بسم الله الرحمن الرحيم
من رسائل النور والظلام 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.




ضحكتُ والله حتى بانت نواجذي، وشرُ البلية ما يضحك. فضحكٌ مثلي ضحكي يُعد بادرة ومؤشر لفقدان الوعي، لأن المصيبة نتيجتها الحزن والكآبة وليس الضحك.
اتخذت مقعداً قصياً بقاعة مكتبة بايو لبيع الكُتب الواقعة بشارع شانتبوليه (الدجاجة الصداحة) لأقرأ مقدمة (prologue) كتاب لِمُكِش كابيلا (Mukesh Kapila) الذي عمل مبعوثاُ دائماً للأمم المتحدة للفترة من 2003 إلى ابريل 2004، وأصدر كتاباً عن تجربته في السودان وقضية دارفور تحت عنوان : ضد موجة الشر (Against a tide of Evil) ، واصفاً نفسه في غلاف الكتاب وبالخط الأحمر العريض، أنه المُبلغُ الأول، بأول قتل جماعي في القرن الواحد وعشرين the first mass murder of the twenty-first century.
أُبتلى  السودان بفعل أبنائه قبل أن يُبتلى بفعل الطامعين في زعزعة أمنه وسلامه، فسعوا بشتى السبل والحيل أن يعيش السودان وأهله حياة نكداً. ما أفاق من ابتلاءٍ إلا وقع في آخر أكثر محنةً وسواداً. وما أحداث أم روابة في أيامنا هذه إلا دليل قاطع لما أقول. لوقت مضى كان الراكب منا يسير من نملي إلى حلفا، ومن كسلا إلى الجنينة، لا يخاف إلا الذئب على غنمه. أما الآن فننام داخل بيوتنا في حصون مشيدة كأنها السجون، وبعد ذلك لا تسلم الأسر من الاعتداء.
في مثل هذا الشهر وقبل ثلاث عقود، أي أوائل الثمانينات وقعت لي قصة كثيراً ما أعيدُ روايتها كمثال لإنسان السودان في ذلك الزمن (الجميل). أتاني خالي وتربي وتوأم روحي الهادي علم الهدى أحمد (رحمة الله عليه) زائراً من طرابلس الغرب مروراً بشقيقه دكتور بدوي بألمانيا، ليقضي معنا ثلاث أيام للتحية والسلام، ثم العودة لموقع عمله بليبيا. كان سكني لا يبعد كثيراً عن المطار، فقررتُ أن أذهب راجلاً. لاختصار الطريق كان عليَّ أن اسلك طريقاً وعراً وأن أهبط من تل صغير ووادي ضيق ثم الدخول نحو صالة استقبال القادمين. وأنا أهبط من التل فإذا بسيارة الشرطة تنتظرني عند أدنى التل. تم توقيفي، ولسوء طالعي لم يكن معي بطاقة هوية أو شيء من هذا القبيل. فإذا بأحد الشرطة يسألني إلى أين أتجه؟ وأبنت مقصدي، فطُلب مني بطاقة الهوية وتعذر الأمر علي، وسألني أحدهم عن جنسيتي؟ فأجبتُه: سوداني. فإذا بالشرطة تعود لداخل سيارتها وتنصرف، وتسمح لي بمواصلة الطريق الذي لا يمسح لأحد بالمرور عليه. الطريف في الأمر أن المرحوم الهادي لم يكن لديه تأشيرة دخول، فمنحها في المطار. لم يكن الهادي أول ولا أخر سوداني يمنح تأشيرة دخول بالمطار، بل أكاد أبالغ أن قلتُ أن السوداني في سويسرا كان يعامل معاملة مواطني دول الخليج برغم البون الشاسع في القدرة المالية. كنتُ كثير التردد على بريطانيا، وكلما أذهب للقنصلية البريطانية بجنيف لا يستغرق منحي تأشيرة دخول لسنة شربة ماء. أما زملائي في العمل من بني جلدتي فكان بعضهم يزور أمريكا، وتمنح لهم تأشيرة زيارة متعددة لخمس سنوات، نعم متعددة ولخمس سنوات.
لنترك ذلك الزمن الجميل جانباً، ولنعود للكتاب وهذيان كاتبه الذي دفعني للضحك حتى كاد أن يتقوقع حولي من بالمكتبة لمعرفة عنوان الكتاب الذي دفعني للضحك بصورة لافته، ربما للإطلاع عليه، لأننا نعيش في زمان يصعب على المرء أن يضحك ملء شدقيه مثلي.
قال السيد كابيلا مستفتحاً كتابه، أنه بدأ الكتابة بعد أن نجى من محاولة تصفية جسدية كادت أن تؤدي به لعالم لن يعود من دخل إليه. كان ذلك في قمم جبال الألب السويسرية التي يكسوها الثلج الأبيض من كل جانب في يوم شتوي قارص برده، رغم شروق شمسه. وأردف واصفاً ما حدث له: "قررت مع الكاتب المشارك لي، داميان لويس (Damien Lewis) الخروج للتنزه قليلاً على قمم الجبال. ولكن بعد مسافة قصيرة ونحن هبوط وأقود السيارة بحذر، تعذرت الرؤية أمامي، وتوقفتُ عن مواصلة السير. كنتُ أظن أن الثلج الذي تمجد بزجاج السيارة هو السبب في حجب الرؤيا أمامي؟ ولكن بعد محاولة جادة مع معاوني عجزنا عن تنظيف الزجاج، فأبدى معاوني الدهشة والخوف، وقال مخاطباً: يا للهول ما الذي يجري على الأرض؟ (what on earth is this ?)   أنه ليس فعل الصقيع، إنها مواد بفعل فاعل! وقال أنه محظوظ نجى لعدم تسرعه في القيادة، وإلا لهوت بهم السيارة من قمم جبال الألب. ومضي يهول ويكبر الأمر في وصف دقيق يجبر القارئ على التعاطف معه. وقال وهو يستمع لرفيقه محذراً: " إنها رسالة تحذيرية ومحاولة لاغتيالك، أو نحن معاً! علينا أن نفهم أنك أصبحت هدفاً، وليس من الممكن أن تتغافل عن كل تلك التهديدات بالقتل التي وصلتك في السنوات الماضية".  فأجابه: "نعم إنه السودان، إنه السودان، ولعلي أقول دارفور. ومن الواضح أن هناك من يتبعني من جنيف، خاصة وأن التهديد بالقتل ما زال يلاحقني خلال العشرة سنوات الماضية رغم أنني تركتُ السودان وأهله؟". فاضطرا لقطع نزهتما الجبلية، ومقر إقامتهما (قمم جبال الألب) والعودة لجنيف، وفتح بلاغ لدى الشرطة الدبلوماسية التي تُعنى بسلامة موظفي الأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية. مما سبب قلقاً لمخدمه وللسلطات السويسرية التي أعطت الأمر اهتمامها. وأكد لهذه الجهات أن السيد كابيلا من ذلك النوع من البشر الذي لا يتنازل عن مبادئه الإنسانية والرسالية التي يؤمن بها، حتى ولو بعد محاولة إغتياله.
بعد مرور الأيام والشهور ظن أن الأمر قد انتهى، ولكن في جنيف وصلته عدة محادثات هاتفيه أخرها جاءه وصوت يقول :"دكتور كابيلا، لن ننسى لك أبداً، وسنلاحقك حتى نقضي عليك؟" كل ذلك حدث له على حد زعمه وقال: "إنه جهاز الأمن السوداني، أبى أن ينسى لي أنني المبلغ الأول عن الإبادة التي لا نهاية لها في دارفور genocide without and end ؟ فقد توصلوا لرقم هاتفي الجوال رغم تعديله أكثر من مرة هروباً من تهديداتهم المتلاحقة".
أما تعليقي أنا كاتب المقال: فوالله لو بلغ أمننا الوطني قمم جبال الألب كما روى السيد كابيلا، فنحن في مأمن من كل بأس وشر، ولعادت لنا سنوات الزمن الجميل. هذا ما أضحكني وأبان نواجذي وجعل الناس تتداعى حولي كما تتداعى الأكلة على قصعة السودان. فما أضحكني هو البحث عن البطولة الزائفة والإنسانية المدعاة لهذا الكذب الذي لا حياء فيه.
المقال ليس طرحاً لقضية دارفور أو التقليل منها، فما حدث في دارفور من تجاوزات سياسية وأمنيه لعقد من الزمان لا يحتاج لشاهد أو قلم. فقضية دارفور تستحق منا جميعاً نحن أهل السودان الوقوف معها وعندها حتى تنجلي ويعود الوطن لسابق عهده. ولكني رميتُ بمقالي أن أُفهم القارئ أن السودان ما هو إلا قصعة تُؤكل من كل ناحية وجانب. فمن أراد من زعامة فعليه بقصعة السودان، ومن أراد من بطولة فعليه بقصعة السودان، ومن أراد من شهرة فعليه بقصعة السودان، ومن أراد أن يحسب بأنه نصير للضعفاء وحامياً للمهمشين، فعليه بقصعة السودان. أما من أراد أن يقتطع أرضاً ظلماً وعدواناً، فإني ناصحه أن لا يقصدن بلداً غير السودان.