بسم الله الرحمن الرحيم



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عبر عدد الثلاثاء 6 نوفمبر 2012، من أخبار المدينة الصحيفة اليومية التي لا تتثاءب ولا تنام، على حد وصف ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ سعيد عبدالله، ناشراً في عدد الرابط لهذا على القارئ أن يأخذ انطباعي كمشاهد وليس ناقداً لهذا العمل الفني الذي هو جهد مقدر وخطوة إلى الأمام. وحسب علمي أن الفيلم تم إنتاجه بالتعاون مع قناة الشروق.
تعجبتُ كثيراً أن نداء الأخ سعيد لمن يستهدفهم من قرائه وكتابه لم يتم التجاوب معه من أولي الألباب، وعلى رأسهم يأتي الأستاذ بدر الدين حسن فهو (مالك المدينة) في أمور السينما والمسرح، فلا يجوز أن يفتي فهيا أحدٌ غيره. ولكن يبدو أنني  كنت عجولا في حكمي عليه. ففي صباح الأحد 10 نوفمبر، ظهر مقالٌ للأستاذ بدرالدين يدعونا فيه أن ننظر للسينما بعقل متفتح (وليس بغباء وجهل). ليته اكتفى بالشطر الأول عنواناً لمقاله، وأعرض عن ما بين القوسين. فلا يفوت على كاتب بذكاء مثله أن شطر العنوان الثاني مستفزٌ للقارئ ومنفرٌ له. ربما يرمي الأستاذ بدر لقراء بعينهم، ولكن قارئ المقال لا يقبل مثل هذا التبرير والتفسير. فكان يمكن أن تأتي إشارته داخل المقال وليس في عنوان له.
نعود لفيلم (تحية واحتراماً)، وهو كما وصفه الأستاذ بدر بأنه فيلم تلفزيوني يجب الاحتفاء به، فالعمل السينمائي في السودان ما زال محدوداً وخجولاً لألف سبب وسبب. لذا علينا أن ندعم ونرحب بمثل هذه التجارب والمبادرات، خاصة من محبي السينما والمسرح في السودان. والمعلوم أن المسرح في السودان "وهو رائد العمل الفني" قد تعثر كثيراً في طريق إبلاغ رسالته لأسباب نترك لأستاذنا بدرالدين التحدث عنها. رغم ذلك ما زال هناك فئة قابضة بمشعل رسالة الفن (السينمائي والمسرحي) في السودان وتصر أن تمضي قدماً برغم الصعاب التي تقف حائلاً، أدناها الإمكانيات المادية الشحيحة.
أعيد قولي أن ما أكتبه هنا ما هو إلا انطباع مشاهد كان يهوي السينما والمسرح وكرة القدم في شبابه وأوائل كهولته. إلا أن لكل مرحلة في حياة الإنسان هموم واهتمامات وإيقاع يختلف عن المراحل السابقة لها. لذا لا أريد أن أغضب أستاذنا بدرالدين إن قلت: " لم تعد السينما أحد اهتماماتي الحالية ولكن ما زال للمسرح هواً في النفس.
من عيوب إنسان السودان خلق عجولاً في التوصل للنتائج وإحداث النجاح في اقصر وقت ممكن. فنحن لا نملك أو نمتلك صفة الصبر والتريث في أعمالنا، ونريد أن نصل لنهايتها سريعاً. هذه ثقافة "امسك لي واقطع ليك".
واضح أن الفيلم تم تنفيذه على عجل، فلو تريث الأستاذ قصي السماني (كاتب القصة والسيناريو) قليلاً وأجرى مقابلات أو مسحاً لواقع حياة السودانيين بأمريكا، لخرج بصيد ثمين وقصة أكثر حيوية وواقعية وإثارة، تعبر عن نبض حياة الجيل الأول المهاجر، والجيل الثاني من أبناء المهاجرين الذين شبوا في الغرب أو ولدوا وترعرعوا فيه.
الفكرة ممتازة إلا أن الشخصيات الرئيسية في الفلم لا تمثل حال السوداني المقيم بأمريكا. أتمنى أن لا أكون مخطئاً في تقديري هذا. وما أظن أن هناك سودانيا وحداً حقق نجاحاً مالياً سمح له بالانتشار في كل ولايات الولايات المتحدة، وجعل أسهم شركته أو شركاته تتداول في بورصة الأسهم، باستثناء شخصية واحدة حققت مثل هذا النجاح في انجلترا ولكن ليس لها اهتمام على النحو المطروح في الفلم. لهذا أحسب أن النص فيه جنوحاً وخيالاً أفقد القصة نكهتها وواقعيتها. لأن الفلم نفسه هدفه طرح قضية واقعية، فلا يمكن معالجة الواقع بالخيال. ثم إنها لمعجزة كبرى أن يكون للسودانيين المقيمين بأمريكا القدرة والمقدرة على إعادة شركة بهذه القوة المالية بعد انهيار أسهمها لسبب نجهل كنهه. ثم تعود بفضل هؤلاء وتصعد في البورصة في وقت وجيز؟!!! لا أظن أن حتى أبناء عمومتنا (أعني ذرية إسحاق، باعتبارنا من ذرية إسماعيل) وهم أصحاب المال في أمريكا ما أظنهم بقادرين على فعل ذلك.
كاتب القصة والسيناريو قبل أن يبدأ كتابة قصته كان يهدف أن ينتصر لجيل المهاجرين، وينتصر للأستاذة تحية زروق التي شاهد لها (يوتيوب) وهي تبكي شوقاً للعودة للسودان. كما أراد أن ينتصر للقيم السودانية التي تتحلى بها الأستاذة (تحية) ويتحلى بها بطل الفلم (الأب الصادق)، وينتصر لهما على الجيل الثاني( الابن أمجد) وما يؤمن به من قيم مصادمة للتي عند والده (الصادق).
فكان انحيازاً لقيم لا محالة آلية للانزواء إن لم تحدث في الجيل الثاني، فهي بالتأكيد ستزول تماماً في الجيل الثالث، لأن (أمجد) لم يتشبع بهذه القيم بل رفضها وعمل للانعتاق منها. لذا فهو غير مؤهل لنقلها لأبنائه لأن ففاقد الشيء لا يعطيه. فكان لكاتب القصة ما أراد وسجل الجيل الأول سجل نصراً بلا طعم ولا رائحة، لم يكسبه عطف المشاهد حتى المنحاز منهم لهذه القيم.  فأنا كمشاهد ينتمي لجيل (الصادق) لم تنتابني حالة شعور بالسعادة والنصر والمحامي (كامل) يبلغ مخدمه (الصادق) ثم أبنه (أمجد) أن أسهم الشركة تسترد عافيتها، وهي في صعود دائم بفضل اكتتاب السودانيون فيها. وظهر على وجه (الصادق) ابتسامة فرح وهو يستمع لهذا الخبر الذي لم يكن يتوقعه، لأنه معجزة. لكن لم تكن فرحته بقدر الحدث، بل كانت ابتسامته التي زينت شفتيه أقرب للسخرية من ابنه منها للشعور بالفرح والنصر واكتساب العافية بعد أن كادت أن تبلغ القلوب الحناجر.
يفتقد الفلم للواقعية، لأنه يكاد أن يكون مفصلاً بطريقة ما لتكريم الأستاذة تحية زروق، وهي أهل لأكثر من ذلك. يمكن للمشاهد أن يقرأ هذا التكريم في اختيار اسم الفلم (تحية) و (احتراماً)، فهي إشارة ذكية من الكاتب يريد أن يقول لنا: "لك منا الاحترام يا أستاذة (تحية). هذا تأويل منى، وربما المقصود شيء غير الذي ذهبتُ إليه. ولكن كان سيكون الفلم تكريماً حقيقاً للأستاذة (تحية) لو أن كاتب القصة والسيناريو أعطى الأستاذة (تحية) مساحة أوسع مما أخذت بأن يقودنا لبعض التفاصيل في حياتها ولو لبضع دقائق. أعني هنا (سيدة) أم (أُمْنِيَة). ويكتشف المشاهد لماذا هي (كأم) خائفة على أبنتها (أُمْنِيَة) ولماذا ترى أن الحل في العودة للسودان؟
كان يمكن للأم (سيدة ) أن تروي هواجسها لصديقتها (مشاعر)، ومن خلال هذا الحوار سيعلم المشاهد، هل هو الخوف والهاجس أن تكون لبنتها علاقات عاطفية وإنسانية كبنات الغرب مما لا يتفق مع قيمنا؟ أم هو هاجس الزواج الذي ربما يأتي متأخراً (لأُمْنِيَة) أو لا يأتي أطلاقاً؟ لأن المرأة في الغرب تكرس جهدها أولاً للدراسة ثم بناء قدرات مهنية والحصول على عمل، ثم يأتي بعد ذلك الزواج. أم أنها تريد العودة للسودان حتى يحدث زواج مبكراً لأبنتها؟ ففرص زواج الفتاه السودانية أكثر حظاً في السودان منه في دول الغرب. أم أنها تخاف من الوحدة بعد أن تذهب أبنتها عنها لتبني حياتها وتبقى الأم (سيدة ) وحيدة دون أنيس؟ لذا عليها أن تدبر أمرها قبل فوات الأوان وتعود إلى السودان حيث الأهل والقبيلة والعشيرة.
هناك أسئلة أخرى تدور في ذهن المشاهد لم يجد لها تفسيراً. أين هو الأب أي الزوج؟ ولماذا تعيش (سيدة) وحيدة مع ابنتها؟ هل هناك طلاق؟ أم الأب ما زال في السودان ولم يحصل على حق الإقامة بأمريكا؟ أم هو متوفى؟ أسئلة كثيرة حائرة تدور في ذهن المشاهد، كان يمكن أن يتم الإجابة عليها في داخل الحوار الذي دار بين (سيدة) وصديقتها (مشاعر). فمثل هذه التفاصيل تعطي الفلم نكهة خاصة ومذاق وإثارة، وتكون هناك أكثر من قصة في فلم قصير.
أكثر ما أعجبني في الفلم هو أداء الأستاذة تماضر شيخ الدين التي لا أعرف عنها كثير شيء، فهذه امرأة خلقت لتمثل. ولا أدري هل تمارس التمثيل حالياً؟ إن كانت الإجابة لا، فهذا فقد عظيم للمسرح في السودان وخارج السودان. فكمشاهد اعتبرها نجمة الفلم. كما أعجبني إبراز الفلم للحدائق العامة في المدن الأمريكية خاصة أمام البيت الأبيض والبانتغون. ولعلها رسالة تصل للولاة والحكام في السودان الذين اعتدوا واستباحوا الحدائق والميادين العامة في المدن السودانية، وأحالوها قطاعاً خاصاً أو سكناً خاصاً لمن يحبون.
هل الأستاذ علي مهدي محسود؟
تطرق بعض مشاهدي الفيلم للهجوم على الأستاذ على مهدي، وهذه عدوانية متجذرة في بعضنا. أكثر ما يعجبني في هذه الشخصية التي لا يربطني بها أي رابط في الحياة غير أنه شخصية عامة عرفتها من خلال نشاطه المسرحي والسينمائي منذ السبعينات من القرن الماضي. أعني الأستاذ على مهدي. وفي تقديري أنه رجل خلاق ومبادر لا يعرف اليأس ولا الركود والركون والسكون. لهذا تجده دائما يدفع بأجهزة الإعلام المهتمة بالسينما والمسرح في السودان أن تتصيد أخباره.
ما يميز الأستاذ علي مهدي أنه يخلق الحدث ولو كان بسيطاً. وهو يتحرك في حدود ما هو متاح. لم يلعن الظلام الذي يسود بلادنا، بل أوقد شمعه يمشي متعثراً تحت ضوئها الخافت. لهذا بقى دائما متحركاً في كل العهود السياسية (مايو، الديمقراطية، ثم الإنقاذ). فالرجل فنان مسرحي سينمائي لا يعرف السكون، لهذا فرض نفسه على رأس قائمة أهل الفن والمسرح في السودان. فقد استطاع أن يخلق لنفسه شخصية فنيه قادته للتواصل ليس داخلياً فقط، بل مع العالم الخارجي (الدول الأفريقية والعربية دول الخليج وأوربا وأمريكا)، وهذا ما لم يطله أحد من أهل المسرح والسينما في السودان. فما يميز الرجل عن غيره أنه دائم البحث لنفسه عن دور في الحياة يتناسب وقدراته وملكاته الفنية فتم له ما أراد.
الأستاذ علي مهدي يحدثُ حراكاً في حياته الفنية. فهو صاحب شراكة مع اليونسكو واليونيسيف، ومؤسساً للمنظمة الدولية لقرى الأطفال SOS بالسودان. وهو المبادر الأول بالمسيرة التي تمت في أوائل هذا القرن من مدني إلى الخرطوم سيراً على الأقدام من أجل حماية الطفل ودعمه. وقد أحدثت المسيرة صداً إعلامياً كبيراً داخلياً وخارجياً. ثم تجده يفتح كوة مع أحد شيوخ الشارقة المهتمين بالفنون والمسرح، ويصبح مستشاراً له. ثم يحصل على جائزة من هذه الأمارة بالشراكة مع اليونسكو. ثم تجده رئيسا لإتحاد الفنانين العرب لثلاث دورات متتالية، ورئيسا لاتحاد المهن التمثيلية في السودان لخمسة عشر عاماً. ثم نائباً لرئيس الهيئة الدولية للمسرح ITI تحت رعاية اليونسكو ومقرها باريس. وعضواً لأكاديمية الوايبوWIPO  بجنيف لحماية حقوق الملكية الفكرية. ثم تجده صاحب فكرة مسرح البقعة الذي طاف العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، بالإضافة لعروضه داخل السودان خاصة في دارفور. إنسان بهذا الانتشار والحركة جدير بالتقدير فمن لم يستطع أن يصفق فعليه أن لا يرميه بالحجارة.
لو كان كل سوداني يمتلك هذه القدرة على الحراك والحركة والمبادرة كل في مجال تخصصه، لكان الحال السودان وأهل السودان غير الحال الذي نحن فيه. ولكن من مصائبنا أننا لا نحب أن نعمل كما يقال عنا (شعبٌ كسول)، ولا نحب للآخرين أن يعملوا، وإن عملوا بخسنا جهودهم ومبادراتهم والتقليل من قيمتها الأدبية والمادية. فهذا ما عرفه دكتور عبدالله الطيب بالحسد بين السودانيين.
وأظن أن الرجل محسود على حراكه ونجاحه. وما أظن أن نجاح الأستاذ علي مهدي كان على حساب أحد آخر، ولم يفرض على الآخرين التجمد والمكوث والقعود مع القاعدين. فالحركة والخلق والإبداع والمبادرة متاح للجميع وهناك متسع لكل مبادر ومثابر. وفي تقديري أن كاتب القصة رمى أن يبرز هذه الصورة السالبة التي وجسدها في شخصية (محمود) زوج (أماني) الذي كان كل همه الجلوس بلا عمل ومشاهدة التلفزيون وانتظار أن يكسب في لعبة الحظ. وكان كل همه أن يقلل وينتقص من كل جهد قام به ويقوم به (الصادق). تتجلى ظاهرة الحسد في شخصية (محمود) في الفرح والشماتة عندما أنهار أسهم شركات الصادق ولحقت به خسارة مالية كانت ستقوده للإفلاس. وزاد سروره للصدام الذي وقع بين الأب (الصادق) وأبنه (أمجد) وكاد أن يقودهما إلى المحاكم. ولكن فرحته لم تتم، فقد استطاع السودانيون المقيمين بأمريكا إعادة أسهم شركة (الصادق) للصعود مرة أخرى بفضل تضافرهم واستجابتهم لنداء (أُمْنِيَة).