بسم الله الرحمن الرحيم
نوافذ واطلالات

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



قبل عام من الآن اي في سبتمبر الماضي كتبتُ مقالاً عن الأستاذ مرغني ابو شنب مشيداً فيه بلونيته الخاصة التي تميز بها عن سائر الصحفيين والنقاد في الصحافة الرياضية والفنية. فهو صاحب باع وسطوة، ولونية خاصة بطعم ونكهة لا أجد لها وصفاً إلا قول صديقة وحبيبه على حد تصنيفه، الفنان الأستاذ كمال ترباس، الذي قال عن نفسه معلقاً: “أنا مثل الببسي كان خجيتني بهضم ليك أو بشرقك”، فكتابات الأستاذ ابو شنب (يا هضمت ليك يا شرقتك). 
الاستاذ ابو شنب أمد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية نحتاج لقلمه وعموده اليومي وهو عندي كقهوة الصباح التي اتناولها عند العاشرة، وفي الغالب أكون قد قرأت عموديه باخبار اليوم والدار.ما دفعني للكتابة عنه اليوم إلا مشاحناته وكتاباته النقدية لفضائية النيلين فقد قال: “ أن من جاءوا لتسجيل البرنامج معه قد أكلوا علب الأنناس من ورائه، بعد تناولوهم وجبة الغداء”. وأضاف “أن فضائية النيلين لم تدفع له إلا ثلاثمائة جنيه،لا تغطي حتى وجبات الضيافة لمندوبيها الذين تسوروا بيته لثلاث أيام”.
كقارئ لمقالاته،اعتبر أن ما قاله الأستاذ ليس بسبة لمن أتوا لدياره بل هي مداعبة خشنة فيها ترويح نفسي للكاتب والقارئ والجهة المستهدفة (أي إدارة فضائية النيلين)، علها ترعوي وتدفع له ما يستحقه من مال.
هذا النهج لم يكن الأستاذ مبتدعاً له، فقد سبقه إليه الكثير من شعراء العرب وفحولها، ولهممن الطرائف والنوادر والقصص في هذا المُنحنى ما تنوء به صفحات الكتب،وهي غذيرة في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني الذي عز عليَ أغتنائه. ولكني استحضر أبيات شعر مشابهة لتجربة الأستاذ أبو شنب مع شاعر أتاه ضيوف في بيته فأحدثوا ما أحدثه مندوبو فضائية النيلين في بيت الأستاذ أبو شنب. فهي قصة وطرفة وقعت للشاعر دعبل الخزاعي أحد مشاهير شعراء العهد العباسي، عاصر المأمون والمعتصم. والشعراء في ذلك الزمان كان لهم دور يماثل دور الصحفيين في أيامنا هذه.
أتي زعبلاً هذا صديق له اسمه صالح، مع ركب من الضيوف، وبعد أن أكرم نزلهم،أكتشف بعد ذهابهم أنهم قضوا على ديكه قضاءً مبرماً. فما كان منه إلا أن لجأ لصياغة أبيات شعر بكلمات لاذعات غيرُ حارقات، علها تشفى بعض ما لحق به من غبن وظلم ممن أحسن ضيافتهم فقال:
أسَرَ المُوذنَ صالحٌ وضيوفُهُ    أسر الكميُ هفا خِلالَ الماقطِ
(والمؤذن هنا اشارة لديكه الذي اختفى بين يدي صالح وضيوفه كالكرة التي ضربت على الأرض واخذت في عجل وخُبِاءتْ)
بعثوا إليه بَنيَّهم وبناتهم         ما بين ناتفةٍ وآخر سامط
(أي ارسلوا بناتهم وصبيانهم، فمنهم من ينتف الديك نتفاً، ومنهم من يسمطهسمطاً، والسمط هو جز الصوف من الجلد بالماء الساخن بعد أدخاله في النار)
يتنازعون كأنهم قد أوثقوا         خاقان أو هزموا كتائب ناهط
(أي يتنازعون لحم الديك وكأنهم اسروا وأوثقوا خاقان أي ملك الترك أو هزموا جنده)
أكلوه فانتزعت به أسنانهم         وتهشّمتْ أقفاؤهم بالحائط
(أي أكلوا الديك حتى سقطت أسنانهم من منازعة أكله، وتكسرت ظهورهم من التنازع على لحمه، فغاب من يؤذن له كل صباح)
لهذا لا أجد من جهة لأهل  فضائية النيلين هم مولوها ليأخذوا ما لحق بهم من ضرر نفسي ونقد لاذع من قلم أنصح إدارة فضائية النيلين أن توفيه حقه كاملاً، وإلا سيكرر المقال تلو المقال حتى (يهضم لهم أو يشرقهم). وعلى الأخوة والأخوات في فضائية النيلين أن لا يأخذوا ما كتبه الأستاذ أبو شنب محمل الجد، لأن مقاله عنهم ما هو إلا هزل جاد،فأكثر مقالات الأستاذ تمتاز بالطرفة والملاحة والداعبة الساخرة (التي تشرق) كل من يتعامل معه أويقرأ له. فإن سعينا لتجريد الأستاذ أبا شنب من هذه الميزة والصفة سيصبح قلمه مثل كثير من الأقلام التي تكتب في الصحافة السودانية،بلا لون ولا طعم ولا رائحة، كتابات لا يحقُ لنا أن نتوضأ بها لأنها ليست بماء ولكنها كالماء في الصفات.
لهذا أرى أن يسامح الناس هذا الكاتب المتفرد ولا يقودوه لعنت الحياة، فهو يستحق منا المسامحة والتكريم والتبجيل.وليت الدولة تلتفت له ولا تتجاوزه في التكريم وتعاقبه لصده وانسحابه من المؤتمر الوطني وعودته لأهل بيته (السادة المرغنية) وحزبه (الإتحادي الديمقراطي) ففي تقديري أن الاستاذ ابوشنب يُعد واحداُ من رواد حياتنا الاجتماعية في السودان، فنحن في حوجة لأمثاله، فقد أُتخمَنا بالسياسيين والمثقفين حتى الثمالة، الذين ما بنوا للسودان مجداً إلا في مخيلتهم ومنابرهم، التي ما انفضت إلا لتنعقد، وما أنعقدت إلا لتنفض.
فللأستاذ أبو شنب مني التحية والأحترام وصالح الدعاء.