(1  -  2 )
بقلم / آدم جمال أحمد  -  سدنى - استراليا
كثر الحديث فى الأونة الأخيرة عن الهوية الواحدة فى السودان الشمالى ما بعد يوم التاسع من يوليو ، ولقد تناولت الصحافة بشتى ألوانها ومعظم الكتاب هذه الآيام التعليق على هذا الموضوع ، رغم أن مفهوم الهوية فى السودان أصبح مرتبط بنشوء صراع الأزمات وتفاقمها ، أى إنه بالون سنظل ننفخ فيه حتى ينفجر فى وجوهنا ، فالمتابع للخطاب الشائع فى السودان الشمالى الآن ، لابد أن يستنتج بأن مثقفى هذه المنطقة مصابون بالتهاب فى "الهوية " ، أو أن إحدى عظام الهوية قد إنحشرت فى حلوقنا ، فصرنا غير قادرين على البلع أو التنفس ، فلا يكاد يخلو خطاب زاعق لقومجى أو أصولى ، من عبارات "التشبث بالهوية الواحدة" و"الإشفاق على الهوية" و"محاولات محو الهوية" ، ويدفع هذا البعض لتكبد مشاق رحلة إلى الماضى السحيق "للبحث عن الهوية" ، أو لنفض الغبار عن هويته التى تم طمسها من قرون عديدة مضت ، كأننا شعب لا يعانى إلا مشكلة الهوية ، وكأن هويتنا الثمينة أصبحت محط أنظار العالم وحسده ، يحاولون سلبنا إياها ، حقداً علينا ورهبة من قوتنا فى ظلالها الوارفة ، بل بالعكس إن الصراع حول مفهوم الهوية لم يلعب دوراً في إيقاظ وعينا كشعب سودانى يجمعنا وطن واحد ، مما أدى الى ردود فعل سالبة ، فلذا لم تساهم فى تماسكنا كنسيج إجتماعى نتمكن فيها من تذويب كل الفوارق الطبقية والإجتماعية وسط هذا الكم الهائل من التنوع والتعدد لشعب يعيش فى بلد قارة مثل السودان بما يدفعنا جمعياً لتحقيق ذاتنا ومستقبلنا والتراضى والقبول ببعض للتعايش وفق أسس من الإحترام المتبادل لبعضننا البعض ، بل قد أدى مفهوم الهوية الى تناحرنا وقتالنا لبعض ، وتدمير متبادل لإنجازات بلدنا وإنشطارها ، وكل ذلك يحدث فى ظل غياب الوعى والعدل وعدم الإعتراف ببعض فى خطابنا السياسى ، والذى ينمو في مستنقعاته مثل هذه الهواجس والهلاوس ، فنالت النصيب الأكبر من الهجوم والتشنيع والنعت من سدنة الماضى والحاضر الراكد كبركة آسنة ، ويقتضى الأمر ونحن نتقصى الشروخ في منظومتنا الفكرية ، لننتقل من أسر المثالية التي طغت على حياتنا العملية ، فصرنا نتعامل مع الواقع فى السودان كما يتعامل النائم فى أحلامه ، فلذلك علينا أن نقلب أوراق مفهوم الهوية السائد في خطابنا ، لنرى إن كنا قد أضفينا قداسة على مفاهيم لا تستدعي مجرد الإكتراث.

فلذلك من الصعب جدا الحديث عن مفهوم شفاف ، وزئبقي كالحديث عن الهوية. وأريد أن أبدأ حديثى من حيث يبدأ الإنسان ، من الطفولة لكى نستطيع تقفى أثر الهوية من حيث تبدأ أول خطواتها ينمو لدى الأطفال الإحساس بالنفس وإنفصالهم عن غيرهم من الأشخاص (أبسط مفاهيم الهوية الثقافية) منذ نعومة أظافرهم ، ومنذ الأيام الأولى التي يتعرف فيها الطفل على أمه كما يتنامى لدى الطفل الإحساس بالانتماء إلى مجموعة إنسانية منذ بداية تعامله مع الأشخاص الذين يمثلون دائرة العائلة ، ثم يبدأ الطفل بتبنى أبسط أنواع الهوية ، ألا وهى الهوية الإثنية (العرقية) ، والتى تعنى بطبيعة الحال إنتماء الشخص إلى منظومة اجتماعية تشترك في ثقافة واحدة ، حسب التعريف الواسع للثقافة ، هذه الثقافة المشتركة تتضمن اللغة والتاريخ وجغرافية المكان والخصائص المادية للإنسان كلونه وطوله ولباسه ، وتتضمن فى كثير من الأحيان الدين المشترك خصوصا لدى الثقافات أحادية الدين ، ولا داعى لأن يشترك الناس في كل الخصائص الثقافية الاجتماعية كى يتكون لديهم الإحساس النفسى بالإنتماء الإثني والهوية الإثنية ، فالهوية الثقافية فى مفهومها الواسع تتضمن إشتراك أناس مختلفى الإثنيات ومع ذلك يؤمنون بإنتمائهم إلى نفس الهوية الثقافية ، فعلى سبيل المثال .. ينتمى المسلمون إلى إثنيات متعددة متفرقة على مستوى العالم ، ولكن هذه المجموعات الإثنية تشترك فى مفهوم أوسع للهوية الثقافية ، ألا وهو مفهوم الهوية الإسلامية ، وقد تتشارك المجتمعات الإنسانية فى بلد واحد على مستوى اللغة والهوية الوطنية الواحدة ، بينما تختلف تماما في الهوية الإثنية ومقوماتها التاريخية ولغتها المختلفة ، وهذا ما يشاهد على سبيل المثال فى الدولة السودانية بإثنياتها المختلفة ، أو على مستوى مدينة أم درمان التى أحب أن أمثل بها دائما فى المواضيع الاجتماعية الثقافية ، وبقدر الإختلاف الأكاديمي فى تعريف مصطلح الثقافة ، يأخذ الإختلاف حقلا أوسع فى محاولة تعريف الهوية والوقوف على مقوماتها ومسبباتها ونتائجها .. وهذا الإختلاف حول مفهوم الهوية هو ما يجعل الهوية مفهوما غير ثابت بل متغيرا بتغير الثقافة المحيطة والمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فلا وجود حقيقى لمفهوم واحد للهوية ، بل سوف أتجرأ وأقول أن لا وجدود لهوية ثابتة أصلا فى المجتمعات الإنسانية ، ولكنها مفهوم زئبقي ، يتشكل حسب القالب الذي توضع فيه ، وهذه هي المشكلة الأساسية مع مفهوم الهوية فى السودان.
فنحن نلاحظ اليوم حربا شعواء تشنّ على التغيير الاجتماعى بكل أشكاله تحت شعارات الحفاظ على الهوية ، بينما لا تستطيع الهوية أصلا المحافظة على نفسها إلا في حالة واحدة ، وهي بقاء مجتمع واحد ذو إثنية واحدة ودين واحد ومكان واحد وجيل واحد بمعزل عن كل العالم ، وهذا طبعا مستحيل ولا يمكن أن يحدث بأى شكل من الأشكال ، ربما أستطيع الكلام عن الهوية بشكل أفضل إذا قسمتها بحسب التنوع والتعدد للتقسيمات الاجتماعية في الوسط المحلى للسودان ، ومناقشة كل قسم على حدة ، نجد أن الشكل الأكثر بدائية للهوية ألا وهو الهوية الإثنية ، والتى تتكون كما أسلفت من الإحساس بالانتماء إلى مجموعة بشرية مشتركة إثنيا وتبدأ منذ الطفولة ، وهذا النوع من الهوية أصلا متضعضع في مجتمعنا السودانى ، فالغالبية العظمى من السكان ينتمون إلى مجوعات إثنية مختلفة ، يشتركون في التاريخ والجغرافية ويختلفون فى اللغة والدين ، ولكن رغم ذلك لقد طرأت عدة تجاذبات وإختلاف حول مفهوم الهوية منذ قيام الدولة السودانية ، ومحاولة ساسة الحكم والمثقفاتية فى كل الحكومات التى مرت على السودان ، ولا سيما فى ظل حكومة المؤتمر الوطنى وتبنيها للثقافة الأحادية ، أحرزت إفرزات كبيرة وسيئة أدت بطبيعة الحال إلى تفكيك السوانيون على أساس الإنتماء الإثنى والقبلى والمذهبى ضمن الدولة الواحدة والمدينة الواحدة والقرية الواحدة ، كما أن اللجوء إلى القبيلة وتقسيم المجتمع إلى قبلى وغير قبلى .. فى ظل محاولة طمس هوية الآخرين وغياب العدالة والمساواة أدى أيضا إلى الإحتراب والإقتتال ، والى إضعاف البنية الاجتماعية والتأثير سلبا على التوازن الاجتماعى والشعور بالإنتماء الى وطن واحد متعدد الأعراق والتنوع. 
فلذا إن الهوية الدينية التى يكتسبها الإنسان من خلال إيمانه برسالة من الرسالات السَّماوية ، نجدها تأتى فى المرحلة المتأخرة عن إكتسابه للهوية الوطنيَّة التى يكتسبها من خلال كونه جزءاً من شعب وأمة ، جمعت بين أفرادها روابط العيش معاً فى الأرض والتاريخ والثقافة التى تشمل اللغة والعادات والتقاليد والتجارب .. وهذه الروابط التى تلتقى فيها أفراد وجماعات من الناس، تجعل منهم شعباً واحداً وأمَّة واحدة ، وتجعل من الأرض التى يعيشون عليها وطناً لهم ، ولذلك يدخل الشعب فى تعريف الوطن ويدخل الوطن في تعريف الشعب .. وهذا يكشف عن العلاقة الوثيقة بين الإثنين ، تصل إلى درجة التلازم وعدم الإنفكاك بينهما.
وإذا كانت المواطنية تعنى المساواة بين المواطنين فى إكتساب الهوية الوطنية التي كانت مصدراً للحقوق الوطنية ، فهى تقع مورداً لتطبيق الآيات عليها ، وهذا ما يظهر من وثيقة المدينة المنورة التى عقدها النبى (ص) مع مكونات المجتمع المتعدّدة فيها فى بداية العهد الجديد وإقامة الدولة وتنظيم الشؤون فيها ، وقد كانت موطناً للأوس والخزرج واليهود والمهاجرين والأنصار ، وقد كانت الهوية الدينية مختلفة بين هؤلاء ولكنّ الهوية الوطنية كانت الجامع المشترك فيما بينهم ، وقد نظرت هذه الوثيقة إلى الجميع على أنهم متساوون بما في ذلك اليهود وقد تضمنت وثيقة العهد الجديد عقداً إجتماعياً أرسى قواعد الأخوّة بين المهاجرين والأنصار وحافظ على العيش المشترك مع غير المسلمين من اليهود وغيرهم من العرب الذين لم يؤمنوا بالرسالة بعد ، وبل أعطتهم الوثيقة المساواة مع المسلمين فى المصالح العامة وكفلت لهم حقوقهم على قاعدة التعايش مع الشريك فى الوطن المستفادة من قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين) .. سورة الممتحنة .. فلا وطن بدون شعب .. لأن الوطن بدون شعب يصبح قطعة أرض جامدة قد تحكى قصص الغابرين ، والشعب بدون وطن يتحول الى مجموعات من المهاجرين واللاجئين الذين ينصهرون فى غيرهم ولو بعد حين ، وهذه الدرجة من الإلتصاق بين الشعب والوطن والدخيلة في إكتساب الفرد للهوية الوطنية ، تفسر لنا فى  بعض وجوهها ، مدى إرتباط الإنسان بشعبه ووطنه وحبّه لهما والتّضحية فى سبيلهما ، حتى ليبدو أن حبّ الشعب والوطن من أعظم الفضائل التى يسعى العقلاء للتَّحلى بها والحصول عليها ولذا تراهم يفخرون بأوطانهم وتاريخ شعوبهم وهذا ما ينسجم مع القول بأنّ حبَّ الإنسان لشعبه ووطنه ، هو حبٌّ غريزى يولد مع الإنسان ذى الفطرة السليمة التى تشترك فيها الأمم والشعوب على إختلاف أعراقها ولغاتها وعاداتها ، وفي بعض النصوص المأثورة  ما يتفق مع هذا القول من خلال دعوتها لحب الأوطان والتمسك بها والدفاع عنها.
والى اللقاء فى الحلقة القادمة ......
سدنى   -   استراليا            -       8 يوليو 2011 م


Adam Gamal Ahmed [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]