عقدت الحركة الشعبية قطاع الشمال مؤتمرها الاستثنائي فى اجواء مشبعة بالترقب والحذر ، الأسبوع المنصرم وخرجت بحق تقرير المصير ، والذى لم يجد اى إرتياح او تأييد ، بإعتباره خطوة غير موفقة قد يؤدى الى تعقيد الاوضاع ، خاصة فى ظل غياب أى رؤية أو إستراتيجية واضحة لأبناء النوبا بالحركة الشعبية للتعامل مع قضيتهم والبحث عن حلول لوقف الحرب الدائرة ، لقضية تشوبها تراكمات سياسية وإقتصادية وتقاطع لعناصر فى منطقة هى الأشد حساسية فى تركيبتها الإثنية وتداعياتها الجيوبولتيكية ، حتى برزت على سطح الأحداث مرة أخرى ، طرح المطالبة بحق تقرير المصير ، مما ينم عن قصر فى التفكير والفهم .. وخطل يجافى حقائق الجفرافيا ومكونات التاريخ والسكان بجنوب كردفان ، أحد ركائز ودعائم الدولة السودانية الأساسية ، فشعب النوبا هم أصل السودان وتاريخهم مرتبط بتاريخ السودان والذى لا يقبل التجزئة ، فلذلك ما طرح فى مؤتمر الحركة الشعبية فى هيبان والتمسك به ما هو إلا مزايدة من الحلو يريد أن يقدم شئ جديد لكسب ود ابناء النوبة بالحركة الشعبية وهو يعلم يقيناً بأنه من المستحيلات مما يجعل الوضع أكثر تأزماً وتعقداً .. رغم أن المنطقة تمر بأزمة عميقة أقعدت بالولاية عن ركب التغيير والتقدم إسوة برفيقاتها من الولايات الأخرى .. لمسح أثار الحرب والدمار الذى لحق بها .. لإنتشال مواطنيها من براثن الواقع المرير المعاش ، وعدم إنجرارهم فى لعبة أكبر من أن يديروها أو يكونوا مؤثرين حقيقيين فيها ، نظراً للتضاغط الحاصل بسبب تعدد الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة فى هذا الصراع ، ولعل المراقب لما يجرى فى المنطقة يجد أن ثمة لائحة طويلة من أسباب النزاع القائم فى عدم وجود أى بوادر حل للأزمة ، التى تبدو أنها مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر فى المستقبل القريب.

فلذلك إذا أرادت الحركة الشعبية وقادتها أن يحتفظوا لأنفسهم بمكان على خارطة الوطن الذى يتشكل الآن بعد الحوار الوطنى ، فإن أول شروطها المكان (شمالاً) , لأن جبال النوبا جزءاً أصيلاً من الشمال الجغرافى .. فلا احد يؤيد حق تقرير المصير للاسباب التالية:

أولا: دعوة التمسك بحق تقرير المصير تعتبر دعوات مثبطة لا تدفع الى التلاقى ، ولا تساعد على توحيد شعب جنوب كردفان بمكوناته الإثنية على أهدافه حول قضاياه ، فالمعروف فى الممارسة السياسية أن المطالبة بحق تقرير المصير لجنوب كردفان لا يمكن أن يجرى فى ظل تباين فى المواقف وخلافات حادة بين ابناء النوبة أنفسهم ، مع وجود تجربة فاشلة لدولة (جنوب السودان) ، والتى تثير الحسرة والندم ، الا اذا كانت تكتيك قصد منه رفع سقف المطالب ، ولكن أشك فى ذلك ولا سيما الحركة الشعبية الآن منقسمة وغير متماسكة من حيث بنائها التنظيمى ، وهى فى أضعف حالتها بالإضافة الى المتغيرات الإقليمية والدولية ، فلذلك أن أى مطلب فى هذا التوقيت بحق تقرير المصير يعتبر عملة غير صالحة للتداول فى السودان على الإطلاق ، كما أن المطلب نفسه سرعان ما يجعل من يطالبون به عرضة للخروج من الملعب السياسى ، لعدة إعتبارات لأن منطقة جبال النوبا (جنوب كردفان) لا تختلف ثقافياً وجهوياً عن مجمل مناطق السودان ، ولا تمتلك الخصوصية ذاتها التى كانت تميز جنوب السودان الذى منح حق تقرير المصير ، وحتى أن الجنوب نفسه بعد الإنفصال إكتشف انه يعانى من تنافر المكونات الإثنية وتمايزها بحيث بات هو نفسه بمنطق الصراع الدائر فيه الآن عرضة للتقسيم بدواعى المغايرة والخصوصية لكل قبيلة فيه ، فلذلك أن التنوع الإثنى والثقافى الذى يذخر به السودان هو مكمن قوته ، قد أدرك كل شعبه بعد رؤيتهم لنموذج (الجنوب) ، بأن عنصر التعايش والتجانس أدعى للقوة والتماسك بأكثر من أى شىء آخر ، وحتى المجتمع الإقليمى والدولى نفسه الذى حصد مرارة الندم على إنفصال الجنوب لم يعد يتقبل هذه الفكرة ، فليس من المنطق كل من حمل السلاح أن يرفع شعار تقرير المصير !.. فكل دول العالم فيها هذه المغايرة والخصوصية كأمر طبيعى ناتج عن أسباب ديموغرافية طبيعية.
ثانيا: الحديث عن حق تقرير المصير لجبال النوبا ما هو إلا هرطقة سياسية لن تفيد فى الأمر شىء ، فقواعدهم مثبتة شمالاً تاريخاً وجغرافية مهما حاولت الحركة الشعبية ومنسوبيها جرها وفق خرائط جديدة تتشكل فى مخيلتهم ووعيهم الزائف .. سيكون غالبية النوبة وبقية مكونات جنوب كردفان لهم بالمرصاد ، لأن إيمانهم الراسخ بوحدة السودان بكافة تنوعه وتباينه الكبير دون تمييز لكيان أو قبيلة أو هوية أو ثقافة لن يتزعزع ، وأننا على يقين بأن الشعب السودانى كله يرزح تحت نير الظلم والإستبداد ولكن فى جبال النوبا أمر .. ولكن سكان جنوب كردفان على وعى كامل بأصولهم العشائرية ويفتخرون بذلك فما الضير؟؟!! ، ولكنهم لم ينظروا الى أنفسهم كمجموعة منفصلة عن الإطار الكبير للقومية السودانية ، فلذا توجب عليهم التعامل مع الجميع بسياسة الإنفتاح على الآخر وتقبله والتعايش معه ، فلذلك ان المطالبة بحق تقرير المصير ما هو الا مثل الركض وراء السراب ؟؟! ، لأن النوبة أصل السودان ، وبمقدورهم ان ينالوا حقوقهم وتحقيق مطالبهم العادلة فى ظل سودان واحد يسع جميع أبنائه دون وضع اى متاريس ، فمن الاحرى عليهم البحث عن وسيلة تدعم توحد مشاعرهم كقومية ضمن السودان الواحد تستلهم هويتها وإرثها الحضارى دون إنعزال عن التيار الوطنى العام ، ولا سيما أن قيادات الحركة الشعبية تعلم بأن منطقة جبال النوبا منطقة تلاقح لأعراق مختلفة حيث تضم جبالها وسهولها المجموعات النوبية والمجموعات العربية والمجموعات الأفريقية الوافدة ، قد شكلت بذلك بوتقة ونموذجاً للتعايش السلمى والتمازج القبلى ، وأن النوبا ليست قبيلة واحدة وإنما هى مجموعات تتباين فى العادات والتقاليد واللغة.
ثالثا: أن شعب جبال النوبا شعب عريق وصاحب حضارة ضربت بجذورها في أعماق التاريخ ، وهناك تداخل لكثير من مفردات اللغة لبعض المجموعات النوبية القاطنة فى شمال منطقة جبال النوبا مع النوبيين فى الشمال وتشابه حتى فى الأسماء والعادات والتقاليد والعوامل النفسية التى تمكنهم من التعايش والتفاهم بيسر نسبة للتقارب النفسى والوجدانى والسيكولوجى بينهما لأن طابعها التجاذب .. فيجب بأ ن لا نغالط ونخدع أنفسنا !!.. وإذا إفترضنا جدلاً إنفصال منطقة جبال النوبا .. أين يذهب أهالى منطقة تقلى العباسية فى الجزء الشمالى الشرقى من الجبال والتى تمتد جنوباً حتى منطقة رشاد .. وهم وحدهم الذين أشتهروا بإمتلاك أحسن الوثائق التاريخية بسبب الصلات القوية التى كانت تربطهم بمملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) فى سنار ، وهى التى شهدت ميلاد مملكة تقلى حوالى عام 1570 كأول (كيان نوبي سياسى) قام بالمساعدة فى إنتشار الدعوة الإسلامية فى المنطقة وهم بدورهم الآن رافضون لتوجهات الحركة الشعبية .. فلذلك الذى يحاول ربط المنطقة بحق تقرير المصير ما هو إلا مكابر يركض وراء أحلام زائفة ، وهذا ما يعنيه حق تقرير المصير التنازل عن السودان الموحد أرض الأباء والأسلاف ، فلذلك غالبية النوبا يفضلون البقاء ضمن الشمال بحدوده الجغرافية ، رغم التجاوزات التى حدثت أفضل بكثير.
وفى الختام: حل قضية جبال النوبا تحتاج من الحكومة الى محاولة إعادة قراءة لها وفقاً للملامح الأساسية لمسبباتها ، والى قرار شجاع وإعتراف بقضية النوبا من رئاسة الجمهورية ، والى خطاب يغوص فى أعماق واقع المنطقة بشجاعة بحثاً عن أسباب المشكلة وجذورها ووضع الحلول الناجعة دون وضع قنابل مؤقوتة وإجراء تسوية سياسية نهائية مع أبناء النوبا ، وتطبيق مبدأ التمييز الإيجابى .. والذى أقره الحوار الوطنى من خلال الوثيقة والورقة التفصيلية للتمييز الإيجابى لمنطقة جبال النوبا ، والتى قدمها أبناء النوبا ، الذين شاركوا فى الحوار الوطنى ، وجاءت ضمن توصيات ومخرجات الحوار ، فيجب على الحكومة تطبيقها وتنفيذها ، والعمل على تحقيق السلام لمحو الآثار السالبة والسيئة للحرب ، نتيجة لتراكم عوامل التخلف والتهميش المقصود وغير المقصود لكسر الحاجز النفسى وإزالة الغبن ووضع خطط وبرامج منهجية ووطنية لإحداث تنمية شاملة فى كافة المرافق الخدمية والتنموية للمواطن بصورة عادلة تحفظ له حقوقه ، حتى يتحقق للنوبا المشاركة الفاعلة والعادلة فى السلطة والثروة والخدمات الأخرى ، مما يولد الشعور والإحساس بالثقة لديهم والرضا التام لتجاوز مرارات الماضى والقبول بمبدأ العيش تحت سقف السودان الواحد الذى يسع جميع أبنائه بهذا التباين والتنوع.

وإلى لقاء فى مقال اخر ...

آدم جمال أحمد –الخرطوم – السودان

١١ أكتوبر ٢٠١٧ م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.