بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ولأخبار المدينة أسرة
http://akhbaralmadina.wordpress.com/

سرني كثيراً تحية العيد من الأستاذة أحلام وكأنها صادرة من رئيس هيئة تحرير أخبار المدينة، فلها جزيل شكري ووافري امتناني، ربما باسم كل من ذكرت أسماءهم ومن غاب عنها، إذا أذنوا بذلك. يبدو أن هناك نواة أسرة تتكون في رحم (داركم الفسيح أخبار المدينة) حسب تعبيرها. فقد طفنا برفقتها على كل كاتب أو معلق أرتبط بأخبار المدينة مهنئين بالعيد.
بفضل تلك التهنئية عرفنا تفاصيل نجهلها عن بعض هؤلاء. فمن رسالتها عرفت أين يقيم الأستاذ طيب الأسماء. وبيني وبين الرجل تواصل سابق إن لم تخن الذاكرة في الاسم لأن الحدث قد وقع. فقد تشرفت برسالة منه مشيداً فيها بمقال لي انتقدتُ فيه كاتب سعودي يكتبُ في الشرق الأوسط. فقد صحح  خطأي الإملائي في عنوان المقال "الراشد الغموه حجراً" ل(الراشد القمهوه حجراً) وقال لي هي من (لقمة) وليس من لغم. وكان نقده مهذباً وشرحه ميسراً ومنطقه مقنعاً. حالي كحال كثير من الكتاب السودانيين، إلا من رحم ربي. فإن وجد (قافاً) حولها ل (غافٍ) كما فعلتُ أنا، ربما للمبالغة والتشديد، أما الذال والزا والسين والثا، فلهما عندنا نحن أهل السودان حكم الاسم الأعجمي عند أهل اللغة، نعلب بهما كيف نشاء.
لعلها سانحة أن أتقدم بالشكر للأخ سعيد عبدالله شاهين الذي جمعنا مع هذه الكوكبة الفاضلة، وعلى صدرهم رجل قامة وهامة، آلا وهو الأستاذ عبدالله علي إبراهيم الذي لم نتشرف بمعرفته إلا من خلال كتاباته، وقلت أن ظهوره في أخبار المدينة كان يوم فطامها. ولكن الفطام يعطي بعض الاستقلالية عن ثدي الأم إلا أن الغذاء يبقى مرتبط بها. لذا أقترح على الأخ سعيد أن يهتم منذ الآن بترقية أخبار المدينة في عيد ميلادها الأول، على أن تكون الترقية في النوع والمقدار " وهذا قول يعرفه الأخوة الجمهوريين لأنه منسوب لأستاذهم محمود محمد طه، فهو القائل: "اختلاف مقدار وليس اختلاف نوع". خاصة إذا علمنا أن المستقبل بعد 2020 سيكون للإعلام الإلكتروني الرقمي، وسيختفي الورقي (جرائد ومجلات) وتلفاز، وستقل نسبة الكتب الورقية. ولكن ربما يبقى الأمر في دول العالم الثالث لعشر سنوات أخريات.
ليت الأستاذ سعيد عمل من الآن لدعوة لمؤتمر مصغر بمناسبة مرور عام على أخبار المدينة الغرض منه تطوير أخبار المدينة (نوعاً ومقداراً). ويمكن أن يكون المؤتمر ليومين أو أقل، ويشارك فيه كل من تيسرت له أسباب الحضور، على أن يكون في مدينة ترنتو (كندا) حيث منشأ الجريدة التي لا تتثآب كما يقول صاحبها. وأقترح أن يكون هناك ضيف شرف من الصحفيين المقيمين بالسودان. وفي تقديري أن الأستاذ نورالدين مدني هو أفضل وأنسب ضيف للتجربة الأولى.
لعلي أختم مقالي قائلاً للأستاذة أحلام: أن أباك شكل وجدان طفولتنا ونحن تلاميذ في المدرسة الابتدائية، إلا أننا كنا نجهل كنهه كشاعر للكلمات التي يتغنى بها وردي. وما زلتُ أذكر في المدرسة الابتدائية لقريتي الشوال بولاية النيل الأبيض، كانت تقام ليالي سمر أسبوعيه، يؤمها أهل القرية والقرى المجاورة. وكانت هناك فقرة حرة يترك فيها الاشتراك حتى للجمهور على أن لا تتعدى المشاركة دقيقتين أو ثلاث.
تقدمت يوماً للمنصة وغنيت مقطعاً لوردي مستخدما شفتي ولساني (صفيراً) لإخراج صوت موسيقي مصاحب للغنية كما يفعل بشير عباس حالياً. وكانت الغنية" الحبيب، قلبو طيب، العوازل ضللو، يا حبايب اسألو". ومن بعدها ما انعقدت ليلة سمر بالمدرسة إلا وطُلبَ من الكنزي أن يصعد للمنبر ويقلد وردي. بل تعدى الأمر ذلك، فكان لي أستاذ اسمه الدرديري نورالدائم من أبناء مدينة القطينة "رحمة الله عليه" ما لقاني في مكان في القرية إلا طلب مني أن اسمعه ومن معه غنية الحبيب.
أما عندما ظهرت فينا معالم الفتوة والرجولة والميل لشقائق الرجال، فكانت كلمات أبيك هي التي تحرك وجداننا. أما الآن فقد استوى العود على الجودي، ونضج الجسم، ووصلنا قمة الهرم، ونترقب هادم اللذات فالعمر الافتراضي لإنسان العالم الثالث استوفيناه كاملاً ولله الحمد والمنة. ففي هذه المرحلة من العمر لم أجد أجمل وأبلغ من كلمات أبيك في حق وطني. وكثيراً ما استشهدت بها كلما أنتفخ الصدر والوجدان بحب الوطن وأهله، وكانت جزء من مقالي الذي أشرت إليه.
حسب إطلاعي المحدود لم أجد كلاماً شعراً كان أم نثراً، أبلغ من شعر أبيك في الاعتزاز بطوننا السودان وأهله. فانظري أنت ومن يقرأ مقالي هذا لقول أبيك الذي أجتز بعضٌ من بعض. فهو كلام يهز حتى من لم يكن له وجدان وقلب ووطن. وإليكم قوله:

بلادي أنا
بلاد ناساً موارثيم كتاب الله
وشيخاً في الخلاوي ورع
بلادي أنا،
بلاد ناساً تكرم الضيف
وحتى الطير يجيها جعان
ومن اطرافا يعود شبعان
بلادي أنا
تشيل الناس، كل الناس وساع
بي خيرو لينا يسع
بلادي أمان،
بلادي حنان وناسا حُنان
يكفكفو دمعة المفجوع
يحبو الدار
يموتو عشان حقوق الجار
يخوضو النار شان فد دمعة!
وكيف الحالة لو شافوها سايلا دموع؟
ديل أهلي .. ديل أهلي
يبدّو الغير على ذاتم
يقسمو اللقمة بيناتم
ويدّو الزاد حتى إن كان مصيرم جوع
ديل أهلي .
ديل أهلي .. البقيف في الدارة
وسط الدارة واتنبر
وأقول لي الدنيا كل الدنيا
ديل أهلي
عرب ممزوجة
بي دم الزنوج الحارة
ديل أهلي
ألاقيهم تسرّبو في مسارب الروح
بقو كُلي ديل أهلي
محل قبلت ألقاهم ..
معايا معايا زي ضلي
كان ما جيت من زي ديل
وآسفاي
وآماساتي
و وا ذُلي
تصور كيف يكون الحال
لو ما كنت سوداني
وأهل الحارة ما أهلي ؟؟

إن كان حاله يماثل قوله، فابشري بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، بفضل رب كريم رحيم يغفر الذنب ويتجاوز عن السيئات. لهذا حريٌ بك أن تفتخرين وتصدعين وتصدحين منشدة ومغنية بميراث أبيك، فقد أصبح أباً لكثير ممن رضعوا من قيمّه فتسرب حب الوطن في وجدانهم. انظري لقوله التالي، ولينظر غيرك، فحب الوطن فيه مقرون بأجمل القيم الإنسانية وأرفعها. وإن عددتها فإني أحتاج لمقالٍ ومقال. ففيها حق اللجوء لكل مستضعف. ألم يكن السودان في الثمانينات من أكبر الدول التي استضافت اللاجيئن؟
بلادي أنا، تشيل الناس،كل الناس، وساع بي خيرو لينا يسع، بلادي أمان
وفيها حق الاعتراف بالأخر واحترام التنوع وقبوله لأنه جزء منا.
عرب ممزوجة ، بي دم الزنوج الحارة ،ديل أهلي ، ألاقيهم تسرّبو في مسارب الروح، بقو كُلي ديل أهلي.
وفيها العدل، يكفكفو دمعة المفجوع، يحبو الدار، يموتو عشان حقوق الجار
وفيها قيم التضامن الذي عُرِفَ الآن بالضمان الاجتماعي، أي Social Security. ديل أهلي .. ديل أهلي، يبدّو الغير على ذاتم، يقسمو اللقمة بيناتم، ويدّو الزاد حتى إن كان مصيرم جوع، ديل أهلي ،
وفيها البيئة وحمايتها، فنجد ذلك في حديثه عن النيل والأرض والنخيل، والطير يغدو خماصاً أي جائعاً، ويعود بطاناً، أي ملئ البطن شبعاناً. وقبل ذلك فيها الأمن والسلام. إنها صورة للوطن الذي نتطلع لبنائه. إنها ميثاق أمة.
أما قبل كل ذلك، وبعد ذلك، فهي بلد التقابة بلد الذكر والقرآن. بلد الشيخ الكراس الذي رويت قصته في مقالاتي الإمتاع والمؤانسة مع كتاب تاريخ حياتي لشيخنا بابكر بدري، الذي  تلقى القرآن في خلاويه وعلى يديه برفاعة، فرضع من الشيخ الكراس ما رواه أبوك. بلادي أنا، بلاد ناساً موارثيم كتاب الله، وشيخاً في الخلاوي ورع،
أما قصة الشيخ الكراس مع زعيم الشكرية الشيخ عوض الكريم أحمد أبوسن (باشا)، فذلك أمر عجب. فمن أراد تفصيلها فليرجع إليها حيث رويت في كتاب تاريخ حياتي للشيخ بابكر بدري الجزء الأول الصفحة 22. مع مودتي.