطنية هم فيها على حدٍ سواء ، وهذا ما ينطبق على السودان بتنوعه العرقى والثقافى وتعدد أديانه ويتمثل ذلك فى جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور والشرق وكوش شمال السودان ، مما يدحض هوية السودان الواحدة والقبلة الواحدة وأراء الذين يتشدقون بالهوية الإسلاموعربية لسودان ما بعد اليوم التاسع من يوليو.  
وبعبارة أخرى إنّ هذه النصوص وأمثالها مع شمولها لإزالة الفوارق بين شعب وآخر لا يعيشان معاً ، وبين أمّة وأخرى بعيدة عنها ولا توجد بينهما علاقات فكيف بالشعب الواحد والأمّة الواحدة التى يعيش أبناؤها بعضهم مع البعض الآخر فى وطن واحد؟ .. فإنّ إعتماد ما يجمعهم فى هذه الحالة يكون هو الأولى بالإعتماد والأتّباع فى نظام الحياة معاً والعلاقات المشتركة .. حتى نفهم واقع التنوع والتعدد فى السودان وعدم التشدد فى الدعوات التى تنادى بالهوية الإسلاموعربية الواحدة ، ومحاولة فرضها على الآخرين ، لنحافظ على الأقل ما تبقى من هذا السودان وإلا لن نحلم بوطن يسوده الأمن والإستقرار.
ولنا عودة ......
سدنى   -   استراليا            -         يوليو 2011 م

Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]